على صخرة بركانية قبالة سواحل القارة القطبية الجنوبية، يعمل الباحثون في محطة ماكموردو McMurdo على أبحاثهم طوال الوقت، لهذا السبب هم بحاجة إلى إنترنت عالي السرعة.

يزور هذه المحطة التي تمولها مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية NSF حوالي 1000 زائر في فصل الصيف بين شهري أكتوبر وفبراير، هؤلاء الزوار يأتون إلى هناك لإجراء أبحاث ودراسات تتراوح من المناخ إلى علوم المحيطات.

لكن على الرغم من دورها الهام في أبحاث القطب الجنوبي، تفتقد محطة ماكموردو لشيء يعتبره معظم العلماء العاملين في مختبرات العالم أمرًا طبيعيًا، الإنترنت عالي السرعة.

القارة القطبية الجنوبية هي القارة الوحيدة التي لا تصلها كابلات الألياف الضوئية، ما يعني عدم توفر إنترنت عالي السرعة يربطها ببقية العالم.

في الوقت الحالي، يستخدم الباحثون في القارة القطبية الجنوبية الأقمار الصناعية التي توفر وصولًا بطيئًا ومتقطعًا بالإنترنت الذي لا يكفي إرسال بياناتهم التي يجمعونها إلى العالم، وكل باحث لديه حد معين من النطاق الترددي الذي يستطيع استخدامه. وفي بعض الأحيان، يضطرون إلى حفظ بياناتهم على محركات الأقراص الثابتة بدلًا من تحميلها على خدمات التخزين السحابي، ثم إرسال الأقراص بالبريد حتى يتمكن الآخرون من تحليلها في الوقت الفعلي، مما يؤدي إلى إبطاء تقدم البحث أو تقييد قدرتهم على إجراءه.

تعتمد معظم الأبحاث التي يتم إجراؤها في القطب الجنوبي على بيانات يتم جمعها بواسطة أدوات علمية حساسة. لكن إذا حدث خطأ ما، أو إذا تعطلت إحدى الأدوات أو احتاجت للإصلاح، لن يدرك الباحثون ذلك حتى يتم تحليل البيانات التي تم جمعها، وهذا قد يستغرق وقتًا طويلًا، إذا يتعين عليهم الانتظار حتى يكونوا قادرين على إرسال البيانات لمراكز الأبحاث عن طريق القمر الصناعي، ثم الانتظار للحصول على رد، وفي كثير من الحالات، يأتي الرد عندما يكون الأوان قد فات.

في شهر يوليو 2021، نشرت ساينتفيك أمريكان مقالة قالت فيها إن الإنترنت المتوفرة في الفضاء والذي يستخدمه رواد الفضاء في المحطة الدولية أفضل من الإنترنت المتوفر في القارة القطبية الجنوبية.

كابل الألياف الضوئية

بدأت مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية بالتفكير بجدية في إمكانية توصيل كابل الألياف الضوئية يمتد في قاع البحر إلى القارة القطبية الجنوبية انطلاقًا من نيوزيلندا أو أستراليا.

تم الإعلان عن الفكرة لأول مرة منذ أكثر من 10 سنوات، لكنها فقدت أهميتها لأن المشاريع الأخرى كانت لها الأسبقية. وإذا نجحت الجهود الأخيرة لإيصال الإنترنت إلى القطب الجنوبي، يقول العلماء إنها ستغير طريقة البحث والحياة اليومية في القارة المتجمدة.

يقول بيتر نيف، وهو عالم الجليد وأستاذ مساعد باحث في جامعة مينيسوتا الأمريكية: "سيغير ذلك التجربة الأساسية للعيش في القارة القطبية الجنوبية".

وقد صدر في شهر أكتوبر الماضي تقرير شامل يسلط الضوء على النقاط الرئيسية والطرق المحتملة وكيف يمكن استخدام كابل الألياف الضوئية لجمع بيانات علمية إضافية في هذه الأرض البعيدة.

وأوضح التقرير إن الحياة اليومية والأبحاث في محطة ماكموردو ستتغير بطرق لا حصر لها إذا كان اتصال الإنترنت عالي السرعة عن طريق كابل الألياف الضوئية متاحًا.

وبحسب ما يقوله الباحثون، يؤدي تغير المناخ إلى إعادة تشكيل الغطاء الجليدي في القطب الجنوبي بسرعة، وهذا يمكن أن يؤثر بشكلٍ كبير على البشر في كل أنحاء العالم. ففي كل عام، تفقد القارة القطبية الجنوبية مئات مليارات الأطنان من الجليد، مما سيؤدي لارتفاع مستوى البحار والمحيطات في كل مكان.

لكي يفهم الباحثون جيدًا الأسباب التي تؤدي إلى هذه الخسارة في مياه القطب الجنوبي وكيفية تجنبها، هناك حاجة إلى جمع الكثير من البيانات، وهذا لا يمكن أن يحدث بدون توفر شبكة إنترنت عالية السرعة.

تشكل كابلات الإنترنت التي تمتد في قاع البحار والمحيطات العمود الفقري لشبكة الإنترنت. وقد قدمت شركة أبحاث سوق اتصالات TeleGeography خريطة توضح فيها 436 كبلًا يمر عبره معظم بيانات الإنترنت العالمي.

عادة ما تكون عملية تمديد الكابلات تحت البحر مكلفة ومعقدة وتتم على مراحل، وتتطلب قوارب متخصصة ليتم مدها بعناية وبطء في القاع. وهذا ما جعل مشروع إيصال الكابلات إلى القارة القطبية الجنوبية مشروعًا مؤجلًا منذ سنوات.

الباحثون والعلماء في القطب الجنوبي ليسوا وحدهم من يحلمون بشبكة إنترنت مستقرة وعالية السرعة، فاعتبارًا من شهر يناير 2021، هناك 4.66 مليار مستخدم نشط للإنترنت في جميع أنحاء العالم، هذا العدد يشكل 59.5% من عدد سكان العالم. أي أن حوالي 40% من سكان العالم لا يستطيعون الوصول لشبكة الإنترنت.