أفضل 15 كتابًا علميًّا على مدار التاريخ الحديث

0

ما كان تاريخنا ليسمى حديثًا دون الاكتشافات العلمية التي نقلتنا إلى الحداثة والتطور وقدّمت لنا كل ما يُسهّل أمورنا الحياتية، ويمكن القول أنّ ما شهده القرن العشرين من تقدم علمي وتقني يفوق كل ما عرفته البشرية عبر تاريخها الطويل.

لقد عرف القرن العشرين جملةً من العلماء في شتّى المجالات الذين أطلقوا العنان لأفكارهم ولم يقفوا عند حدٍّ معين، لقد امتطوا خيالهم في سبيل الوصول إلى مناطق لم تكن البشرية تحلم بالوصول إليها يومًا.

لم تكن الحواسيب دومًا هي المكان الذي دوّن العلماء أفكارهم، فغالبا ما كانوا أصدقاء مع الورقة والقلم وخطوا إبداعاته في كتبٍ تّعد كنوزًا بشريةً ولا أقلّ من ذلك أبدًا.

ويقدم لنا موقع (ListMuse) أهم 100 كتابٍ في تاريخ العلم، سنتحدث عن أول 15 كتابًا في القائمة مع تعريف بسيط للكتاب.

تضم القائمة أيّ كتابٍ تطرق لأي فرع من فروع العلوم وكان بالكفاءة والقوة ليحدث فرقًا واضحًا بين أقرانه في الأوساط العلمية، ليُخلّد هو وكاتبه إلى الأبد وسط العظماء والمساهمين في الثورة العلمية وتطور البشرية.

في هذه القائمة، قررنا أن نكتفي بكتابٍ واحدٍ فقط لكل عالم هو أفضل ما صدر عنه، ولذلك نقترح عليك صديقي القارئ بالاستزادة وتوسيع نطاق بحثك لمعرفة باقي أعمال وإنجازات كل عالم من هؤلاء أمثال ريتشارد فاينمان، أينشتاين، إيرنيست ماير، بيتر أتكينز، راشيل كارسون، وجورج جامو، فهي حتمًا تستحق كل وقت ممتع ستقضيه في البحث.

1- أصل الأنواع “The Origin of Species”

أصل الأنواع

من تأليف: تشارلز داروين – Charles Darwin

منذ صدور الكتاب عام 1859 م بتسميته الأولى “في أصل الأنواع عن طريق الانتقاء الطبيعي – أو بقاء الأعراق المفضلة في أثناء الكفاح من أجل الحياة” مرورًا باسمه المُختصر الذي جاء مع طبعته السادسة “أصل الأنواع” ولا يزال يُحدث الكثير من الجدل والنقاشات نظرًا لما يحتويه من نظرياتٍ ودلائل أهمها نظريتا “الاصطفاء الطبيعي   natural selection” و “التطور   Evolution”.

صدر الكتاب متحديًا أغلب المعتقدات التي كانت مسيطرةً على العالم الغربي وقتها، خاصةً مع نظرية “داروين” في أن الكائنات الحية تخضع لعملية تطور وارتقاء وأن الفصائل الحالية الموجودة هي نتيجةٌ لذلك، وبفضل عملية الاصطفاء الطبيعي التي شرحها مفصلةً في كتابه.

تأتي أهمية كتاب “أصل الأنواع” أيضًا في أنه قدّم أسلوبًا علميًّا جديدًا في البحث وطرح الأفكار، وأنه لم يخشَ الانتقاد ولا عدم الانسياق وراء القطيع بنفس الآراء والأفكار، فقد قام “داروين” بكل جرأةٍ وثقة بالتفكير والتعبير عن آرائه بكل حرية، وهو أكثر ما يلهمنا في كتابه المشهور.

حيث نرى الأسلوب المحكم والحجة المقنعة والرأي العلمي المفصل ولغة راقية تخاطب الجميع والدلائل والإثباتات، والاجتهاد الممنهج للتفكير خارج الصندوق.

