0

شهد الاقتصاد العالمي خلال هذا العام أحد أسوأ فتراته منذ العقد الماضي، فقد ساهمت جائحة كورونا بالتأثير على جوانب الحياة المختلفة مما أدّى لتراجع الاقتصاد بشكل واضح خلال فترة قصيرة، وفي حين أنّ الكثير من الأسواق شهدت بعض التحسّن بعد شهر مارس، فقد كان التحسّن الأكبر والأكثر إثارة للاهتمام من نصيب سوق العملات الرقمية الذي يشهد أفضل فتراته اليوم.

قد تبدو العملات الرقميّة بالنسبة للبعض عبارة عن ظاهرة عابرة ستزول خلال وقت قصير، وهو ما كان رأي الكثيرين في السنوات الأولى لانتشار عملة بتكوين الرقميّة التي صدرت عام 2009، ولكن اليوم ومع ارتفاع قيمة هذا السوق لأكثر من 500 مليار دولار، باتت تلك العملات جزءاً حقيقياً من الأنظمة المالية العالمية، وفي هذا المقال سنسلّط الضوء على أدائها خلال الوضع الاقتصادي الحالي وما هي العوامل التي ساهمت في رفع أسعارها بهذا الشكل، فتابعوا معنا.

أداء العملات الرقميّة خلال العام الحالي

سعر عملة بتكوين خلال آخر 12 شهر

تعتبر عملة بتكوين هي المسيطرة وصاحبة التأثير الأكبر على سوق العملات الرقميّة منذ إطلاقها وحتى اليوم، حيث تبلغ حصّتها أكثر من %60 على الرغم من تواجد آلاف العملات الأخرى، لذلك سيكون تركيزنا الأكبر عليها بالنظر لكون الكثير من العملات عادةً ما تتبع مسارها عند ارتفاع السعر أو انخفاضه.

حتى منتصف شهر فبراير الماضي كانت سعر بتكوين مستمراً بالارتفاع حيث تجاوز حاجز الـ $10,000 لأول مرة منذ فترة، ولكن مع تزايد إصابات كورونا والقيام بكثير من الإجراءات الوقائيّة المتمثّلة بإغلاق الأسواق وحظر رحلات السفر، بدأ السعر بالانخفاض بشكل واضح ليصل إلى ما دون $4,000 خلال منتصف مارس. بعد أسبوعين فقط من ذلك الانهيار ارتفع سعر العملة بنسبة %50 مع بداية شهر أبريل، واستمرّت على هذا النحو لتتجاوز قيمتها السابقة قبل جائحة كورونا خلال أشهر قليلة.

مع حلول شهر أكتوبر وصل سعر بتكوين إلى حوالي $10,500، ومنذ ذلك الوقت حتى اليوم بدأت العملة بتسجيل أرقام قياسيّة جديدة مع ارتفاع سعرها عدّة آلاف خلال أسابيع قليلة، وفي الأيام الأخيرة اقتربت من تجاوز حاجز الـ $19,000 لأول مرة أيضاً منذ عام 2017، ووصلت قيمتها السوقية لأكثر من 340 مليار دولار لوحدها، وهو ما يساوي قيمة العديد من كبرى الشركات التقنيّة اليوم.

منذ بداية هذا العام حقّقت بتكوين نمواً بنسبة %160 تقريباً، وبالنسبة لبعض العملات الأخرى الشهيرة متل إيثيريوم فقد ارتفعت قيمتها بنسبة %300، وذلك بالإضافة لبعض العملات الأخرى التي شهدت نمواً كبيراً أيضاً، حيث أنّ القيمة السوقية لجميع العملات باستثناء بتكوين تبلغ اليوم حوالي 189 مليار، مما يعني زيادة بنسبة %215 منذ بداية عام 2020.

