0

عند الحديث عن جمهورية الصين الشعبية ونموّها المتسارع في عدّة مجالات، لا شكّ أنّ القطاع التقني يعتبر من أهمّها وأبرزها اليوم، فقد شهدت بعض الشركات التقنية الصينية نمواً غير مسبوق بشكل جعلها قادرة على منافسة الأسماء الكبرى في هذا المجال حول العالم، فمع حظر الكثير من الخدمات الأجنبية عن المستخدمين داخل الصين، كانت الفرصة سانحة أمام تلك الشركات للانتشار بشكل واسع وتحقيق أرباح بالمليارات دون عناء مقارنةً بالمنافسين.

لسنوات طويلة كانت النظرة العامة للصين في هذا الجانب تتمثّل بكونها تساعد الشركات التقنية للنموّ والانتشار على نطاق أوسع، وذلك من أجل توسيع نفوذها حول العالم لتصبح قوة تقنية عظمى مستقبلاً، ولكن خلال الأشهر الماضية قامت الحكومة الصينية بإصدار قوانين جديدة من شأنها أن تقيّد عمل تلك الشركات وتحدّ من نفوذها بشكل كبير، وفي هذا المقال سنسلّط الضوء على الأسباب التي دفعتها لتغيير سياستها في هذا الجانب فتابع معنا لمعرفة المزيد.

نظرة على كبرى الشركات التقنية في الصين وسياساتها الاحتكارية

لا شكّ أن قطاع التقنية في الصين يشهد ازدهاراً غير مسبوق، حيث أنّ هنالك الكثير من الشركات التي تقدّم مجموعة متنوّعة من الخدمات المختلفة، ولكنّ المشكلة هو أنّ الأسماء الكبيرة في هذا المجال مثل Tencent و Alibaba زاد نفوذها لتصبح قادرة على القيام بممارسات احتكارية بشكل مشابه لما تقوم به بعض الشركات الأمريكية أيضاً:

نظام بيئي مغلق

تمتلك كل من Tencent وAlibaba مجموعة واسعة من الخدمات والشركات الفرعية الأخرى التابعة لها، وبسبب ذلك فإنّ كل شركة منها تسعى لدفع المستخدمين نحو خدماتها بدلاً من منحهم حريّة الاختيار.

أبرز مثال على ذلك هو WeChat الذي يعتبر من أكبر تطبيقات المحادثة عالمياً، حيث أنّ شركة Tencent المطورة له تمنع المستخدمين من مشاركة روابط مقاطع الفيديو من تطبيق Douyin (الإصدار الصيني من TikTok)، والحل الوحيد هنا هو تحميل الفيديو وإرساله على شكل ملف.

تختلف الخدمات التي تقدمها Tencent بعض الشيء عمّا تقدّمه Alibaba، ولكنّ ذلك لم يمنعها من حظر مشاركة روابط متجر Taobao الإلكتروني التابع لـ Alibaba على WeChat.

من الناحية الأخرى لا تقدّم Alibaba خيار الدفع عن طريق خدمة WeChat Pay (التابعة لـ Tencent)، وبذلك يبقى خيار الدفع هو خدمة Alipay التابعة لشركة Ant Group (التي تمتلك Alibaba حصة كبيرة فيها).

هنالك أيضاً شركة JD.com -أكبر متاجر التجزئة على الإنترنت في الصين، وبسبب كون شركة Tencent تمتلك حصة كبيرة فيها، فإنّ المستخدمين لا يستطيعون الدفع عن طريق خدمة Alipay المنافسة لـ WeChat Pay. بالطبع فإنّ هذه الممارسات ليست فريدة من نوعها في هذا المجال، ولكنّ امتلاك تلك الشركات الحرية الكاملة للقيام بذلك علناً أصبح مصدر قلق للحكومة الصينية.

أسعار مختلفة بحسب الزبون

 الشركات التقنية الصينية china tech companies

بالنظر لتنوّع الخدمات التي تمتلكها كبرى شركات التقنية في الصين، فقد أصبحت قادرة على معرفة اهتمامات مستخدميها من خلال البيانات التي تقوم بجمعها وتحليلها بدون رقابة فعليّة، ولكنّ الغرض وراء معرفة اهتماماتهم لم يكن من أجل الإعلانات المستهدفة فقط، وإنما من أجل تسعير بعض خدماتهم بشكل مختلف بحسب كل زبون.