فإذا كان لديك كل هذا فلما لا تخرج بنظرياتك إلى النور وتدافع عنها؟

 

2- الكهروديناميكا الكمية: النظرية الغريبة للضوء والمادة “QED: The Strange Theory of Light and Matter”

الكهروديناميكا الكمية

من تأليف: ريتشارد فاينمان – Richard Feynman

يستحق “فاينمان” عن جدارةٍ أن يكون كتابه في قائمة أفضل المؤلفات العلمية على الإطلاق، فعبقريةُ فاينمان الحائزِ على جائزة نوبل في الفيزياء 1965 م لا تتوقف عند إسهاماته العلمية بل تمتد إلى مؤلفاته وطريقته الجميلة البسيطة في الشرح والوصول بالمعلومة بكل سلاسة إلى الجميع بمختلف مستوياتهم العلمية.

يأخذنا فاينمان عبر كتابه لمدخلٍ دقيق ومحدد إلى ما يطلق عليه “الكهروديناميكا الكمية   Quantum Electrodynamics” والذي يمثل التآثر بين الضوء والمادة المشحونة كهربائيًا، بلغةٍ يفهمها الجميع، ورسوماتٍ توضيحيّةٍ كلما أمكن، والكثير من النظريات الكونية، مع تصورات لكل نظرية، والأهم من هذا “مخططات فاينمان Feynman diagrams” التي ابتكرها فاينمان شخصيًا لتسهيل الرياضيات المتقدمة المعقدة والمساعدة في توضيح بعض العمليات الرياضية.

المثير للإعجاب في هذا أن فاينمان خلال هذا الكتاب يخاطب فعليًا القارئ العادي وغير المتخصص والمتخصص على حدٍّ سواء، في سابقةٍ لم تحدث إلّا نادرًا خاصة مع أحد أكثر فروع العلم تعقيدًا.

ولعل ما قاله العالم “أنتوني زي  Anthony Zee” في مقدمة طبعة الكتاب لعام 2006 م هو أفضل ما قيل في مدح هذا الكتاب: “طبقًا لفاينمان، إذا كنت ترغب في دراسة الكهروديناميكا الكمية فلديك خيارين، إما دراسة الفيزياء لمدة 7 سنوات، أو قراءة هذا الكتاب”.

 

3- عن النمو والشكل “On Growth and Form”

عن النمو والشكل

من تأليف: دارسي وينتورث تومبسون – D’Arcy Wentworth Thompson

لماذا تأخذ الكائنات الحية شكلها الذي هي عليه؟ لماذا تتشكل الظواهر الفيزيائية بهذا الشكل؟ يثير “دارسي” كل هذه التساؤلات في كتابه “عن النمو والشكل” والذي صدر عام 1917 م متأملًا ومحللًا في كيفية نمو الكائنات الحية وأطوارها واتخاذها لمختلف الأشكال.

في خليطٍ ساحرٍ ما بين بيولوجيا الكائنات الحية وهندسة أشكالها وأبعادها، يقدم لنا هذا الكتاب التاريخي ما هو أكثر من ذلك عن طريق بلاغة “دارسي” الشعرية وأسلوبه المميز المحبب في الوصف.

لا يُخفَى أنّ “دارسي” مفتونٌ بجمال الطبيعة ولديه حسٌّ جماليٌّ في تذوق عظمة الخلق، ويرينا الجمال بحساسيته في التفاصيل، ويأخذنا في عوالم وأماكن لا يربطها سوى الجمال والتأمل في إعجازها، مثل وثبة البرغوث الخاطفة وزحف البَطْلِينوس عبر قدمه الباطنية، وتَفَتُّحِ البراعمِ والحياة المنبثقة من البذور، وشكل خلايا النحل وشكل قطرات المياه في الأمطار، أظافر اليد، وشبكة بيت العنكبوت، رغوة الصابون وفقاعة الزيت، تأثير الحصاة عند قذفها في سطح بركة مياه ساكنة.

يعتبر الكثيرون هذا العمل كأحد الأعمال القليلة التي يمكن وصفها بالأدبية/العلمية الرائعة الجيدة على كلا المستويين، وهو ما يجعل البعض يصف الكتاب على أنه محاضرة علمية عن الإنسانية والحياة.

 

4- أفكار وآراء “Ideas And Opinions”

أفكار وآراء

من تأليف: ألبرت أينشتاين – Albert Einstein

تأتي أهمية هذا الكتاب الفريد لأينشتاين من أنّه جامعٌ لآرائه العلمية وكتاباته ومقالاته الأكثر شهرةً، وذلك بتجميع وترتيب آينشتاين نفسه.