العوامل التي ساهمت في ارتفاع أسعار العملات الرقمية في ظلّ جائحة كورونا

العملات الرقمية

بشكل عام كان تأثير جائحة كورونا على الأسواق سلبيّاً في العديد من الجوانب، ولكنّه ساهم بنفس الوقت في بعض التغييرات التي جعلت الكثيرين من أفراد وشركات ومؤسسات يعيدون التفكير حول قراراتهم الاستثماريّة فيما يخصّ العملات الرقميّة، وفي القائمة التالية سنتكلّم عن أهمّ العوامل التي زادت من الطلب على تلك العملات على الرغم من ضبابية الوضع الاقتصادي الحالي:

تنامي الاعتماد على العملات الرقميّة كطريقة للدفع

عند بداية عصر العملات الرقميّة لم يكن الغرض الأساسي منها هو الاستثمار، فقد كان يتم التعامل معها كطريقة جديدة لتحويل الأموال بشكل آمن وموثوق بعيداً عن الطرق التقليديّة. مع مرور الوقت وإصدار عملات جديدة للسوق، أصبح هنالك الكثير من الخيارات المتاحة أمام المستخدمين للتحويل باستخدام العملات الرقميّة، حيث أنّها غير مرتبطة بدول معيّنة ولا تفرض نفس الرسوم المرتفعة التي قد يضطّر المستخدم لدفعها عند التعامل مع طرق الدفع الأخرى.

خلال جائحة كورونا ازداد الطلب بشكل واضح على العملات الرقمية لاستخدامها بهذا الغرض، حيث أصبح الكثيرون ملزمين على البقاء ضمن المنزل، وهو ما جعل تلك العملات مغرية أكثر للتحويل، حتى أنّ تطبيقات مثل Cash App الذي يعتبر من أشهر تطبيقات الدفع التي تدعم بتكوين أعلن منذ فترة أنّ حوالي %80 من عائداته للربع الثالث من عام 2020 كانت من العملة لوحدها.

التعافي السريع من تأثير الجائحة على الأسعار

كما ذكرنا في البداية فقد جذبت العملات الرقمية وبالتحديد بتكوين اهتمام الكثيرين بعد تمكّنها من استعادة قيمتها خلال فترة قصيرة بعد منتصف مارس، في حين كانت الكثير من الأسواق الماليّة التي عادةً ما يقصدها المستثمرون تعاني من استعادة مكانتها بعد تلك الفترة، وبذلك بدأ البعض بالتوجّه نحو العملات كإضافة جديدة لمحافظهم الاستثماريّة.

اختيار العملات الرقميّة للتحوّط ضد مخاطر التضخم

خلال جائحة كورونا بدأت الكثير من الحكومات بزيادة إنفاقها لتقديم المساعدات والمعونات بالإضافة لزيادة التركيز بشكل أكبر على القطاع الصحي، والمشكلة في هذه السياسات هو احتمال تزايد معدّل التضخّم وانخفاض قيمة العملة المحليّة، مما قد يجعل بتكوين خياراً أفضل للحفاظ على القيمة مقارنة بالاستثمارات الأخرى كالسندات والإيداعات البنكيّة التي تقدّم فوائد قليلة قد لا تكون كافية في حال زيادة التضخّم.

بالإضافة إلى ذلك فقد ساهم انخفاض معدّلات الفائدة في تغيير قرارات المستثمرين أيضاً، وبعيداً عن تأثير التضخّم فإنّ قرار تخفيض الفوائد على السندات والإيداعات يجبر الناس على البحث عن خيارات أخرى لضمان قيمة أموالهم وتحقيق عائد مادّي مقبول، ومع تراجع سوق الأسهم وتوقّف بعض الشركات عن تقديم توزيعات الأرباح (Dividends) للمستثمرين أصبحت العملات الرقميّة وعلى رأسها بتكوين خياراً مفضّلاً على الرغم من مخاطر التقلّب المستمرّة المرتبطة بها.

