عشر نساء منسيات حكمن العالم يوما ما

خلال صفحات تاريخنا البشري، قلةٌ من النساء وصلن إلى القمة ورأس السلطة في المجتمعات الذكورية.. هؤلاء النساء القليلات لازال التاريخ يردد صدى أسمائهن حتى يومنا هذا، أمثال حتشبسوت وكليوباترا والصينية وو شتيان، لكن التاريخ أغفل نساءً كن يحكمن أيضًا لكن ليس بصفة رسمية، وإنما حكمن بدهائهن ومكرهن خلف دمى ذكورٍ كانوا يجلسون على كرسي الحكم.

اليوم أصبح هذا النوع من النساءِ منسي، إلا أن التاريخ مازال محتفظ ببعض المقاطع الصغيرة لهن، وسنوجز هنا أشهر عشر نساءٍ مظلومات في بطون الكتب..

10- ماروتسيا

في وقت مبكر من القرن العاشر الميلادي حين كانت أوروبا تبدو في حالة من التشظّي؛ فالإمبراطورية الإفرنجية بدأت بالتفتت والانقسام، بينما بدأت قوة الفايكنج بالنمو في الجنوب، وفي الوقت ذاته احتل المسلمون إسبانيا وصقلية، واجتاح المجريون جزر الكاريبي، ووحدها الكنيسة الكاثوليكية -التي كانت تحت قيادة ماروتسيا ابنة القس ثيوفلاكت الرجل الأقوى في روما- كانت تحاول إبقاء أوروبا متحدة.

وحين توفي والد ماروتسيا ورثت عنه قوته وسطوته وشعبيته وأطلقت على نفسها اسم “سينتريكس”، وحين حاول الأب جون تحديها ما كان منها إلا أن ألقت به في السجن ليفارق الحياة بعدها في ظروفٍ يشوبها الكثير من الغموض، وبذلك أثبتت ماروتسيا نجاح تجربة الآباء الدمى وأن القوة الحقيقية تكمن خلف عرش القديس بطرس.

وحين توفي البابا ستيفن أرادت أن يخلفه ولدها جون، وفي ذلك الوقت كانت قوتها في روما في أوج عظمتها، لكن ماروتسيا كانت تريد وتطمح إلى المزيد، ففي عام 9322م، في صفقة أقرب إلى زواج أعلن البابا في الكنيسة ماروتسيا وهوغو أرل ملك إيطاليا كزوجًا وزوجة، بل كإمبراطورًا وإمبراطورة على رأس أوروبا كلها، ليصبحوا بعد ذلك أسياد أوروبا الحقيقيين .

لكن حادثة صغيرة أفشلت كل خطط ماروتسيا؛ فالبريتش ابنها المراهق من زواج سابق لها كان يكره زوج أمه الجديد بشدة، بسبب صفعة على وجه البريتش من قبل هوغو أرل لإراقته عليه بعض المياه، وبعدها حرض البريتش الشعب الروماني ليثور على الغريب هوغو أرل الذي لحق أن ينجو بنفسه بتسلق جدار المدينة باستخدام حبل، وبعد ذلك سجن البريتش والدته وأخذ مكانها حاكم حقيقي لروما.

9- توراكينا خاتون

توفي جنكيز خان فخلفه الابن الثالث السكير أقطاي خان والذي اختير بسبب كره أخويه الكبيرين لبعضهما، مما يجعل اختيار أحدهما علامة لحرب أهلية مستقبلية، فما كان من أقطاي خان إلا أن ترك معظم أعباء حكمه لزوجته المسماة توراكينا خاتون، حتى أن العديد من التصريحات والقرارات قد صدرت باسمها قبل وفاته .

وبعد أن أوصل السكر الدائم أقطاي خان لقبره مبكرًا، تسلمت هي الحكم رسميًا حتى يتم اختيار الخليفة، وقد قامت بطريقة أو بأخرى بتأجيل الاختيار لخمس أعوامٍ كاملة حكمت خلالها إحدى أعظم الإمبراطوريات الممتدة من الصين إلى روسيا، ثم توالت عليها التكريمات فيما بعد، فمرة يكرمها السلطان السلجوقي وأخرى يكرمها الأمير ياروسلاف، والأخير مات بشكل غامض بعد وليمة جمعته بها .

في الخمس سنوات التي حكمت فيها “خاتون” الإمبراطورية سعت لتأكيد قوتها وسلطتها وسطوتها من خلال اختيار ابنها جيوك خان حاكمًا للإمبراطورية العظيمة، ولأن الجميع يكره الأخير فإن الأمر يتطلب حملة ضخمة من شراء الذمم ودفع الرشاوي، و فرض شكل جديد أكثر إجحافًا من الضرائب الزراعية.