تتراوح الكتابات ما بين بداية حياته كعالم فيزياء نظرية مرورًا باكتشافاته، ونهايةً بوفاته عام 1955، وذلك في الطبعات الحديثة. وعلى صعيد المواضيع المتضمنة، فهي ثريةٌ ومثيرة حيث أنّها ليست علميةً بحتة وليست عن نظرية النسبية فقط! إنّما هي جولةٌ داخل عقل آينشتاين يخبرنا فيها عن آرائه المختلفة عن الحياة مثل الحرب النووية، السلام، الدين والعلم، حقوق الإنسان، الاقتصاد، الحكومات والكثير.

 

5- الحلزون المزدوج “Double Helix”

من تأليف: جيمس واتسون – James D. Watson

الحلزون المزدوج

يحكي لنا هذا الكتاب قصة النقلة الهائلة والطفرة التي حدثت عند اكتشاف تركيب الحمض النووي “DNA” وذلك على يد الثلاثي الحائز على جائزة نوبل في الطب مشاركةً عام 1953 وهم: “جيمس واتسون   James D. Watson” و “فرانسيس كريك  Frances Crick” و “موريس ويلكنز   Maurice Wilkins”.

يقدّم لنا الكتاب في طبعته الحالية نظرةً عن كثب لعالَم الحمض النووي وذلك بأسلوبٍ ممتعٍ علمي موّضحٌ بالرسومات والصور وخاصةً المصادر. إذا أردت أن تستكمل قراءتك وتتعمق فيها أكثر، ولا يغفل الكتاب أيضًا الدور المهم التي لعبته “روزاليند فرانكلين   Rosalind Franklin” عالمة الفيزياء الحيوية وخبيرة التصوير الإشعاعي والأشعة السينية والتي ساهمت بشكلٍ كبيرٍ مع الثلاثيّ في تصوير واكتشاف الحمض النووي.

 

6- حياة الخلية: ملاحظات مراقب لعلم الأحياء “The Lives of a Cell: Notes of a Biology Watcher”

حياة الخلية: ملاحظات مراقب لعلم الأحياء

من تأليف: لويس توماس – Lewis Thomas

في واحدةٍ من أفضل الكتب على الإطلاق، ينشد لنا “لويس توماس” معزوفةً كونيةً بالغة الرقي والجمال والتعقيد أيضًا عن عالم الكائنات الحية، في مزيجٍ فريدٍ بين مواضيع شتى غير مترابطة.

وبعينِ مراقبٍ خبيرٍ يستطيع رؤية أشياء عجز الكثير عن ملاحظتها وإيجاد الصلة والرابط بينها، وبصيغةٍ علميةٍ وفلسفية شعرية يستكشف لويس العالم من حوله ويتطرق إلى تأملاته عن الكمبيوتر، التكنولوجيا، الجراثيم والبكتيريا، علم اللغة واللغات المختلفة بين الكائنات الحية، الموسيقى، الموت، الحشرات، الأدوية، جسم الإنسان والعديد من الموضوعات.

كتب “لويس توماس” جملةً شهيرةً هي أقرب ما توضح فلسفته كعالِم ومنهجه العلمي كمتأملٍ للكون من حوله حيث قال: “بمجرد أن تبدأ في اكتشاف روعة ما يحيط بك وتبدأ في إدمان ذلك، مثل حالي الآن، ستأتي حتمًا للنتيجة التي تخبرك بأننا كبشر (كائنات اجتماعية   social species) حتمًا، لذا ينبغي أن تقضي وقتك في البحث ومراقبة كل الأدلة والشواهد المؤدية لتلك الحقيقة، لأنّها وبكل تأكيد في صالحنا جميعًا”.

 

7- بُنية الثورات العلمية “The Structure of Scientific Revolutions”

بنية الثورات العلمية

من تأليف: توماس صاموئيل كون – Thomas Kuhn

الكتاب الجيّد هو ذلك الذي لديه القوة للتأثير فيك والتغيير من نظرتك للعالم من حولك، هو ذلك الذي بمجرد قراءته فإنه يبقى معك في -ذاكرتك- طوال الوقت، يستجوب ثوابتك ومعلوماتك المسلّم بها، والتي لم تفكر من قبل بإمكانية تغيرها أو وجود “شيء ما” بها، وأنّها من بعد قراءتك للكتاب ليست بالمسلّمات من الآن بل ومحل نقاشٍ وجدل.