قام أحد الصحفيين من وكالة Xinhua الإخبارية الصينية بتجربة فعليّة لمعرفة حقيقية ذلك، حيث بحث عن غرفة في فندق ضمن أحد مواقع الحجز الصينية من ثلاثة هواتف مختلفة، والمفاجأة كانت أنّ كل هاتف قدّم له سعراً مختلفاً لنفس الغرفة.

من الناحية الأخرى هنالك العروض والمكافآت التي تقوم بعض الشركات بالترويج لها لتشجيع المستخدمين على اعتماد منصّاتهم بدلاً من المنافسين، والتي قد تختلف بشكل كبير بين كل مستخدم وآخر بحسب رغبة الشركة، حيث أنّ هدفهم الرئيسي في النهاية هو جذب مستخدمين جدد وليس منح مكافآت غير ضرورية للمستخدمين الحاليّين.

الضغط على الشركات الأخرى

قامت شركة Galanz group الرائدة في مجال تصنيع الأفران باتهام Alibaba بتوجيه المستخدمين بعيداً عن متجرها على موقع Tmall الإلكتروني التابع لـ Alibaba، وذلك بعد قيامها ببيع منتجاتها على متجر Pinduoduo المنافس والتابع لشركة JD.com، وبحسب تصريحات Galanz فقد أدّى ذلك لتراجع مبيعاتها بشكل كبير بعد رفضها التعامل مع Tmall التابع لـ Alibaba بشكل حصري.

حدثت بعض المشاكل المشابهة أيضاً مع تطبيقي التوصيل Meituan وEle.me، حيث أنّ حصّة كبيرة من كل واحد منهما مملوكة من قبل Tencent وAlibaba على التوالي. تقوم المطاعم المحليّة هناك باستخدام تلك التطبيقات لبيع وتوصيل منتجاتها، ولكنّ المشكلة أنّ كل تطبيق حاول الضغط على المطاعم من أجل اختيار أحدهما دون الآخر.

عمليّات استحواذ لا تنتهي

شركة علي بابا الشركات التقنية الصينية

تعتبر عمليّات الاستحواذ من أبرز التحدّيات التي كانت تعيق تنظيم عمل الشركات الكبيرة في الصين، حيث أنّ الكثير من تلك الشركات تعمل وفق بنية معقّدة تدعى الكيانات ذات المصالح المتغيرة (Variable Interest Entities)، والتي تتيح حرية أكبر للقيام بعمليات استحواذ والسيطرة على الحصص الأكبر من شركات أخرى دون الرجوع لهيئات الرقابة التنظيميّة المسؤولة عن هذه الأمور.

على الرغم من كون الحكومة الصينية لا تسمح بهذه الممارسات، فقد قامت بغضّ النظر عنها لفترة طويلة سامحةً لشركاتها التقنية بالتصرّف كما يحلو لها في هذا الجانب، حيث أنّ صفقة استحواذ Alibaba على خدمة التوصيل Ele.me يمكن اعتبارها قانونية وعلى الأغلب أنّها كانت ستوافي شروط هيئات الرقابة هناك، وعلى الرغم من ذلك فقد قامت Alibaba بعملية الاستحواذ دون الرجوع للهيئات والتأكّد من تحقيقها للمعايير والشروط المطلوبة.

الحكومة تبدأ خطواتها الأولى لتنظيم عمل الشركات التقنية الصينية

 الشركات التقنية الصينية ant group ipo

خلال الأشهر الماضية بدأت الحكومة الصينية باتخاذ إجراءات غير مسبوقة ضد شركاتها التقنية، حيث قامت بإيقاف الطرح العام الأولي للاكتتاب (IPO) لشركة Ant Group التي تمتلك Alibaba حصة كبيرة فيها، والتي كان من المفترض أن تشكّل أكبر طرح للاكتتاب العام في العالم بقيمة 34.5 مليار دولار، وقد أشارت بعض التقارير أنّ هذا الإجراء كان متعلقاً بقيام Jack Ma مؤسس Alibaba بانتقاد هيئات الرقابة والتشريع الصينية في آخر تصريحاته قبل أن يختفي لعدّة أسابيع ويعاود الظهور بعدها.

قد يكون لتصريحات Ma دور في استعجال الحكومة بتعليق العرض العام الأولي لشركة Ant، ولكنها لم تتوقّف عند هذه المرحلة في الواقع، فقد قامت إدارة الدولة لتنظيم السوق (SAMR) بفتح تحقيق مع Alibaba بتهم تتعلق بالاحتكار ضد شركات أخرى، وذلك بالإضافة لوضع تشريعات جديدة تتضمن قوانين حول مكافحة الاحتكار وكيفية تعامل الشركات مع بيانات المستخدمين وكيفية تسعير المنتجات والخدمات وغيرها الكثير أيضاً.