وبعد عام واحد فقط من تأمين العرش لولدها توفيت توراكينا خاتون في مطلع عام 1246 للميلاد، بعد أن سجلت اسمها في صفحات التاريخ كإحدى أعظم نساء التاريخ.

8- السلطانة قُسُم

مع مطلع العام 1600 للميلاد وصلت إلى عاصمة بلاد العثمانيين أسطنبول جارية ذات أصولٍ يونانية، لم يكن أحدًا يعلم أنها ستصبح المرأة الأقوى في القرن السابع عشر للميلاد، عندما اشتريت وأَدخلت ضمن حريم السلطان أطلق عليها اسم “قَسم”، وسرعان ما تمر الأيام وتصبح الزوجة المفضلة لدى السلطان أحمد.

وكانت أولى خطواتها للوصول للحكم بعد وفاة زوجها مباشرة، حين أوصلت شقيقه المختل عقليًا مصطفى لسدة الحكم، ليَخلع بعدها من قبل ابن أخيه الأمير عثمان لتبتعد هي عن الواجهة لعدة سنوات، وتعود مرة أخرى للأضواء عام 1623 م حين يصبح ابنها الأمير مراد حاكمًا، خلفًا للأمير عثمان الذي لقي حتفه على يد أحد جنوده .

لتصبح قسم وصية على العرش خلال فترة طفولة ابنها، وتمسك مقاليد الإمبراطورية عقدًا من الزمن، وبذلك تصبح قسم حاكمًا للإمبراطورية مرة أخرى عام 1640 للميلاد بعد وفاة نجلها مراد، ليخلفه أخ له مختل عقليًا اسمه إبراهيم، وسرعان ما تواجه صعوبة في السيطرة على تصرفاته، فما كان منها إلا أن دبرت مقتله عام 1648، لينتقل الحكم فيما بعد لابنه محمد الرابع .

7- تورهان

قبل أن يتسلم محمد الرابع عرشه بقيت السلطانة قَسم تتحكم في البلاد بصفتها وصية على العرش، وفي تلك الفترة كانت توجه وزراءها بكل احتشام ووقار من خلف ستارة مزركشة، مما أثار استياء أم الأمير الصغير “تورهان” يومًا بعد يوم، والتي تعتقد أن الوصاية على العرش هو حقها الشرعي، لكنها تعلم أن نفوذ قَسم لا يَجابه ولايقاوم، بسبب قادة الجيش والأمراء المخلصين لشخصها بالإضافة إلى أموالها وأملاكها مترامية الأطراف مما جعل منها أحد أقوى وأغنى الشخصيات على وجه الأرض.

وعندما أدركت قَسم أن محمد ووالدته ظهرت عليهما علامات الاستقلال بدأت بحياكة المؤامرات والتخطيط للتخلص منهما، وفي العام 1651م حصلت تورهان على معلومات سرية مفادها أنه سيتم وضع السم للسلطان محمد في طعامه أو شرابه، وعندها أيقنت أن الأمل الوحيد للخلاص هو ضربة قاضية عن طريق انقلاب سريع خاطف في القصر، لايعطي لقسم الكثير من الوقت لترتب أوراقها أو تستعين بأيٍ من أحلافها أو طلب نصرتهم، وفي الثامن من شهر ديسمبر هاجم تورهان ومن معها جناح قُسم الخاص، وقتلوا حراسها.

وحاولت قَسم بدورها أن تنجَ بنفسها فاختبأت في خزانة داخل إحدى الغرف، لكنهم أحسوا بوجودها،
فسحبوها خارجًا، وباستخدام إحدى ستائر الحجرة جعلوها تلفظ آخر أنفاسها، وفارقت الحياة خنقًا وأصبحت تورهان وصية على العرش، وحكمت بلاد العثمانين حتى عام 1656م حتى وافقت أخيرًا على نقل السلطة للأمير كيرولي محمد باشا.

6- سرقويتي بيجي

منسية أخرى بين طيات تاريخنا.. إحدى أشهر نساء القرن الثالث عشر ..كتب المؤرخ الفارسي راشد الدين عنها: “جيوش وأمراء منغوليا العظماء لايخالفون لها رأيا ولايعصون لها أمرًا”، وهنالك بيت شعري قديم يصفها أيضًا، مفاده: “إذا كانت جميع النساء تشبهها، عندها ستتفوق النساء على الرجال بمراحل”.

حين توفي زوجها تولاي خان “حفيد جنكيز خان” أصبحت وصية على تركته بالرغم من كون ابنها الأكبر يبلغ 23 عامًا، وسرعان ما أصبحت لاعبًا أساسيًا في سياسات منغوليا.