على ما يبدو فإن كتاب “بُنية الثورات العلمية” واحدٌ من هؤلاء الكتب، فبمجرد صدور طبعته الأولى عام 1962 م كان علامةً فارقةً بالفعل في مجالي التاريخ والفلسفة معًا.

وإلى الآن؛ وبعد 50 عامًا من صدوره، لا يزال يحدث نفس التأثير ولا يزال بنفس الأهمية، فما فيه من أفكارٍ ومنهجياتٍ علمية تدعو للتفكير والتساؤل طوال الوقت.

قام “كون” في كتابه بعمل تحليلٍ لتاريخ التقدم العلمي في دراسةٍ شيّقةٍ علميةٍ بعيونٍ خبيرة لا تخطئ، حيث كان يرى التقدم العلمي على مدار التاريخ بشكلٍ آخر مختلف عما نعرفه أو نتوقعه، فعند كون هناك ما يسمى بـ “العلم العادي   Normal Science” والذي كان يُنظر لتطوره على مدار العقود على أنّه بمثابة تطورٍ بالتراكم للتجارب والنظريات والحقائق واسعة القبول، في حين أن كون يخبرنا بأن التقدم العلمي الحقيقي والاكتشافات والأفكار التي كانت تسبق وقتها كلها أتت من علمٍ آخر ليس بالعادي وخارج إطاره.

وطبعًا قامت ثورةٌ كاملة على كون لأنّه قد أدخل شيئًا غير منطقي وغير محدد في قلب التقدم العلمي، ما جعل البعض بالمبالغة واتهامه بالدجل، خاصةً مع ما أسماه كون بـ “الباراديغم” (نموذج فكري)* Paradigm -هناك تشبيهٌ بسيط للنموذج الفكري (الباراديغم) بصندوق، وذلك في العبارة الشائعة (التفكير خارج الصندوق) حيث يماثل التفكير داخل الصندوق العلم المعتاد، فيتضمن الصندوق تفكير هذا العلم وبالتالي فإن النموذج الفكري هو الصندوق- والذي هو سبّب إصراره على أنّ مسببات تحول البارادايغم هي مزيجٌ من الأحوال الاجتماعية والتحمسية والوعود العلمية، وليس الإجراءات الممنهجة.

المثير في الأمر هو طرح كون لنظريته والأمثلة في كتابه والتي تدعم ما ينادي به بشكلٍ مؤكد، وتجعلنا نفكر في كيفية تطور وتقدم العلم على مدار التاريخ حقًا.

 

المعرفة والعجب: العالم الطبيعي كما يعرفه الإنسان

8- المعرفة والعَجَب: العالم الطبيعي كما يعرفه الإنسان “Knowledge and Wonder: Natural World as Man Knows it”

من تأليف: فيكتور ويسكوبف – Victor Weisskopf

مع أكثر من مئة ألف نسخةٍ بيعت من طبعته الأولى فقط عام 1963 على مستوى العالم، نستطيع معرفة لماذا يستحق هذا الكتاب كل هذا التقدير ليصبح من أفضل الكتب العلمية التي طُرحت حتى الآن.

ففضلًا عن أسلوبه السلس ومحاولته لتبسيط الظواهر العلمية والفيزيائية والطبيعية ومحاولة فهم نواميس الكون، فإن الكتاب موجهٌ بالأساس للقارئ المبتدئ في مجال العلوم والعامة من الناس غير المتخصصين، وذلك في محاولةٍ للتقريب بينهم وبين المعضلات العلمية والمفاهيم الكونية عسيرة الفهم على غير المختصين.

 

9- ماهية التطور “What Evolution Is”

ماهية التطور

من تأليف: إرنست ماير – Ernst Mayr

يعتبر “إرنست ماير” من أهم علماء البيولوجيا في القرن العشرين، وإسهاماته في مجال “علم الوراثة   Genetics” أدّت لتشكيل ملامح “علم الاصطناع التطوري الحديث   Modern evolutionary synthesis”.

ويأتي كتابه “ماهية التطور” والذي طُبع لأول مرة عام 1964 كواحدٍ من الكتب القليلة ذات الأهمية الشديدة، والتي تدافع عن نظرية التطور الخاصة بـ “داروين”.

ولكن بشكلٍ آخر يعتمد على جوهر فكرة التطور وربطها بالاكتشافات الحديثة والنظريات المستحدثة وذلك في محاولةٍ لتبسيط المفهوم للقارئ العادي، مع شرح أهمية نظرية التطور في تاريخ علوم الأحياء، والآثار المترتبة على تجديد مفاهيمنا بذلك الصدد.

