تسبيح تكروري طالبة جامعية، مدونة

مع كوب شاي، ما السرّ في حب الوطن؟

  • 0
  • 0
  • رسوم لأطفال يمرحون.


    مرحبًا صديقي، أحضرتُ الشاي، تعالَ سنُدردِشُ في أمر.

    تعرفُ ذلكَ السّؤالَ الّذي طرحتَهُ منذُ زمن؟ السّؤال الّذي يقُول: “ما السرّ في حُبّ الوَطن”، ثُمّ لم تجِد إجابةً وتناسَيته؟ نعم هوَ، ما رأيُكَ أن ننبشهُ قليلًا علّنا نحاولُ الوصول إلى شَيء؟
    ما أبرزُ مكانٍ شكّل طُفولتك؟ ساحةُ المدينة، أو أزقّة المُخيّم، أو شوارع القرية، ربما بيت عمّك، أو المدرسة الّتي كنتَ تبقى فيهَا لتلعبَ مع الرّفاق…، حَتمًا هو مكانٌ بعينه، أنا مثلًا.. تركّزت طُفولتِي في بيتِ جدّي _رحمهُ الله_، في الأزهار الّتي كان يقطفها لنا، في الأسكدنيا واللوزِ وسطحِ المنزِلِ والأرجوحَةِ والدّجَاج، البيتُ الّذي لم يبقَ منهُ إلا الصّور في عقلي بعدَ أن التهمتهُ المدينةُ فصارَ الآن عمارةً شاهِقَة. ماذا عنك، هل تذكرت ذلك المكان الأبرز في طفولتك؟ يجب أن تكون قد فعلت، وأنا بدوري أذكّركَ أنّه قد تشكل في طفولتنا جميعًا هذا الّذي يسمّى (حُبّ الوطن).

    لقد جهزَ الشّاي، كَم ملعقةً مِن السُّكر تُريد؟ لا! تتبعُ حميةً غذائيّة؟! حَسنًا حسنًا سأضع لك ملعقةً واحدةً فقط.

    تقولُ لِمَ أسألُ عن هذا المكان؟ طيّب على مهلك، لديّ سُؤالٌ آخر، هل تُحبّ هَذا المكان أكثر أم تُحبّ وَطنك أكثر؟ مثلًا: هَل تُحبّ زِقاقَ المُخيّم أكثَر أم تحبّ فِلسطِين أكثر_في حال كنت فلسطينيًّا وابنَ مخيّمٍ مثلًا_ ؟ كلّا ليسَ هُنالكَ مُغالطة في كلامي؛ هذا مُماثلٌ لمنزل الدّمى الّذي تمتلكهُ الفتيات، منزلٌ بلاستيكيٌّ فيهِ دُمًى ومرافق، وقد تُحبّ الفتاةُ كُلّ المنزل البلاستيكيّ أكثر، أو قد ينفردُ حبّها لدميةٍ فيهِ أكثر.

    إنّهُ سُؤالٌ صَعب أليسَ كذلِك؟ أسألُ نفسي مثلك.. هل أحبُّ بيتَ جدّي الذي لم يعُد لهُ وجودٌ الآن إلّا في عقلِي أم أحبّ فِلسطن أكثَر؟ نعَم هُوَ صعب.

    كَأنّ حُبّنَا للوطنِ هو انعِكاسٌ لحصيلةِ ذكرياتٍ عِشناها، أعرفُ أنّنَا في جَانبٍ ما قد (تعلّمنا حُبّ الوطن)، لكن هُنالكَ جانبٌ من الحُبّ حصلَ بتلقائيّةٍ وعفويّةٍ ومِنَ المُرجّح أن يكونَ ذا علاقةٍ بذكريات المكان الّذي تركّزت فيهِ الطّفولة لا الوَطن جَميعه.
    الآن أسأل، لو وُلدتَ هُنا وقضيتَ سنواتٍ قَليلة، ثُمّ سافرت وعشتَ ذكرياتكَ في لوس أنجلوس مثلًا، في الملاهي العالية، والحفلات الصّاخبة، وعندَ النّهر، أيّ وطنٍ كُنت الّذي ستتساءَلُ عن السرّ في حُبّه؟
    ثُمّ.. هَل يجبُ أن نقدّم أنفُسنا قربانًا للذّكريات؟! أم يكفي أن نحبّها فحسب؟

    ها! تقصدُ أنّني عقّدتُ الأمور؟ حَسنًا مُحقّ، هيّا لنشرب الشّاي قبلَ أن يبرُد، أنا ملعقة واحِدَة مِن السكّر أيضًا.

    تسبيح تكروري طالبة جامعية، مدونة

    طالبة جامعيّة في قِسم هندسة الحاسوب. مهتمة في علم الفيزياء، واللُغة العربيّة، والقضايا الفِكرية، والفُنون، والتدوِين.