تسعة أشياء على الأغلب لم تكن تعرفها عن السومريين القدماء

0

حوالي أربعة آلاف عامٍ قبل الميلاد، وعلى أرض فيضانات تحرقها الشمس على طول نهري دجلة والفرات حيث الاَن شمال العراق، نشأت الحضارة السومرية. بلاد ما بين النهرين الغامضة هذه اشتُهرت باختراع الكتابة المسمارية (أقدم نظام كتابة وُجد في العالم)، لكنهم أيضًا صاغوا ديانات نابضة بالحياة وإرثًا أدبيًا، وقاموا بقفزات هائلة فيما يتعلق بالحكومات ونظام الحكم والرياضيات والتخطيط العمراني والزراعة. إنّهم السومريون، الحضارة الأقدم التي يذكرها تاريخ ما بين النهرين، والتي يدين لها العالم بالكثير.

إليك تسع حقائق مبهرة عن إحدى أقدم الحضارات المتطوّرة التي عرفها التاريخ.

1. إحدى أكبر المدن السومرية قد حوت ما يقارب ثمانين ألف نسمة

المدينة السومرية

أصول الحضارة السومرية في بلاد ما بين النهرين (دجلة والفرات) ما تزال موضوع نقاشٍ حتى اليوم، لكنّ الأدلة الأثرية تشير إلى أنهم أسسوا ما يقارب اثنتي عشرة مدينة في الألفية الرابعة قبل الميلاد. كانت المدن تتألف من سور وزقورة(المدرّج)، وهي معابد بشكلٍ هرمي مرتبطة بالديانة السومرية. كان يتم تشييد البيوت بواسطة قصب الأهوار المجمع أو الطوب الطيني، وتم حفر قنوات الري المعقدة للاستفادة من المياه المحمولة من نهري دجلة والفرات للزراعة. كانت أريدو، أور، نيبور، لكش وكيش من المدن السومرية الرئيسية، لكنّ الأقدم والأكثر امتدادًا كانت أوروك، وهي مركزٌ تجاري مزدهر تباهى بجدار دفاعي يمتد ستة أميال، وتعداد سكاني بين 40000 و 80000 نسمة. وفي قمة ازدهارها حول 2800 قبل الميلاد، كانت على الأرجح أكبر مدينةٍ في العالم.

2. قائمة الحكام السومريين تتضمن امرأة واحدة

سومر

أحد أكبر مصادر المعلومات عن بلاد مابين النهرين القديمة هو ما يدعى “قائمة الملك”، وهو لوح طيني يوثّق أسماء معظم الحكّام القدماء لبلاد سومر ومدة حكمهم. القائمة هي خليط بين الوقائع التاريخية والخرافات (قيل بأنّ أحد أوائل الملوك قد عاش 43200 سنة)، لكنه أيضًا يحوي الحاكمة الأنثى الوحيدة في سومر على هيئة كوبابا (المرأة حارسة الحانة) التي يفترض أنها استولت على العرش في مدينة كيش حوالي 2500 قبل الميلاد. لايُعرف الكثير عن حكم كوبابا أو كيف وصلت إلى السلطة، لكن القائمة تنسب لها “ترسيخ أسس كيش” وتشكيل السلالة التي استمرت مئة عام.

ملحمة جلجامش… بين الأدب والرؤى الفلسفية!

3. المدن السومرية كانت في حالة حرب بين بعضها معظم الأوقات

سومر

بالرغم من أنّ تقاليدهم ولغتهم كانت مشتركة، كانت المدن السومرية في حالة حرب شبه دائمة نشبت بين العديد من السلالات والملكيات المختلفة. أول هذه الصراعات التي عُرفت للتاريخ تضم ملك لكش إياناتوم الذي هزم مدينة أومة المنافسة في نزاعٍ حدودي حوالي 2450 قبل الميلاد. للاحتفال بذكرى انتصاره، شيّد إياناتوم مايسمى “مسلة النسور” وهي نصبٌ حجري كلسي مروّع يصوّر الطيور تتغذى على لحم أعدائه الذين سقطوا. تحت حكم إياناتوم، سيطرت لكش على كل بلاد سومر، لكنها كانت واحدةً من عدّة مدن سيطرت على بلاد مابين النهرين خلال تاريخها.