 

10- الكائنات الفائقة (السوبر أورغانيزم): عن الجمال، الأناقة، والغرابة في مجتمعات الحشرات “The Superorganism: The Beauty، Elegance، and Strangeness of Insect Societies”

الكائنات الفائقة: السوبر أورغانيزم

من تأليف: إدوارد أوزبورن ويلسون – E. O. Wilson وبيرت هولدوبلر – Bert Holldobler

مؤلفا هذا الكتاب غنيّان عن التعريف سواء داخل الأوساط العلمية أو خارجها، وقائمة الجوائز الطويلة الحاصدَين لها في مجمل حياتهما لإسهاماتهما العلمية مجرد دليلٍ آخر على مدى عبقريتهما.

يأتي كتاب “السوبر أورغانيزم” أو الكائنات الفائقة على رأس أهم أعمالهما كليهما، بل ومن أهم الكتب العلمية في العصر الحديث حتى الآن. هذا الكتاب يأتي بعد النجاح الساحق لكتابهما الأول “النمل The Ants” والذي يعد أيضًا من أهم الكتب العلمية في هذا القرن.

في هذا الكتاب نتعرف على مفهوم “الكائنات الفائقة” والتي تدعو للتعجب والدهشة كواحدةٍ من ألغاز الكائنات الحية وأكثرها جمالًا، ويدعوك الكتاب للتأمل فيها، فالترجمة الحرفية لمصطلح “السوبر أورغانيزم” لها هو: الكائنات الحية الفائقة.

وهو تعبيرٌ للدلالة على الكائنات الحية ذات صفة “الاجتماعية العليا – Eusociality”، وهو مصطلحٌ يستعمل للإشارة إلى أعلى مستويات التنظيم الاجتماعي للكائنات الحية. وللدقة والتبسيط، فإن الكائنات الفائقة تُطلق للدلالة على الكائنات الحية التي لا تعيش بمفردها -ولا تستطيع أن تعيش بمفردها- وتعيش في جماعات، حيث الكل يعمل لهدفٍ واحد ولكل فردٍ من الجماعة دوره ووظيفته المختلفة الخاصة به، كما أنّ هناك تقسيمٌ للعمل فيما بينهم يحكمه قوانين عالمهم الخاص، والتي تسري على الجميع في وفاقٍ وتناغمٍ تامٍ في ظاهرةٍ فريدة نجدها فقط بين تلك المخلوقات.

يأخذنا الكتاب كذلك في جولةٍ استكشافيةٍ لبعض الأمثلة الواضحة من الكائنات الفائقة مثل “مستعمرات النمل   Ants Colonies”، “خلايا النحل   Bees”، “أعشاش الدبابير   Wasps”، مستعمرات النمل الأبيض “الأرضة  Termite”، فالكائنات الفائقة تمثل وصلةً هامةً في علم الأحيا جديرةً بالدراسة والتعمق والتخصص فيها، وذلك ما نجده في كتابنا ويحث عليه، فيخبرنا العالمان مدى أهمية دراسة تلك الظاهرة والتي ستمكننا من اكتشاف كيفية التواصل بين تلك الكائنات ومدى تطورها على مر الأجيال من التواصل المباشر العادي والمألوف إلى تلك المنظمة المعقدة بالغة الدقة التي نحن بصددها الآن. بشكلٍ عام فإن مغزى الكتاب وأهميته ترجع إلى تلك النظرة المتعمقة الشاملة والدراسة بالغة الدقة لذلك العالم الغامض الذي لم يتطرق إليه الكثير من العلماء والباحثين الآخرين.

11- الجين الأناني “The Selfish Gene”

الجين الأناني

من تأليف: ريتشارد دوكينزRichard Dawkins

يأتي اسم “ريتشارد دوكينز” دائمًا مقرونًا بنظرية الاصطفاء الطبيعي التي فنّدها وطوّر من مفهومها القديم، وقياسًا على ذلك، العديد من النظريات الخاصة به التي أقل ما يقال عنها ثورية لما تحدثه من جدلٍ دائمٍ، وتثير الشكوك والتساؤلات بحججٍ منطقيةٍ وأدلةٍ علميةٍ تحتاج إلى الكثير من التفكير والتأمل فيها قبل البدء في انتقادها أو حتى التسليم بها، ولنا أن نتوقع طبعًا في أن “دوكينز” من العلماء القليلين الذين تستمتع بكتاباته ونظرياته، فهو من كُتّاب الأدبيات العلمية Popular science البارزين فضلًا عن تميزه العلمي في مجالي “علم الأحياء التطوري  Evolutionary biology” وعلم “سلوك الحيوان   Ethology”.