تزايد الاهتمام بالعملات الرقميّة من قبل الشركات الكبيرة

لسنوات طويلة بقي استخدام العملات الرقميّة محصوراً ببعض محبّي التقنية والمستثمرين والخبراء في هذا المجال، ولكن خلال الفترة الأخيرة بدأ الاهتمام بهذه العملات يزداد بشكل واضح حتى من قبل الشركات غير التقنيّة، فمنذ أشهر قليلة قامت شركة أمريكية تدعى MicroStrategy بشراء كميّات كبيرة من بتكوين (حوالي 37 ألف بتكوين) بلغت قيمتها في شهر سبتمبر ما يقارب 425 مليون دولار، وبأسعار اليوم أصبحت قيمتها أكثر من 660 مليون.

أشار الرئيس التنفيذي للشركة Michael J. Saylor بأنّ هذا الاستثمار يعكس إيمان الشركة بمستقبل العملة كأصل يستطيع المحافظة على قيمته مع مرور الوقت، وفي تصريحات أخرى أكّد على أنّه لن يقوم بالبيع بل يرغب بالاحتفاظ بتلك العملات كاستراتيجيّة جديدة لإعادة هيكلة خزينة الشركة في ظل حالة عدم اليقين التي يعاني منها الاقتصاد اليوم.

حدث آخر مهم كان إعلان عملاقة الدفع الإلكتروني PayPal عن دعم الدفع من خلال العملات الرقميّة ضمن شبكتها بدايةً من العام القادم، وهو ما أعطى تلك العملات موثوقيّة أكبر وساهم في زيادة الإقبال عليها، حيث شهد سعر بتكوين ارتفاعاً ملحوظاً فور إعلان الشركة عن ذلك، كما قامت شركة Fidelity Investments الرائدة في مجال الخدمات المالية وإدارة الأصول بإطلاق أوّل صندوق استثمار مشترك لعملة بتكوين لتقديم خيارات أوسع لعملائها مع 100 ألف دولار كحدّ أدنى للاستثمار.

هل ستستمر أسعار العملات الرقميّة بالارتفاع؟

العملات الرقمية

بالنظر للفترة الحاليّة قد يبدو للوهلة الأولى أنّ العملات الرقميّة في طريقها لإحداث تغيير فعلي على الأنظمة الماليّة العالميّة، ولكنّ هذا الرأي قد يوافق عليه بعض الخبراء ويختلف معه البعض الآخر، حيث أنّ هذه العملات أصبحت اليوم أكثر إثارة للجدل من أي وقت مضى، وعلى الرغم من أنّ سيناريو الارتفاع الحالي كان قد تكرّر منذ ثلاثة سنوات مع نهاية مأساوية عند انهيار الأسعار بشكل مفاجئ، إلّا أنّ الكثير من الخبراء يرجّحون أنّ السوق اليوم أصبح مدفوعاً بمستثمرين حقيقيّين ومعتمداً على العرض والطلب ولم يعد عبارة عن لعبة بأيدي المضاربين.

في النهاية ليس من السهولة توقّع مستقبل العملات الرقميّة بدقّة، ففي حال نجاح تجارب الحكومات بإصدار بدائل رقميّة عن عملاتهم المحليّة، قد يكون لذلك تأثير سلبي على العملات الحرّة اللامركزيّة المتاحة اليوم مثل بتكوين وإيثيريوم، وبعيداً عن ذلك فإنّ الطريق أمام تلك العملات ما زال طويلاً وهنالك بعض المشاكل والتحدّيات التي يجب تجاوزها أولاً، لذلك يبقى القرار الأكثر حكمة هو عدم المخاطرة والمراهنة على مستقبل أموالك في هذا السوق، ولكن في حال أردت التجربة فإنّ ذلك لم يعد فكرة سيّئة اليوم.

 

0

شاركنا رأيك حول "رغم الركود العالمي: كيف استفادت العملات الرقمية من ضبابية الوضع الاقتصادي الحالي؟"