0

ازداد حجم إطار الكاميرات الخلفية للهواتف الذكية في السنوات الثلاث الماضية بشكلٍ كبيرٍ لدرجةٍ أصبح فيها الإطار أحد أهم الجوانب التصميمية والسبيل الوحيد للتفريق بين هاتفٍ وآخر، وكأن تصميم الهاتف كُلّه يتمحور حوله. لكن في الواقع، فهذا البروز الضخم ليس قطعةً إضافيّةً أو تجميليّة قررت الشركات التفنن في تصميمها بعد نفاذ الأفكار التصميمية، بل هو في أغلب الأوقات دليلٌ على مدى جودة واحترافيّة نظام الكاميرات، ولهذا تجد إطار كاميرات الهواتف الرائدة أكبر حجماً مقارنةً مع الهواتف المتوسطة ومنخفضة السعر. إذاً ما السر وراء إطار الكاميرات الضخم؟ ولما أصبحت جميع الهواتف الذكية في يومنا هذا تملك إطار كاميرات كبير؟

للإجابة على تلك الأسئلة علينا أولاً التعمّق قليلاً في آلية عمل الكاميرات.

العدسات والبعد البؤري المتهم الأول في إطار كاميرات الهواتف الذكية

بنية كاميرا الهاتف الذكي

تتألف جميع الكاميرات على اختلاف أشكالها وأنواعها سواء أكانت كاميرات DSLR أو Mirrorless وحتى كاميرات الهواتف الذكية من عنصرين أساسيين هما الحساس والعدسات. يلعب الحساس دور شبكية العين، فهو يستقبل الضوء الوارد ويحوله إلى صورةٍ رقميةٍ لتخزنيها على هاتفك، بينما تعمل العدسات على تركيز الضوء الوارد عن الجسم المراد تصويره على الحساس تماماً.

لا تلتصق العدسات بجسم الحساس بالطبع، إذ تبعد عنه مسافةً معينة تسمى بالبعد البؤري، حيث تحدد تلك المسافة مدى التقريب الذي تتمتع به الكاميرا، مما يؤثر على مجال رؤيتها. يقاس البعد البؤري بواحدة الملي متر، ويبلغ 26 ملم في الكاميرات التي تلتقط صوراً بأبعادٍ حقيقية دون أي تقريب (X1)، ومن الممكن أن يتراوح البعد البؤري بين 10 ملم في العدسات عريضة الزاوية، ويصل إلى 300 وحتى 600 ملم في العدسات الاحترافية شديدة التقريب.

كاميرات الهواتف الذكية
حقوق الصورة: androidauthority

ونظراً لاستحالة التقيد بتلك الأبعاد في الهواتف كون سماكتها لا تتجاوز 9 ملم، فإمكانية التقريب فيها محدودٌ جداً، كما صُممت كاميراتها ببعدٍ بؤريٍّ أصغر بكثير لكنها تعطي نفس التأثير تماماً. وبناءً على ما سبق، كلما زاد التقريب البصري لكاميرا الهاتف ازداد البعد البؤري، وبالتالي ازدادت المسافة بين الحساس والعدسة، مما يترتب عليه ازدياد حجم الكاميرا والمساحة التي تشغلها.

حُلّت هذه المشكلة في كاميرات DSLR الاحترافية باستخدام عدسات منفصلة. يكون جسم العدسات المّقرّبة أكبر بكثيرٍ من جسم الكاميرا ذاتها، وذلك بسبب وجود عدّة عدساتٍ بعضها ثابتٌ وبعضها الآخر متحرك وتفصل بينهما مسافةٌ مدروسة ومحددة، وكلما ازدادت درجة التقريب ازداد حجم جسم العدسة.

عدسة Olympus IS PRO ببعد بؤري 300 ملم

معامل اقتطاع الحساس

يعتبر معامل الاقتطاع واحداً من أهم العوامل المؤثرة على مجال رؤية الكاميرا. يتأثر هذا المعامل بحجم الحساس المستخدم وزاوية العدسة، وكلما كان حجم الحساس أصغر، ازداد معامل القطع مقارنةً مع الحساسات الأكبر حجماً وبالتالي بدت الصورة وكأنها مقرّبةٌ أكثر من الواقع.

حقوق الصورة: androidauthority

وهذا ما يفعله العديد من مُصنّعي الهواتف الذكية، إذ يُضحّون بجودة كاميراتهم المقربة وأداءها في الضوء الخافت باستخدام حساسٍ أصغر حجماً بهدف إبقاء جسم الكاميرا أصغر ما يمكن.

السعي وراء تقريب X100 

بعد أن أوضحنا بعض المصطلحات الهامة المتعلقة ببنية الكاميرات الداخلية، يمكننا البدء بتفسير ازدياد حجم إطار كاميرات الهواتف الذكية.

يعود السبب الأول إلى درجات التقريب العالية التي باتت تتمتع بها الهواتف الرائدة مؤخراً، وكما ذكرنا سابقاً فالعامل الأساسي في التقريب هو البعد البؤري focal length. وفيما تحاول الشركات الاحتيال على مشكلة الأبعاد باستخدام مجموعة عدساتٍ تبعد عن بعضها مسافةً مدروسةً بدقة لزيادة البعد البؤري، تلعب المسافة بين العدسات والحساس الدور الأول والأخير في تحديد درجة التقريب التي لا تزداد إلا بزيادة تلك المسافة.

