0

في السبعينيات من القرن الماضي كتب نزار قباني كتاب بعنوان “الكتابة عمل انقلابي” ويتحدث خلال صفحات هذا الكتاب عن الكتابة وكيف تمثل خروجاً عن المألوف، وتعبيراً عن الماضي والحاضر والمستقبل، وكانت الكتابة التي يقصدها هي الطريقة التقليدية التي يلجأ فيها الإنسان إلى قلمه ويستحضر القواعد اللغوية والنحوية من أجل خلق محتوى معبّر وفي ذات الوقت قابل للقراءة، ولكن من المؤكد أنه لم يكن يتصور أن الكتابة ستصبح بالفعل عملاً انقلابياً بسبب تغير القائم بها وتحوله من إنسان إلى جماد مزود ببعض الأجهزة وغيرها.

ومع التطور العلمي والتكنولوجي الذي نعيشه في الوقت الحالي، وامتداده إلى العديد من المجالات كان لا بد وأن يتم ابتكار تقنيات جديدة للمبرمجين لاستخدام لوحة المفاتيح في إدخال النصوص بشكل صحيح عن طريق تقنيات متطورة، وكانت الفكرة في بدايتها تقوم على إضافة عناصر بسيطة لقائمة المهام منها أن تتوقف عن الانتهاء من العمل المحدد، ثم تطور أكثر فأصبح نظام ذكاء اصطناعي يسمى الـ (GPT-3) واحدًا من أهم وأحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال تحرير النصوص على الإطلاق.

ما هو (GPT-3)؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي

هو إحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي المصنع من قبل مختبر الأبحاث (Open AI) التي تم إطلاقها قبل شهرين في الإصدار التجريبي، ويقصد بها “التدريب التوليدي المسبق” وهي تقنية تختص بتوليد لغات مختلفة يستخدمها الإنسان عند الحاجة أو الطلب بفضل تقنيات التعلم العميق.

وتعتمد طريقة عمله على ملاحظة الطريقة التي يتم إنتاج النصوص بها، وتحليل كميات كبيرة منها على الإنترنت بحيث يكتسب مهارة معرفية تنطوي على معرفة الحروف والأسماء والأفعال التي تتبع بعضها البعض، وهذا هو جوهر طريقة عمل هذه التقنية، ولا تقتصر قدرتها على إنتاج النصوص ولكن لها القدرة على تصميم مواقع الويب، ووصف الأدوية في بعض الأحيان والإجابة على الأسئلة التي يتم طرحها من قبل المستخدمين.

ما هو مختبر الأبحاث (Open AI) وما سبب شهرته؟


هو مختبر منظمة غير ربحية تم إنشاؤه في عام 2015، على يد كل من إيلون ماسك وسام ألتمان، تعمل في مجال أبحاث الذكاء الاصطناعي، تستهدف تعزيز وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وتطوير تقنيات حديثة في مختلف المجالات، بالإضافة إلى أنها تسعى لإقامة شراكات مع باحثين ومؤسسات من أجل إتاحة براءات الاختراع لكل البشر حول العالم، وتبذل قصارى جهدها من أجل تحقيق هذه الغاية.

هل يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاج محتوى لغوي، وما مدى قوتها؟

لقد أثبت إصداري (GPT-2) و (GPT-3) جدارتهما وقدرتهما على خداع المستخدمين من ناحية إنتاج نصوص تثير الدهشة، وجدير بالذكر أن تقنية (GPT-3) قد تفوقت على تقنية (GPT-2) حيث يحتوى على حوالي 175 مليار وحدة من القيم التي تحاول الشبكة العصبية تحسينها أثناء التدريب، مقابل 1.5 مليار وحدة في التقنية السابقة له، ما يجعله قادر على المحاكاة، وسرعة إنتاج النصوص.

صحيفة الجارديان … أول من أرّخ لتقنيات كتابة المحتوى

تقنيات الذكاء الاصطناعي

نشرت صحيفة الجارديان مقالاً في شهر سبتمبر، كُتب عن طريق أحد تقنيات الذكاء الاصطناعي المشار إليها أعلاه (GPT-3)، وهذا دليل عملي على مدى تطور هذه التقنية، فعلى الرغم من وجود مدقق لغوي لهذا المقال إلا أن هذه التقنية قد أثبتت جدارتها وقدرتها على إنتاج محتوى عالي الجودة، وإنتاج نصوص وموضوعات تهم البشر.

مراحل تطور تقنية (GPT-3)

أولاً: في عام 2018 ابتكرت (Open AI) تقنية (GPT) وقد كان نموذجاً لغوياً لإنتاج المحتوى بشكل متماسك، ولديه قدرة على الترجمة والإجابة عن أسئلة المستخدمين.

ثانياً: في نوفمبر 2019 طورت الشركة النموذج السابق نموذج آخر يحمل اسم (GPT-2) وكان يتفوق على النظام السابق من حيث قدرته على إنتاج نصوص بشكل آلي متأثراً بالسياق الذي يتم ضبطه عليه فيقوم بتحليل البيانات والمعلومات ومن ثم خلق نموذج لغوي يعبر عنه، وكانت آلية عمله الاحترافية مقارنة بالنظام السابق نتيجة لتعرضه لأكثر من 8 مليون صفحة ويب، مما دعم من الحصيلة اللغوية والمعلوماتية لدى النظام، وجعله قادرًا على إنتاج نصوص يصعب التفرقة بين واضعها هل هو إنسان أم آلة.

