ثمان من ألمع مكتبات العالم القديم

0

يخبرنا التاريخ أن المكتبات وُجدت حتى قبل أن توجدَ الكتب بصيغتها المعروفة. وعبر المدن في مختلف أنحاء العالم، شكّلت المكتبات مراكزَ إشعاعٍ معرفيّ. ولم تقتصر مهمتها على اختزان الألواح الطينية والمخطوطات فحسب، بل أدّت دورًا جوهريًا كمراكز للثقافة والتعلّم.

لقد أدرك الإنسان منذ القدم أهمية تدوين معارفه وخبراته ليجعل منها أرشيفًا يطلع عبه معاصروه ومن سيليهم، وقد شهدت الحضارات القديمة وجود مكتبات ما زال التاريخ يذكرها حتى الآن، كانت في حينها كالجامعات في عصرنا، كما عرفت حضارات عدة مكتبات جعلت من ملوك هذه الحضارات أو بلدانهم مشاهير في عالم آنذاك.

فيما يلي نقدّم لكم حقائق عن ثمانٍ من أروع مكتبات العالم القديم.

1- مكتبة آشور بانيبال

مكتبات العالم القديم، مكتية آشور بانيبال
رُقم

تُعتبر هذه المكتبة الأقدم من نوعها في العالم، وتأسست في القرن السابع قبل الميلاد بغرض “التأمّل المَلَكي” للحاكم الآشوري آشور بانيبال. بموقعها في منطقة نينوى في العراق المعاصر، كانت المكتبة تضم 30.000 لوحٍ طيني مرتّبةً حسب الموضوع: الأرشيف، تعويذات دينية، نصوص علمية، وأعمال أدبية بما فيها “ملحمة جلجامش” المعروفة. قام آشور بانيبال بتزويد مكتبته بالكتب التي نهبها من بابل والمناطق الأخرى التي كان يغزوها. ومع ذلك كان يخشى على محتوياتها من السرقة. وقد عثر علماء الآثار على آثار المكتبة في القرن التاسع عشر، وتوجد أغلب محتوياتها اليوم في المتحف البريطاني في لندن.

2- مكتبة الإسكندرية

مكتبات العالم القديم، مكتبة الإسكندرية
مكتية الإسكندرية

بعد وفاة الإسكندر المقدوني، أسس خليفته في مصر بطليموس الأول مكتبة الإسكندرية كمركزٍ علمي في المدينة، وأصبحت المكتبة فيما بعد درّة الثقافة في العالم القديم. ليس معروفًا على وجه الدقة كيف كان تصميمها، لكن في ذروة مجدها احتوت المكتبة على ما يزيد على 500.000 مخطوطةٍ من ورق البردي في الأدب، التاريخ، القانون، الرياضيات، والعلوم. اجتذبت المكتبة العديد من علماء حوض المتوسط الذين أقاموا بها وأجروا أبحاثهم فيها واستنسخوا محتوياتها، ومن أبرز هؤلاء كان سترابو، إقليدس، وأرخميدس. لقيت المكتبة نهايتها المحزنة في العام 48 قبل الميلاد عندما أحرق يوليوس قيصر ميناء الإسكندرية خلال معاركه ضد بطليموس الثالث عشر. ويُرجِع بعض المؤرخين تاريخ النهاية الفعلية للمكتبة للعام 270 ميلادية خلال فترة حكم الإمبراطور الروماني أوريليان.

3- مكتبة بيرغامس

مكتبات العالم القديم، مكتبة بيرغامس
مكتبة بيرغامس

في القرن الثالث قبل الميلاد أسست الأسرة الأتاليّة الحاكمة في تركيا المعاصرة مكتبة بيرغامس التي كانت مخزنًا علميًا ثمينًا احتوى على 200.000 مخطوطة. وكانت المكتبة جزءًا من معبدٍ مخصّصٍ لإلهة الحكمة الإغريقية أثينا. ووفقًا للمؤرخ القديم بليني الكبير اشتُهرت مكتبة بيرغامس لدرجةٍ أهّلتها للتنافس مع مكتبة الإسكندرية. وسعت كِلا المكتبتين لتجميع النصوص الكاملة، وطوّرتا مذاهب فكرية ونقدية متنافسة. وتذكر بعض الروايات التاريخية غير المؤكّدة أن البطالمة الحاكمين في مصر أخّروا عمدًا إرسال شحنات ورق البردي لـبيرغامس طمعًا في تأخير تطوّرها -الأمر الذي حذا بالمدينة لتعتمد على نفسها لتصبح مركزًا رائدًا في تصنيع ورق المخطوطات.

4- دار أوراق البردي

مكتبات العالم القديم، دار أوراق البردي
در أوراق البردي

رغم أنها لم تكن أضخم مكتبات العالم القديم، كانت محتويات دار أوراق البردي هي الوحيدة التي وصلتنا كاملةً. وكانت لفافاتها البالغ عددها 1800 موجودةً في مدينة هركولانيوم الرومانية في فيلا بناها على الأغلب والد زوجة يوليوس قيصر. وعند ثوران جبل فيزوف البركاني في العام 79 ق. م، طُمِرت المكتبة تحت طبقةٍ بركانية بلغ سمكها 27 مترًا، ولكن المثير للعجب أن هذا الأمر كان سبب حفظها تمامًا. اكتُشفت لفائفها المفحّمة في القرن الثامن عشر، ولم يدّخر العلماء جهدًا في محاولة قراءتها: ابتداءً باستخدامهم التصوير متعدّد الأطياف وليس انتهاءً بصور الأشعة السينية.