الفكرة الأساسية هنا في كتابه (الجين الأناني) هي أن الجينات في تطورها على مدار العقود ظهر ما اصطلح “دوكينز” على تسميته بنظرية الجين الأناني والتي تفسر سلوك الإيثار المتزايد بين أي فردين يتشابهان في الناحية الجينية، ويدافع “دوكينز” عن اسم الكتاب بـ “الجين الأناني” حيث يؤكد على أنه ليس “جين الأنانية” لأن الفارق بين اللفظين عظيم ولا يصح، ويستطرد دوكينز في كتابه الممتع بتفنيد نظريته عن السلوك الإيثاري والتي تقدم شرحًا علميًا لظواهرها، والتي تتمثل في سلوك بعض الكائنات الحية مثل انتحار النحل عندما يقوم باللدغ في سبيل حماية الخلية، ومثل الطائر الذي يضحي بنفسه بإحداث الضجة للفت انتباه الحيوانات المفترسة في سبيل تغيير وجهتها عن باقي السرب وتحذيرهم منها.

نختم قولنا بأن الكتاب الصادر عام 1976 بِيعت منه حتى الآن أكثر من مليون نسخةٍ، جذب انتباه العديد من القراء والباحثين والدارسين لما فيه من أفكارٍ ثوريةٍ وعبقرية وتأملات علمية لا تزال تُؤثر في الأوساط العلمية خاصة هؤلاء المهتمين بعلم التطور الثقافي (الميميات) Memetics.

12- من أجل تفسير العالم: اكتشاف العلم الحديث “To Explain the World: The Discovery of Modern Science”

من أجل تفسير العالم: اكتشاف العلم الحديث

من تأليف: ستيفن واينبرغ – Steven Weinberg

في هذا الكتاب العلمي التاريخي الأدبي والتحليلي، يقدم لنا “واينبرغ” واحدةً من أهم الكتب المميزة والمتفردة بهذه الصفات عن غيرها، فالفيزيائي “واينبرغ” والحاصل على جائزة نوبل قد تعمّق في تاريخ العلم الحديث ونشأته، ولكن ليس كأي مؤرخ هذه المرة، وإنما كمؤرخ فيزيائي يسرد الأحداث بأسلوبه العلمي، وأعتقد أن هذه بدايةٌ رائعة لرحلة الإثارة والتشويق مع هذا الكتاب الرائع والصادر عام 2015 .

تبدأ رحلتنا التاريخية مع البراهين الهندسية القديمة ومدينة “ميليتوس – Miletus” مرورًا بعصور الإسلام الذهبية في بغداد ومنها إلى “أوكسفورد”، ومن علوم “مكتبة الإسكندرية  Royal Library of Alexandria” قديمًا بمصر إلى “الجمعية الملكية لتحسين المعرفة الطبيعية” في لندن “Royal Society”، وذلك في جولةٍ رهيبة لتطور الأفكار عبر العقود وتطور أفكارنا عن العالم والكون من حولنا عبر التاريخ.

ربما لم يتوصل السابقون لما نفهمه نحن الآن وندركه عن العالم من حولنا، لكن ذلك لا ينقصهم أو يبخس حق قدرهم أبدًا، فلولاهم لما كان هناك حجر أساسٍ أبدًا لما توصلنا إليه الآن، وسعيهم وتطور إدراكهم لضرورة وجود منهجٍ علمي يحقق لنا ما نريده من إجابات هو كشفٌ في حدّ ذاته يحسب لهم. كذلك ما كنّا لنصل إلى هنا لولا معاناتهم لإيجاد تفسيراتٍ علمية لما يحدث حولهم، ودأبهم على وضع القوانين للظواهر العسيرة على التفسير مثل حركة الكواكب والنجوم والمد والجزر وتعاقب الأمواج والكثير من تلك الظواهر الغامضة التي نتجول معها في هذا الكتاب لمعرفة محاولاتهم وما انتهت إليه.