ثالثاً: تطوير التقنية وطرحها بشكل محدود في سبتمبر 2020، تحت مسمى (GPT-3) لتمثل الجيل الثالث من تقنيات تحرير النصوص، والتي تم فيها معالجة عيوب الجيلين السابقين وتم تزويدها ببيانات ومعلومات أكبر مما جعلها قادرة على تحرير النصوص دون الحاجة إلى العنصر البشري بشكل أساسي.

كيف يرى المتخصصون تقنية تحرير النصوص (GPT-3)؟


وفقاً للرسم البياني أعلاه يلاحظ أن طريقة عمل تقنية (GPT-3)، تعتمد على وجود قوة حوسبة عالية الجودة مقارنة بالتقنيات السابقة له، ولكن القائمون على تطوير هذه التقنية أنفسهم أشاروا إلى أن بها بعض العيوب مثل:

1- أنها تفقد قدرتها على الاتساق مع النص في المدى الطويل.

2- من الممكن أن تؤدي التقنية إلى تكرار نفسها، ولا تستطيع العمل بشكل جيد فيما يتعلق ببعض الأفعال الفطرية، (لا تستطيع الإجابة عن بعض الأسئلة التي تعبر عن نتائج طبيعية).

3- أحياناً تكون ترجمتها لبعض النصوص ركيكة.

4- لا تقوم بمعالجة النصوص بشكل احترافي –متحيزاً في كثير من الأحيان– فنجدها تضع عبارات التمييز مع كل الضمائر الأنثوية، وتربط الإسلام بكلمات مثل “العنف” و “الإرهاب”.

تأثير استخدام تقنيات إنتاج النصوص على القارئ

إن استخدام التقنيات المتطورة في إنتاج النصوص والمحتويات، له مردود إيجابي حيث من الممكن أن تؤدي هذه التقنيات الى ما يلي:

1- زيادة عنصر التخصيص، بمعنى قدرتها على قراءة وتحليل التفضيلات بناءً على مجموعة من العمليات الداخلية وبالتالي تتنوع المخرجات بحسب المستقبل، فتختلف طريقة التحية، والكتابة واستخدام الجمل والألفاظ بناءً على البيانات المتاحة عن المستخدمين أو المتفاعلين مع هذه التقنية.

2- القدرة على قياس حجم رضا المستخدمين والفئات المستهدفة بشكل سريع، وبالتالي تفادي إزعاجهم، وإتاحة تفضيلاتهم، ما يعني زيادة حجم المحتوى، وتطور حجم التقنيات المستخدمة.

3- من الممكن أن يساهم تطور مثل هذه التقنيات بالمساعدة في تحديث البرامج التعليمية على مستوى الدول التي تستخدمها.

4- توفير المرونة ومراعاة السياق الذي يتم فيه طرح المحتوى، حيث أن العمليات التي تقوم بها هذه التقنيات تساعد على مراعاة السياق الخاص بالمتلقي بحيث يتم إنتاج المحتوى وفقاً للظروف التي يعيشها المتلقي في هذا الوقت، ففي ظل وجود الأزمات والكوارث تتم إتاحة المحتوى الذي تناسب مع هذا السياق، وفي ظل الأحداث الرياضية والتاريخية تتم إتاحة محتويات تتناسب مع هذا السياق أيضاً.

5- من الممكن أن تستخدم هذه التقنية في مواجهة الشائعات بمختلف أنواعها بشكل سريع.

كيف سيغير الذكاء الاصطناعي اتجاهات صناعة المحتوى مستقبلاً؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي

يستمر قطاع صناعة المحتوى بالنمو بشكل متسارع دون وجود أي علامات على إمكانية حدوث تباطؤ لهذا المحتوى مستقبلاً، فوفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي كان من المتوقع أن يصل حجم المحتوى المنتج على شبكة الإنترنت خلال العام الحالي إلى (44 زيتا بايت)، وهذا يعني أن حجم المحتوى المنتج يزيد عن عدد النجوم الموجودة في الكون، ويرجع ذلك إلى سرعة نمو هذا القطاع وانشغال العديد من الشركات والجهات المهتمة بتطوير تقنيات تكنولوجية تستهدف تزويد حجم هذا المحتوى، ومع هذا التزايد فيتوقع وفقاً لنفس الإحصائية أن يزيد حجم هذا القطاع ليصل إلى 217 مليار دولار بحلول 2030، جدير بالذكر أن هذه التقنيات لا يقتصر دورها على إنتاج محتويات كتابية بل تعدى ذلك فأصبح لديها القدرة على إنتاج محتويات بصرية مرئية، ومقاطع موسيقية وغيرها.

إن مستقبل صناعة المحتوى في ظل قيام العديد من الشركات والمراكز البحثية بتطوير تقنيات مساعدة في هذا المجال، خلق نوعاً من التخوف لدى الأفراد من إمكانية استبعادهم في المستقبل، بسبب وجود احتمالية تحول هذه التقنيات من تقنيات مساعدة تعمل على تحسين جودة المحتوى، إلى تقنيات أساسية تقوم بوظائف العمال الحاليين، ومن المتوقع أن تظهر تخصصات علمية تتعلق بدراسة هذه التقنيات والإشراف على ابتكارها والتعامل معها، مثل صحافة الذكاء الاصطناعي، وغيرها.

هل تتوقع أن تدار منصة أراجيك من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في المستقبل؟ وأن يتم الاستغناء عن الكتّاب فيها؟

 

 

0

شاركنا رأيك حول "هل تتوقع أن تُدار أراجيك مستقبلاً من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي ويتلاشى دور الكتّاب؟ تعرّف على تقنيات تأليف وتحرير النصوص"