كاميرات الهواتف الذكية
الاختلاف بين آلية عمل الكاميرا العادية وكاميرا المنظار

تغلب المُصنّعون على القيود التي وضعتها أبعاد الهاتف المحدودة جداً باستخدام تقنية المنظار التي قدمها هاتف Huawei P30 Pro للمرة الأولى عام 2019، وتستخدم هذه التقنية المرايا لعكس الضوء وزيادة البعد البؤري، كما تستغل مساحة الهاتف الداخلية لمنح الكاميرا القدرة على التقريب البصري X5 وحتى X10 (والتقريب الهجين حتى X120) دون الحاجة للبروز بشكلٍ كبيرٍ جداً عن جسم الهاتف.

 كاميرات هاتف Galaxy S21 Ultra. كاميرات الهواتف الذكية
مجموعة كاميرات هاتف Galaxy S21 Ultra. نلاحظ الحساس الرئيسي الضخم في المنتصف بدقة 108 ميجابيكسل، والمساحة الكبيرة التي تشغلها كاميرا المنظار المقرّبة في الأسفل.

يمكنك الاستمتاع بقصف Zack لجبهة سامسونج ومشاهدة الآلية المدهشة لعمل كاميرا المنظار عن قرب في هاتف Galaxy S20 Ultra بعد الدقيقة الرابعة من الفيديو التالي:

12 ميجابيكسل لم تُرضِ الرغبات

أصبح استخدام حساساتٍ أكبر حجماً حاجةً ملحّةً لتحسين جودة الصور الملتقطة وأداء الكاميرا في ظروف الإضاءة الخافتة. وعلى الرغم من ذكرنا أن حجم الحساس يتعلق بمعامل الاقتطاع وليس بالبعد البؤري، إلا أنه عادةً ما تحدث زيادةٌ في البعد البؤري بزيادة حجم الحساس، وهنالك سببٌ مقنعٌ لذلك.

يتغير حجم إطار الصورة ومعدل الاقتطاع تبعاً لتغير حجم الحساس، لذا يُجبر المصنّعون عند الانتقال لاستخدم حساسٍ أكبر حجماً على زيادة البعد البؤري للمحافظة على تلك النسب (معدل الاقتطاع) كما هي، وإلا انتهى بهم المطاف بالوقوع بمشكلة تشتت الحواف وبمجال رؤية أكبر من المرغوب به.

كاميرات الهواتف الذكية

وبينما قد تبدو زيادة مجال الرؤية أثراً جانبياً مرغوباً به للوهلة الأولى، إلا أن المشكلة تبدو أكثر وضوحاً في الهواتف الحالية التي تملك ثلاثة أنواع كاميرات (رئيسية، مقرّبة، عريضة الزاوية) والتي يجب أن يكون لكلٍّ منها مجال رؤيته الخاص.

تشوه حواف الصورة

تشوه الحواف مشكلةٌ طبيعيّةٌ تعاني منها جميع الكاميرات بنسب مختلفة. ينتج التشوه عن تبعثر الضوء على أطراف العدسة وبالتالي ضياع تفاصيل الصورة عند الحواف، بينما تكون التفاصيل المحيطة بمركز العدسة أكثر حدّةً ووضوحاً. قد تُحل تلك المشكلة باستخدام عدساتٍ عالية الجودة، إلا أن تصنيعها بأحجامٍ صغيرةٍ تناسب كاميرات الهواتف أمرٌ غايةٌ في الصعوبة، لذا دائماً ما تُحل بطريقة واحدة، ألا وهي تصغير معامل الاقتطاع.

كاميرات الهواتف الذكية

يبدو التشوه أكثر وضوحاً كلما ازداد حجم الحساس كونه يلتقط معلوماتٍ أبعد عن المركز وأقرب إلى حواف العدسة (المربع الأخضر)، لذا تلجأ الشركات لزيادة المسافة بين العدسة والحساس (زيادة البعد البؤري) بدرجةٍ مدروسة لتقليل مجال روية الحساس (المربع الأحمر) وبالتالي تقليل معامل الاقتطاع للتخلص من التشوه الحاصل عند حواف العدسة.

وبينما تبدو تلك أسباباً مختلفةً لمشكلةٍ واحدة، إلا أننا نستطيع حصر جميعها في سببٍ واحد، ألا وهو المسافة بين الحساس والعدسات. إذ يستثمر المُصنّعون الملايين لتطوير تقنياتٍ جديدةٍ في سبيل تحسين جودة كاميراتهم وزيادة درجة تقريبها بهدف تسويق هواتفهم وإرضاء المستخدمين الذين أصبحوا ينظرون لدقة 12 ميجابيكسل أو للهواتف التي تفتقر لكاميرا مقربة بشيء من الازدراء.

إذاً فإطار الكاميرات الضخم ليس صيحةً تصميميّةً قررت الشركات اتباعها، بل هو أثر تحديهم قوانين الفيزياء لتقديم أكثر التقنياتِ إبداعاً، وعلى ما يبدو سيبقى ذلك الإطار مرافقاً لنا فترةً ليست بقصيرة.

0

شاركنا رأيك حول "“السطوح الملساء أصبحت من الماضي”.. إطار كاميرات الهواتف الذكية الضخم بين الضرورة والتصميم"