13- موسيقى الحياة: علم الأحياء إلى ما بعد علم الجينات “The Music of Life: Biology Beyond Genes”

موسيقى الحياة: علم الأحياء إلى ما بعد علم الجينات

من تأليف: دينيس نوبل – Denis Noble

عند النظر للحياة بأشكالها بعيون عالم الجينات فحتمًا ستكون الرؤية مختلفةً، وقد رأينا ذلك مع كتاب “الجين الأناني   The Selfish Gene”، والذي يعطي بشكلٍ كبير للكائنات الحية صفة المركبة المكونة من مجموعة جينات وراثية يجعلها تعمل على الحالة التي عليها، على العكس يأتي لنا هنا عالم الأحياء والفيزيولوجيا المخضرم “دينيس نوبل” بفكرةٍ مغايرةٍ عبر كتابه “موسيقى الحياة” والذي بدوره أحدث دويًّا بصدوره عام 2006 تمامًا مثل الذي أحدثه دوكينز بكتابه. تتلخص فلسفة “دينيس” في أنّه لكي نستطيع فهم الحياة بصورةٍ أكبر، يجب علينا أن ننظر لما هو أبعد من مجرد جين، وإن كان “الجين الأناني”. وذلك لنتيح لأنفسنا فرصةً أكبر لتأمل ودراسة أشكال الحياة المختلفة بنطاقٍ أوسع.

ومن عنوان الكتاب الراقي يُحدثنا “دينيس” عن الحياة من منظوره، فيؤكد لنا أننا أشبه بمعزوفةٍ موسيقية، سيمفونية كاملة يشارك في عزفها كلٌّ من الجينات الوراثية، الخلايا، الأعضاء، الجسم، والبيئة المحيطة.

وإذا كنا نتكلم عن الموسيقى والسيمفونيات بالغة الجمال كتعبيرٍ جمالي، فبالتأكيد كتاب “دينيس” هو الآخر إحدى السيمفونيات الرائعة في كتاباته التي يستطيع مناقشتها واستيعابها العلماء وغير العلماء على حدٍّ سواء بتقديم المعلومة لهم بشكلٍ مثير يستحوذ على انتباههم ولا ينفرهم منه بالتعقيدات العلمية.

يهاجم “دينيس” طريقة تجريد الجينات من المحيطات والعوامل الأخرى المؤثرة فيها مؤكدًا على أنه لا يصح بأي حال، فيشرح لنا نظريته المتطورة البديلة لدراسة وفهم الجينات، فهو يشبّه الجينات بالأسرى لدى كل كائن حي، والذي بدوره على درجة من التعقيد والدقة والتفاصيل على مستوياتٍ عدة، وللوصول إلى الجينات يجب عليك الإلمام بكل تلك العوامل والتفاصيل.

تتميز رؤية “دينيس” بأنّها شاملة وتنظر لجوهر الأشياء في الوقت نفسه، ولديه نظرةٌ فلسفية لما هو أبعد مما تبدو عليه الأمور، فبقراءتك للكتاب تجد دائمًا ما يحثك على ربط التفاصيل ببعضها البعض، فالحياة لديه عبارة عن شبكةٍ كبيرةٍ معقدةٍ في تفاصيلها وعلاقة أجزائها ببعض، ويشجعك أكثر بآرائه على الخوض أكثر في علم “أنظمة الأحياء  Systems biology” الآخذ في الانتشار والاهتمام به بشكلٍ كبيرٍ حاليًا، والذي يعد “دينيس” من أحد مؤسسيه، ولا يتوقف “دينيس” عند هذا؛ بل يبدأ بإثارة التساؤلات ومراجعة كل النظريات الحالية والسابقة في محاولةٍ منه لفهم طبيعة الحياة أكثر، والتعمق في كينونتها.

يمتلك “دينيس” من التاريخ الحافل والخبرات المميزة ما يؤهله لكتابة مثل تلك المعزوفة المتمثلة في كتابه “موسيقى الحياة”، فهو مخترعً وباحث في علم الأحياء التطورية، علم الأدوية، الفلسفة، علم اللغات، الثقافة الصينية والعديد من الخبرات الأخرى التي ينقلها لنا في تلك الدراسة المتعمقة لطبيعة الحياة والأحياء.