الاقتتال الداخلي أدى إلى تطوّرات عسكرية عديدة (اخترع السومريون تشكيل الكتيبة وحصار الحرب)، لكنه تركهم أيضًا عرضةً للغزو الخارجي. خلال المراحل الأخيرة من تاريخهم، تعرضوا للهجوم وتمّ احتلالهم من قبل العيلاميين والأكاديين وجيش الغوتيان (هم سومريون ذوو مشاكل عقلية تم تنظيمهم في جيشٍ قوي وكانوا يشاركون بالحروب دائمًا) .

4. كان السومريون مُغرمين بشكل كبير بالبيرة

السومريين

بجانب اختراع الكتابة، العجلة، المحراث، رموز القانون والأدب، عُرف عن السومريين أنهم أيضًا من صانعي البيرة التاريخيين. وقد وجد علماء الآثار أدلة لصنع البيرة في بلاد مابين النهرين التي يرجع تاريخها إلى الألفية الرابعة قبل الميلاد. ماتزال التقنية التي استعملوها غامضة، لكن بيرتهم المفضلة تبدو أنها اختراعٌ أساسه الشعير، وسميكةٌ لدرجة أنه لابد أن تُشرب من خلال نوعٍ خاص من قش الترشيح. أشاد السومريون ببيرتهم لمكوّناتها الغنية بالمغذيات ودعوها بأنّها المفتاح إلى “القلب الفرح والكبد الراض”. كان هناك حتى اَلهة سومرية لصناعة البيرة تسمى “نينكاسي” يُحتفل بها في نشيد شهير باسم “الذي يروي مجموعة الشعير على الأرض”.

السر خلف أسماء عواصمنا العربية…(2)

5. الكتابة المسمارية استُعملت لأكثر من ثلاثة آلاف عام

الكتابة المسمارية

اختراع السومريين للكتابة المسمارية يعود لتاريخ 3400 قبل الميلاد. وتألفت في شكلها الأكثر تطورًا من عدة مئات من الأحرف استخدمها الكتّاب القدماء لكتابة الكلمات أو المقاطع على ألواح الطين الرطب بواسطة قلم قصب، ثم توضع الألواح في الفرن أو تُترك في الشمس لتقسو. يبدو أن السومريين أولًا طوروا الكتابة المسمارية لأغراضٍ عادية من حفظ حسابات وسجلات المعاملات التجارية، لكن مع مرور الوقت ازدهرت لتصبح نظام كتابة كامل يُستخدم في كل شيء من الشعر والتاريخ إلى رموز القانون والأدب. وبما أنه كان يمكن ملائمة النص للغات متعددة، تم استخدامه لاحقًا على مدى عدة آلاف من السنين من قبل أكثر من اثنتي عشرة ثقافة مختلفة. في الواقع، وجد علماء الاَثار أدلة على أنّ النصوص الفلكية في الشرق الأدنى كانت ما تزال تكتب باللغة المسمارية حتى القرن الأول بعد الميلاد.

6. السومريون كانوا بارعين في التجارة المتنقلة

السومريون

بما أن موطنهم كان يخلو في معظمه من الخشب والحجر والمعادن، اضطر السومريين إلى خلق إحدى أول شبكات التجارة في التاريخ على البر ومثلها على البحر. كانت جزيرة دلمون (البحرين حاليًا) التي احتكرت تجارة النحاس الشريك التجاري الأكثر أهمية على الأغلب. لكن التجار قاموا هم أيضًا برحلات أشهر طويلة إلى الأناضول ولبنان لجمع خشب الأرز، وعمان ووادي السند للذهب والأحجار الكريمة. السومريون كانوا مولعين بشكلٍ خاص باللازورد (حجر كريم أزرق اللون يستخدم في الفن والمجوهرات) وهناك أدلة على أنهم وصلوا حتى أفغانستان للوصول إليه. وقد أشار السومريون إلى أرضين تجاريتين قديمتين باسم “ماجان” و “ميلوحة” ويقترح المؤرخون أنهما قد تشيران إلى مصر وإثيوبيا.