فهي من ساعد جيوك خان في بادئ الأمر وساندته ليصل إلى سدة حكم البلاد، وحين توفي عام 1248م وجدت الفرصة سانحة أمامها، فكونت تحالفًا مع باتو خان أمير القبيلة الذهبية بالإضافة إلى دفع الرشاوي في سبيل تحقيق غايتها، وهي جعل ابنها مونكو خان حاكمًا للبلاد.

لكنها عورضت من قبل عائلة جيوك خان، غير أن إرادتها كانت أقوى وأصرت على تحقيق هدفها، فأشرفت بنفسها على اعتقال وتعذيب وإعدام زوجة جيوك خان أوغول كاميش، فكانت مثال للمرأة الذكية الناجحة، وكذلك كان أبناءها الأربعة أمراء أقوياء، وبدورهم كانو شاكرين لها جهدها وسنين التخطيط والمؤامرات لإيصالهم إلى ماهم عليه.

5- إياح حتب

في مرحلة عظيمة من تاريخ مصر، وهي الفترة التي سبقت الميلاد بـ 150 عام، كانت مصر تعيش تحت ضغوط داخلية وخارجية تمثلت بمجموعة من الغزاة المرعبين والذين اشتهروا في صفحات التاريخ باسم الهكسوس، كانت إياح حتب زوجة الفرعون سقنن رع الذي أعدم على أيدي الهكسوس عام 1560م بوحشية، فضربتي فأس على رأسه وخنجر في عنقه أنهوا حياته.

بعدها أصبحت وصية على عرش ابنها أحمس الأول، وبالإضافة إلى حكمها لمصر بحنكة ودهاء قامت بتحشيد جيوش زوجها وأتباعه وشجعتهم على الوقوف بوجه الهكسوس والمصريين المتمردين، وبعد هذه البسالة قلدوها ميدالية الشرف “الذبابة الذهبية ” تكريمًا لها، والتي كانت تعطى لكبار القادة المصريين

بعدها قال ابنها كلمات خالدة واصفًا فيها شجاعة أمه :”امدحوا سيدة المصريين، سيدة جزر البحر المتوسط، ذائعة الصيت في كل بلد أجنبي، هي التي تصنع الخطط للناس، زوجة الملك، ابنة الملك، أم الملك، النبيلة العالمة بالأشياء، التي ترعى شؤون المصريين، هي التي جمعت شمل الجيش، ووضعته تحت رعايتها، وحمت الناس، وأعادت المهاجرين، وجمعت الفارين، هي التي هدأت الجنوب، وأخضعت ثائريه، إياح حتب، زوجة الملك، لها الحياة الأبدية”.

عاشت ملكة مصر وعمرت حتى عمر التسعين، وشيعت بموكب عظيم، ودفنت مرتدية قلادتها “الذبابة الذهبية” حول عنقها.

4- زوي

بالرغم من اقترانها بسلسلة من الأزواج الذين حكموا البلاد بالمشاركة معها، إلا أنها تعتبر الحاكم الحقيقي للإمبراطورية البيزنطية الممتدة من بلاد البلقان حتى آسيا، وكان شريكها الوحيد في الحكم هي شقيقتها الصغرى ثيودورا الثالثة، وثيودورا هذه أصبحت تحكم تحت عنوان إمبراطورة مشاركة إلا أن زوي قد همشت دورها فيما بعد.

زوي وثيودورا كانتا ابنتي قسطنطين الثامن الذي لم يكن له أبناء ذكور، فتزوجت زوي من رومانوس وأصبح إمبراطورًا بعد وفاة والدها، بعدها نفت شقيقتها، وسممت زوجها، ثم تزوجت من الحاجب الذي أَعلن إمبراطورًا تحت اسم ميخائيل الرابع، وبعد وفاته حاول ابن أخيه اغتنام الفرصة بنفي زوي والاستيلاء على العرش فقام بمهاجمة القصر بجيش من الغوغاء الغاضبون، لكنها نجت بعد أن وقف شعب القسطنطينية إلى جانبها.

ثم أَرغمت على تقبل أختها كوصية لها قبل أن تلتف على ذلك كله عن طريق الزواج من قسطنطين الرابع الذي أصبح إمبراطورًا بالمشاركة، لتهيمن بعد ذلك على الإمبراطورية حتى وفاته عام 1050م، وبعدها استمر زوجها وشقيقتها حاكمين للإمبراطورية البيزنطية.

3- أرسينوي الثانية

أرسينوي ابنة الفرعون بطليموس الأول الذي استولى على عرش مصر بعد وفاة الإسكندر العظيم، وكذلك زوجة القائد ليسماخوس الذي حكم تراقيا والذي كان لاعبًا أساسيًا في الحروب الدامية بين خلفاء الإسكندر.