14- تاريخ موجز للزمن “A Brief History of Time”

تاريخ موجز للزمن

من تأليف: ستيفن هوكينج – Stephen Hawking

لا جدال على أن “ستيفن هوكينج” هو أحد ألمع وأعظم العقول في تاريخنا، فلنا أن نتوقف عند كتابه “تاريخ موجز للزمن” الأكثر مبيعًا وقت صدوره (#1 New York Times Bestseller) عام 1988، والذي تخطت أعداد نسخه المباعة العشرة ملايين نسخة. يناقش فيه “هوكينغ” أحد أهم المسائل العلمية والجدلية في التاريخ، مثل كيفية نشوء الكون، ما الدافع لـ “الانفجار العظيم   Big Bang”، هل للزمن أكثر من اتجاه بغير المعتاد وهو للأمام، هل هناك حدود للكون؟ أم أنه لا متناهي؟ هل هناك أبعادٌ أخرى في ذلك الفضاء الفسيح؟ كيف ستكون نهاية الكون؟ وما هي النهاية المتوقعة لكل ذلك؟ وغيرها من الأسئلة التي تدور بخلدنا ونحترق لمعرفة الإجابة عليها.

لحسن الحظ، فإن “هوكينج” لن يتركنا نتساءل كثيرًا عن ماهية الإجابات ونتخبط وسط المعادلات العلمية المعقدة والمصطلحات غير المفهومة لغير المتخصصين، فلغة الكتاب سهلة وسلسة يفهمها الجميع، من بداية الانفجار العظيم إلى “الثقوب السوداء – Black Holes” و “الكواركات   Quarks”، وعن “المادة المضادة   Antimatter” و “اتجاهات الزمن المختلفة   Arrows of time”، كذلك عن عظمة الكون واحتمالاته اللانهائية وعما يمكن أن يكون هناك. لا يتركنا هذا الكتاب الرائع لحظة دون تشويق وإثارة، ولا يقل هذا كله عن أهمية المعلومات العلمية الغزيرة والمدعومة بتصورات “هوكينغ” وعما يتخيله في محاولةٍ منه لكشف أسرار الكون الغامضة وتغيير نظرتنا عن كل ما حولنا من مجرات ونجوم وكواكب.

15- غوديل، إيشر، باخ “Godel, Escher, Bach”

غوديل إيشر باخ

من تأليف: دوجلاس هوفستادر – Douglas R. Hofstadter

إن تسمية “غوديل، إيشر، باخ” ترجع إلى الثلاثي: العالم والرياضي والفيلسوف “كيرت جوديل –  Kurt Godel”، الرسّام والفنان والمهتم بالرياضيات “إيشر – Maurits Cornelis Escher”، والمؤلف الموسيقي العبقري “باخ – Johann Sebastian Bach”. ربما يعطينا اسم الكتاب فكرةً عما يريد “هوفستادر” إيصاله لنا عبر كتابه الصادر عام 1979، فهو يركز بالأساس على التناغم بين الأنظمة الرسمية المكونة للذكاء الاصطناعي والارتقاء بمخططات الربط بينها.

فطبقًا لـ “هوفستادر”؛ لكي نرتقي بمستوى الذكاء الاصطناعي والوصول به لمراحل نسعى لها جاهدين، يجب علينا البحث والتطوير في نظامه الداعم والمكوّن له بشكل يحاكي طريقة تفكير العقل ومنهجيته لكي نظفر بنتيجة تشابه ما نرجوه من الذكاء الاصطناعي بطريقة تفكير تشابه طريقة تفكير عقل الإنسان.

إن هذا الكتاب حقق وقت ظهوره مبيعاتٍ هائلةٍ وكان نقطة تحولٍ في حياة الكثير من الدارسين والباحثين بتحويل مسار دراستهم إلى علوم الحاسب والذكاء الاصطناعي، ولا يكتفي “هوفستادر” بذلك، وإنّما يتطرق لمواضيع شتى في رحلةٍ مثيرةٍ معه ما بين أفكارٍ خيالية، وتعليقاتٍ عميقة واستنتاجات علمية وذلك في مجالاتٍ شتى مثل فيزياء الطاقة العالية high-energy physics وعلم الأحياء الجزيئي وحتى الموسيقى والفنون التصويرية visual arts إضافةً إلى الأدب والفلسفة، في كتابٍ واحد يستحق جائزة البوليتزر التي نالها لعام 1980.

 

اقرأ أيضًا:

 

0

شاركنا رأيك حول "أفضل 15 كتابًا علميًّا على مدار التاريخ الحديث"