البابلية والفينيقية.. حضارات عريقة خلفت تاريخاً عظيماً

7. بطل ملحمة جلجامش كان ربما شخصية تاريخية سومرية حقيقية

7

أحد أعظم إنجازات أدب بلاد مابين النهرين هو “ملحمة جلجامش”، وهي قصيدة مؤلفة من 3000 خط تروي مغامرات الملك السومري وهو يكافح وحش الغابات ويسأل لاحقًا عن سر الحياة الأبدية. بطل القصيدة هو نصف إله مع قوة تشبه قوة هرقل، إلّا أنّ معظم العلماء يعتقدون أنه يستند إلى الملك الفعلي الذي شغل منصب الحاكم الخامس لمدينة أوروك. يظهر جلجامش التاريخي على “قائمة الملوك” السومرية، ويُعتقد أنه عاش في وقت ما حوالي 2700 قبل الميلاد. لقد نجا القليل جدًا من اَثار حكمه حتى اليوم، ولكنّ علماء الآثار قد وجدوا نقوشًا تمنحه التقدير لبناء جدران أوروك الدفاعية الضخمة واستعادة معبد للاَلهة نينهل، مما يشير إلى أنّه كان حاكمًا فعليًا وقد تم إعادة تصوير أعماله على أنها أساطير.

كتب عن جميع الحضارات… حضارات بلاد الرافدين

8. الرياضيات والقياسات السومرية لا تزال تُستخدم حتى اليوم

السومريون

يمكن إرجاع الفضل في إيجاد الدقيقة المكونة من 60 ثانية والساعة المكونة من 60 دقيقة إلى بلاد مابين النهرين القديمة. بنفس الطريقة التي يعتمد فيها النظام العشري على عدد عشرة في الرياضيات الحديثة، أيضًا استخدم السومريون الأساس الستيني الذي يعتمد على مجموعات من الرقم 60. اعتُمد نظام الأرقام هذا سهل التقسيم من قبل البابليين القدماء، الذين استخدموه لتطبيق الحسابات الفلكية على أطوال الأشهر والسنة.

تراجعت قاعدة الستين في نهاية المطاف من الاستخدام، لكنّ أثرها لا يزال يعيش في قياسات الساعة والدقيقة. نجت بقايا أخرى من النظام الستيني السومرية على هيئة وحدات قياس حيزية مثل 360 درجة في الدائرة و 12 بوصة في القدم.

9. كانت الحضارة السومرية ضائعة عن التاريخ حتى القرن 19

الحضارة السومرية

بعد احتلال ما بين النهرين من قبل الأموريين والبابليين في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، فقد السومريون تدريجيًا هويتهم الثقافية واندثرت كقوة سياسية. كل معرفةٍ عن تاريخهم ولغتهم والتكنولوجيا المتعلقة بهم (حتى اسمهم) كان قد نُسي في النهاية. بقيت أسرارهم مدفونة في صحاري العراق حتى القرن التاسع عشر، عندما تعثّر علماء الاَثار الفرنسيين والبريطانيين أخيرًا بالقطع الأثرية السومرية أثناء بحثهم عن أدلة عن الآشوريين القدماء. علماء مثل هنري رولنسون، إدوارد هينكس، يوليوس أوبرت، وبول هاوبت أخذوا مهمة فك رموز اللغة السومرية والمسمارية، ليوفّروا للمؤرخين أول لمحةٍ للتاريخ والأدب المفقودين منذ زمنٍ طويل لبلاد مابين النهرين. منذ ذلك الحين، استردّ علماء الآثار العديد من القطع الفنية والقصائد والمنحوتات السومرية، وكذلك نصف مليون من الألواح الطينية. والغالبية العظمى منها لا تزال ترجمته ممكنة.

تقسيمات عصور التاريخ واستقراء حال الواقع العربي

 

0

شاركنا رأيك حول "تسعة أشياء على الأغلب لم تكن تعرفها عن السومريين القدماء"