وفاة بطلة العراق: أمينة مكتبة البصرة ترحل بعد حياة أيقونية
0

الثقافة من المفترض أن تكون في صلب حيَواتنا جميعًا، فلا يمكن للمرء أن تكون حاصلًا على قدرٍ من الإنسانية إلا عبر القراءة عن البشر الآخري من مختلف الخلفيات الثقافية والعقائدية والمجتمعية، والقراءة تكون دائمًا وأبدًا من الكتب والروايات المسرودة بأقلام وعقول ألمع الأدباء والمفكرين في التاريخ. المكتبات المركزية في جميع البلدان دائمًا ما تحتوي على أفضل وأندر الكتب على الإطلاق، وربما تأتي على رأس القائمة مكتبة الإسكندرية في جمهورية مصر العربية. لكن على الصعيد العراقي، فإن المكتبة المركزية للبصرة، هي منارة المعرفة في البلاد كلها، واليوم توفيت أمينة مكتبة البصرة متأثرة بمضاعفات فيروس كورونا الذي لا يرحم.

إنها عالية محمد باقر، ولدت في 1952 بمدينة المعقل بالعراق، وهي مدينة تابعة لمحافظة البصرة. درست في مدرسة الميناء الابتدائية، وكانت من أبرز المدارس المختلطة وقتها. بعدها أكملت مسيرتها التعليمية المتوسطة والثانوية في المعقل للبنات، ثم التحقت أخيرًا بالجامعة المستنصرية في بغداد الشهيرة، وفيها حصلت على شهادة بكالوريوس علوم المكتبات، ومن هنا بدأ شغفها جليًّا بالمكتبات والكتب مجملًا. لكن أمينة مكتبة البصرة لقب ما زال بعيدًا عن بطلة العراق دائمة الشباب والنضارة حتى بعد مفارقتها الحياة.

أول عمل حقيقي لها في مجال المكتبات كان في مكتبة الموانئ العراقية، حيث كان والدها يعمل موظفًا في دائرة الموانئ نفسها، وأبقت على هذا العمل حتى عام 1983، لتنتقل إلى محافظة ذي قار وفيها عملت أمينة لمكتبة مدينة الرفاعي (وهي مكتبة كبيرة فعلًا)، وأخيرًا حصلت على منصب أمينة مكتبة البصرة في 1989، لتظل فيه حتى عام 1994 وتترقى لتصير المديرة العامة لجميع مكتبات البصرة جملة وتفصيلًا، حتى وفاتها المنية في 14 أغسطس 2021. استطاعت خلال تلك الفترة أن تطور من قطاع المكتبات في البلاد، وأضافت الكثير للثقافة العراقية. لكن كل ما فعلته في حياتها من أجل الثقافة العراقية في كفة، وبطولتها الخاصة والفردية بعام 2003 في كفة أخرى تمامًا.

في عام 2003، قررت الحكومة البريطانية دخول العراق من أجل القضاء على حكم صدام حسين، ووقتها كانت عالية محمد هي أمينة مكتبة البصرة قبل أن تترقى إلى منصبها الأخير. ومن أجل الإطاحة بصدام حسين، كان يجب على الحكومة البريطانية افتعال الكثير من المناوشات والتدفاعات المباشرة التي تضيع ضحيتها الكثير من الحيَوات، وكذلك المباني. وبالنسبة لحياة الناس، فالوضع ميؤوس منه، لكن بالنسبة للمباني والكتب؟ حسنًا، هنا أتى دور البطلة بالطبع.

وفاة بطلة العراق: أمينة مكتبة البصرة ترحل بعد حياة أيقونية

قامت بمنتهى الشجاعة بالتواصل مع إدارة أحد المطاعم القريبة من المكتبة، وعملت على تهريب أكثر من 30 ألف كتاب ومخطوطة سريًّا وعلى فترات إلى المطعم، وهذا بعد أن قوبل طلبها الرسمي بنقل الكتب إلى مكتبة أكثر أمانًا؛ بالرفض. ساعدها على النقل مجموعة من أهالي الحيّ، وسويًّا أنقذوا الكتب ومخطوطة سيرة النبي محمد التي يعود أصلها التاريخي إلى 1300 سنة، وبعد فترة قصيرة من النقل السري، اندلع حريق هائل في المكتبة، وصارت أمينة مكتبة البصرة هي أمينة الثقافة في العراق كلها.

ألهمت شجاعتها إصدار كتابين يسردان قصتها البطولية لإنقاذ الثقافة العربية بشكلٍ عام والعراقية بشكلٍ خاص، ومنذ ذلك الحين وحتى وفاتها المنية، عاملها كل أهل العراق بالحب واللين وكانت بطلة قومية، وما زالت، وليس ذلك في عيون أهل العراق فقط، بل في عيون جميع محبي الأدب والثقافة في المنطقة العربية كلها.

رحلت أمينة مكتبة البصرة، لكن لم ترحل معها البطولات العظيمة والشغف المتقد، موقفها البطولي أثبت أن الكتب ذات قيمة، وأن هناك بعض البشر الذين يودون بشدة أن يضعوا حياتهم على المحك من أجل المعرفة!

0

شاركنا رأيك حول "وفاة بطلة العراق: أمينة مكتبة البصرة ترحل بعد حياة أيقونية"