5- مكتبات ساحة تراجان

مكتبات العالم القديم، مكتبات ساحة تراجان
مكتبات ساحة تراجان

حوالي العام 112 ميلادية أتمّ الإمبراطور الروماني تراجان بناءَ مجمَّعٍ متعدد الاستخدام في قلب العاصمة روما، وضمّ هذا الفوروم (الساحة) ميادين وأسواق ومعابد دينية، بالإضافة إلى أشهر مكتبات الإمبراطورية الرومانية. وكان هناك بناءان اثنان، يضم أحدهما الأعمال باللغة اللاتينية والآخر الأعمال المكتوبة باللغة الإغريقية. وانتصب قريبًا منهما عمود تراجان الذي شيّده تخليدًا لانتصاراته العسكرية. وقد كان كلا القسمين مصنوعين ببراعةٍ من الإسمنت والرخام والجرانيت، وكانا يضمان غرفًا مركزية للقراءة ومستويين من التجاويف كرفوف للكتب كان بها ما يُقدّر بـ20.000 مخطوط. لم يتفق المؤرخون على تاريخ نهاية مكتبة تراجان المزدوجة، إلا أن ذِكرها في كتابات القرن الخامس الميلادي يعني أنها دامت مدة 300 سنةٍ قبل أن يأفل نجمها.

6- مكتبة سيلسوس

مكتبات العالم القديم، مكتبة سيلسوس
مكتة سيلسوس

في عصر الإمبراطورية الرومانية لم يقتصر وجود المكتبات على العاصمة روما؛ ففي العام 120 ميلادية شيّد بوليمانيوس ابن عضو مجلس الشيوخ الروماني تيبريوس يوليوس سيلسوس مكتبةً على شرف والده في مدينة أفسس بتركيا المعاصرة. ما تزال واجهة المبنى المزخرفة قائمةً لليوم، وتحتوي على درجٍ رخامي وأعمدة وكذلك أربعة تماثيل ترمز للحكمة والفضيلة والذكاء والمعرفة. وبالإضافة إلى احتواء المكتبة في ثناياها على 12.000 مخطوطة، فقد ضمّت في داخلها سيلسوس نفسه الذي دُفن في تابوت مزيّن.

7- مكتبة القسطنطينية

مكتبات العالم القديم، مكتبة القسطنطينية
مكتبة القسطنطينية

حتى بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية الغربية، تابع الفكر الكلاسيكي الإغريقي والروماني ازدهاره في القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية. تأسست المكتبة في القرن الرابع الميلادي في ظل حكم الإمبراطور قسطنطين العظيم، ولكنها بقيت بحجمٍ متواضع حتى القرن الخامس عندما توسّعت بدرجةٍ مذهلة حتى ضمّت في ثناياها 120.000 لفافةٍ ونصٍ مستنسخ. وبعد ذلك أخذ حجم المكتبة بالتضاؤل على مرّ القرون بسبب الإهمال والحرائق المتكررة، حتى جاءت الضربة القاضية مع نهب جيوش الصليبيين للمدينة في العام 1204. إلّا أنّه يُنسب لناسخيها وعلمائها الفضل في الحفاظ على الكثير من نصوص أدب الإغريق والرومان بسبب استنساخهم إياها من أوراق البردي التالفة.

8- مكتبة بيت الحكمة

مكتبات العالم القدم، مكتبة بيت الحكمة
مكتبة بيت الحكمة

في ما مضى كانت بغداد إحدى أبرز المراكز الثقافية والعلمية في العالم، ولا نجافي الحقيقة بقولنا أن مكتبة بيت الحكمة كان لها أعظم الأثر في مكانة بغداد المرموقة تلك. تأسست المكتبة في بدايات القرن التاسع الميلادي تحت حكم العباسيين، وضمت مخطوطاتٍ عديدة بالفارسية والهندية والإغريقية في موضوعاتٍ شتّى كالرياضيات والطب والفلك والعلوم والفلسفة. واجتذبت المكتبة أكابر علماء “الشرق الأوسط” الذين ارتادوها لدراسة ما فيها من نصوص وترجمتها إلى العربية.
وكان من ضمن هؤلاء عالم الرياضيات الخوارزمي الذي يسمى أبو الجبر، وكذلك الكِندي المفكر الموسوعي، الملقّب “فيلسوف العرب”. وتبوّأت مكتبة بيت الحكمة مكانتها الفِكرية الرفيعة في العالم الإسلامي لعدة مئاتٍ من السنين، ولكنها في نهاية المطاف لاقت مصيرًا مظلمًا في عام 1258، عندما اجتاح المغول بغداد. ووفقًا للأسطورة، فقد قُذِف الكثير من الكتب في نهر دجلة لدرجة أن مياهه انقلبت سوداء من الحبر.

0

شاركنا رأيك حول "ثمان من ألمع مكتبات العالم القديم"