في حال تطبيق جميع مشاريع القوانين الجديدة التي أصدرتها الحكومة، فإنّ جميع التجاوزات والممارسات غير القانونية التي تحدثنا عنها في الفقرة السابقة ستكون مشمولة بالقواعد الجديدة بشكل سيعرّض تلك الشركات لكثير من الدعاوي القضائية والغرامات المالية في حال استمرارها على نفس النهج.

كيف ستتعامل الشركات مع هذه التشريعات الجديدة؟

الشركات التقنية الصينية

انخفضت القيمة السوقية لكبرى الشركات الصينية بأكثر من 200 مليار دولار بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة عن تلك التشريعات، ومن غير المعروف حتى اليوم كيف سيكون تأثيرها الفعلي على قطاع التقنية في الصين على المدى البعيد، حيث أنّ الكثير من الممارسات الحالية لتلك الشركات سيتمّ منعها أو تقييدها على أقل تقدير، وهو ما سيعيق نموّها المتسارع وانتشارها بشكل محلي وعالمي مستقبلاً.

من الناحية الأخرى فإنّ الشركات الصينية أصبحت قادرة على التكيّف مع سياسة الحكومة الصينية المركزية وطريقتها في تشريع القوانين وتنفيذها، وبحسب تصريح Liu Bo أحد التنفيذيين في شركة Alibaba، فقد شهد العقد الماضي كثيراً من القوانين الجديدة التي تنظّم عمل القطاع التقني وبذلك فإنّ الشركة ترحّب بأي قوانين جديدة لتطبيقها.

السبب وراء فرض الصين هذه التشريعات على كبرى الشركات التقنية الصينية

الشركات التقنية الصينية حرب التشريعات

بشكل عام ما زالت الشركات التقنية الصينية تعتبر واجهة الحكومة أمام العالم، حيث أنّها تمثّل التطوّر والتقدّم التي شهدته وما زالت تشهده في هذا المجال، كما أنّ هنالك الكثير من النواحي التي تستطيع الصين الاستفادة منها عن طريق السماح لشركاتها بالنموّ والانتشار بشكل عالمي بما في ذلك خطة معايير الصين 2035 بالطبع، وبالتالي فمن المستبعد أنّ تكون النيّة وراء هذه التشريعات هي لإلحاق الضرر بتلك الشركات.
بحسب تصريحات Kendra Schaefer، أحد الباحثين ضمن شركة Trivium China:

جميع هذه التشريعات الجديدة تعتبر ضمن خطّة الصين لتصبح قوة تقنية عظمى، وذلك من خلال إنشاء بنية تحتيّة تنظيمية لجعل تلك الشركات تنمو بالشكل الصحيح الذي تراه الحكومة مناسباً.

كان العام الماضي سيئاً بعض الشيء على الشركات التقنية في كافة دول العالم، فقد بدأت بعض التحقيقات حول ممارسات الاحتكارية لبعض الشركات الأمريكية بما في ذلك جلسة الاستماع الأخيرة التي تضمّنت الرؤساء التنفيذيين لكل من Apple وFacebook وGoogle وAmazon، وذلك بالإضافة لمشروع القوانين الجديدة الخاصة بالاتحاد الأوروبي وغيرها الكثير أيضاً، وهو ما يعتبر موازياً لما تفعله الصين اليوم ولو كان مختلفاً بعض الشيء من ناحية التطبيق مقارنةً بالدول الأخرى.

في النهاية وبعيداً عن الجدال الذي لا ينتهي حول مجال النفوذ الذي يجب أن تمتلكه الحكومات لتنظيم الأسواق، لا يمكن إنكار أنّ الشركات التقنية تجاوزت حدودها في كثير من النواحي وأصبحت سيطرتها الكبيرة على السوق مصدر قلق الحكومات والمستخدمين على حد سواء، وبالتالي فإنّ هذه الهجمات التي تتعرض لها من الحكومات تعتبر نتيجة منطقيّة للممارسات المثيرة للجدل التي تقوم بها تلك الشركات منذ سنوات.

 

0

شاركنا رأيك حول "التنين الصيني يقصّ أجنحة كبرى الشركات التقنية الصينية.. قوانين جديدة لتثبيت نفسها كقوة تقنية عظمى"