قامت أرسينوي بتسميم ابن زوجها من زواجه الأول بعد قيام زوجها الثاني بتسميم أولادها من زوجها ليسماخوس، وفي حوالي عام 279 قبل الميلاد عادت إلى مصر بعد تسلم شقيقها بطليموس الثاني عرش مصر، وسرعان ماقامت بتطوير سياسات المملكة تطويرًا هائلًا بذكائها ودهائها، وبعدها لفقت اتهامات كاذبة لزوجة أخيها بغية نفيها من البلاد وإبعادها عن طريقها .

لتتزوج أخيها فيما بعد، الأمر الذي يعد انتهاكًا وتحديًا للتقاليد والتشريعات اليونانية وقتذاك، وسرعان ما حيدت أخيها واعتبرت نفسها حاكمًا فعليًا لبلاد الفراعنة، حتى كان يشار لها كفرعون في كافة الوثائق الرسمية ونقشت صورتها على العملات النقدية .

وكانا يشبها هي وأخيها بإيزيس وأزوريس أحيانًا، وتوفيت أرسوين عام 268 قبل الميلاد تاركة خلفها أناس أصبحوا يعبدونها ويخلدون ذكراها طويلًا، ولم يتزوج بطليموس بعدها أبدًا وبقي حاكمًا لمدة 20 سنة وتوفي بعد ذلك .

2- الإمبراطورة وي

زوجة الإمبراطور زهانك زهونك حاكم الصين في القرن الثامن الميلادي، الذي خلف الإمبراطورة ذائعة الصيت ووشتيان في عرش الصين، وبدورها كانت وي من أشد المعجبات بها، وكانت متأثرة جدًا بشخصية وو شتيان، وكم تمنت أن تكون نسخة من قوتها وقسوتها، ومن حسن حظها أن زوجها من النوع الخجول والضعيف الشخصية والإرادة .

وكان سعيدا جدًا ومرحبًا بفكرة ترك أعباء الحكم لزوجته المفكرة والذكية، والتي سرعان ماشكلت مجلسًا أعلى للمحكمة كان معظم أعضائه من قادة ووزراء وو شتيان السابقين، ولم يكن بمقدرة أي شخص أن يفكر بمخالفة أوامرها، ومن يخالف يكون الموت مصيره المحتوم.

في إحدى المناسبات قام وزير الحرب في حكومتها بإعدام ضابطًا بطريقة وحشية بمجرد أنه انتقد الإمبراطورة، وبعد خمس سنوات واجهت مشكلة كبيرة تتمثل بالموت المفاجئ لزوجها ثم ثار جدلًا كبيرًا حول احتمالية أن تكون هي من قامت بتسميمه، فقد أدركت بعد وفاته أن هناك من سيطمع بالعرش ويطالب به، فقامت بكتمان خبر وفاة زوجها إلى أن طلبت من قواتها والتي قوامها 50 ألف جنديًا التجمع حول القصر .

لكنها كانت على خطأ لأن العدو بات داخل القصر لا خارجه، فأخت زوجها وابن أخيه قاموا بالتخطيط لانقلاب سريع، عن طريق شراء ذمم كل من في القصر فحاولت الهرب لكنها فشلت، وقَتلت عند بوابة القصر على يد مجموعة من جنودها، لأنهم ببساطة قرروا أن يكونوا في ضفة المنتصر.

1- نور جاهان أو مهر النساء

في حوالي عام 1620م وتحديدًا في الإمبراطورية المغولية في شبه القارة الهندية، والتي كانت تحت حكم الإمبراطور جاهانكير الإمبراطور الضعيف السكير المدمن، الذي لن يستطيع أن يحكم سيطرته على البلاد لولا مساعدة أحد ما.

في الواقع أن السلطة الحقيقية كانت تحت تصرف زوجته نور جاهان، وهذا ليس سرًا عظيمًا فقد تم إصدار العديد من المراسيم والقرارات الملكية باسمها فضلًا عن صورها التي نقشت على العملات النقدية، بل أن حتى الختم الملكي الذي كان يستخدم للختم على جميع الأوامر الملكية كان بحوزتها.

كان الموظف الأرشيفي الخاص بالديوان الملكي هو القائد والوزير محبة خان، وعندما ألقت نور جاهان القبض على ابن زوجته وأودعته بالسجن، رد عليها هو الآخر بانقلاب اختطف فيه زوجها، وماكان منها إلا أن قادت جيش بنفسها لتحرير زوجها والقضاء على الانقلاب وتدمير المتمردين.

نجحت وباءت مؤامرة محبة خان بالفشل والخسران، وزادت بذلك قوتها عظمة وأصبح لا يواجهها أحد ولا رادع لها.


ترجمة: حمدالله الياسري
تدقيق: إسراء زين الدين
المصدر

شاركنا رأيك حول "عشر نساء منسيات حكمن العالم يوما ما"