قصة كفاح ثم نجاح ..

  • 0
  • 1٬264
  • كعادته الأستاذ الدكتور فهد بن عتيق المالكي، يُتحفنا ويُمتعنا بلقاءاته المباشرة وحوارته الماتعة مع أساتذتنا الكبار في جامعة أم القرى؛ فالبارحة أرسل لي -مشكورا- رابط لقائه وحواره المباشر مع الأستاذ الدكتور المتمرس عدنان بن محمد فايز الحارثي الشريف أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية “ذو العمادتين” لكونه تقلد عمادة شؤون المكتبات بالاضافة إلى عمادة معهد المخطوطات وإحياء التراث الإسلامي، فهو أشهر من عَلَمٍ على رأسه نار وشهادتي فيه مجروحة فهو أستاذي في مراحل التعليم الجامعي الثلاث؛ ومرشدي ومشرفي في مرحلة الدكتوراه فكنت على اتصال مباشر شبه يومي منذ اختيار الموضوع إلى يوم المناقشة.

    فمنذ دخلنا الجامعة رأينا الكثير من الأعاجيب في الحياة الجامعية؛ بل قل إن الجامعة كلها كانت أعاجيب بالنسبة لنا بايجابيّها وسلبيّها، أما أستاذنا الدكتور عدنان الحارثي فكان بالنسبة لنا أعجوبة الأعاجيب في النُّبل والأخلاق والعمل الخيري، لا زلتُ لليوم أذكر محاضراتك المليئة بالعلم الجاد والذي كنت تعرضه علينا بالأساليب الممتعة كالقصة وضرب الأمثال، والإسقاط على الواقع في أحايين كثيرة وبعض النكات -أيضاً- لا زلتُ لليوم أذكر كيف كُنا جميعاً ننشدّ للمحاضرة لا ينام أحدٌ منا ولا يملّ ولا يغفل، إنما هي اليقظة والتركيز والانسجام والحرص على متابعة كل كلمة، استمتاعاً منا بأسلوبك وايماناً بقيمة ما تقول ليس فقط لامتحاناتنا بل لعموم حياتنا، لا أنسى أبداً احترامك الشديد لكل ذي علمٍ أو فضلٍ من السابقين والمعاصرين أساتذتك وشيوخك وزملائك في الجامعة وحتى ذوي الفضل والعقل من كبار السنّ ومحاولاتك الحثيثة لنقل هذا الاحترام لنا، لا زلتُ أذكر لليوم أنك كنتَ مشهوراً من بين جميع الأساتذة ببعض اللازمات أثناء المحاضرات فمثلاً: عندما كنت تأخذ فاصلاً لثوانٍ للانتقال لموضوع جديد كنت تتمتم بـ “سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر” مرتين أو ثلاثة، ومثلاً كنت إذا سألك طالب تستمع حتى النهاية مع أن بعض الطلبة يُطيل شرح سؤاله وهو مفهوم من أول كلمتين، وكنت تبتدأ اجاباتك بـ: “حاضر، على راسي، تكرم، إذا سمحتَ لي” … الخ، وكنت في محاضراتك معروفاً باستخدامك كلماتٍ تجذب أذهاننا وقلوبنا كمثل: “أيُها النبلاء والطيبون وأبنائي الأحبة” وما شابهها من الكلمات الطيبة التي تُنبئ عن أصلٍ طيب وخُلق سام ونفس سمحة متصالحة مع ذاتها.

    وهنا يُسجَّلُ لك أنك كنت حريصاً على عدم احراج أيٍّ من طلبتك أمام البقية، لم تكن تطرد من يأتي متأخراً وربما لهذا لم يتأخر أحد عن محاضراتك إلا نادراً جداً!! لم تكن تسفّه أيّ اجابة مغلوطة تصدر من أحدنا إنما فقط تكتفي بالسكوت قليلاً ثم اعادة طرح السؤال فنفهم أن الاجابة السابقة كانت خطأ!! وإن رأيت سلوكاً مزعجاً من أحدهم داخل القاعة لم تكن تحرجه بل تلمّح ولا تصرّح، فيفهم المخطئ ويغير سلوكه ولا يُحرَج!! وأننا عرفنا وقرأنا الكثير من الكتب من خلال ما كنتَ تذكره لنا في محاضراتك، وبالطبع لا ننسى أنك ذات يوم أسعدتنا حين بشّرتنا بأنك تدعو -دائماً- في كل صلاة لجميع طلبتك في جميع محاضراتك؛ بالتوفيق والهداية والصلاح والسعادة والخير، هذا بعض من كرم تعاملك داخل قاعات المحاضرات، أتعلم -أستاذي الفاضل- وبعد كل هذه السنين كثيراً ما أقتبس من أساليب تعاملك الراقي مع طلبتي في المدارس التي أعمل بها حالياً وفي داخلي جزيل الشكر والدعاء أنك من علّمني إياها …

    د. علي بانافع باحث ومؤرخ