قريباً سيتحول الإنترنت إلى قائمة من الاشتراكات المدفوعة لأن جمع بياناتك ليس مربحًا بما يكفي!

أحمد صفوت صلاح الدين
أحمد صفوت صلاح الدين

7 د

مع تزايد أعداد الاشتراكات المدفوعة على جميع المنصات المختلفة، لم نستطع أن نمنع أنفسنا من أن نسأل: هل هذا هو مستقبل الإنترنت الذي ننتظره؟

لم يعرف جيل زد الحالي معنى أن يكون هناك إنترنت بدون شبكات وسائل التواصل الاجتماعي. والحقيقة أنه من الصعب على كل الأجيال التي تستخدم الإنترنت ليومنا هذا أن تعيش بدون السوشيال ميديا، فالإنترنت بوجودها شيء، وبدونها شيء آخر تمامًا. فإحقاقًا للحق، وعلى الرغم من كل المساوئ، إلا أن السوشيال ميديا يمكنها أن تغير حياتك للأفضل، وهذا موضوعٌ ليوم آخر.

لحسن حظنا أنه منذ اللحظات الأولى التي تحسسنا فيها طريقنا لتلك المواقع الاجتماعية، ونحن لا ندفع فلسًا واحدًا. نتعلم من وسائل التواصل مجانًا. نتواصل مع من نحب مجانًا، نتعرف على آخر مستجدات كوكبنا مجانًا، نستمتع بوقتنا -ونضيعه أيضًا- مجانًا. كل شيء بالمجان، أو على الأقل من الناحية المادية. أما لسوء الحظ، فيبدو أن كل هذا سيُصبح في خبر كان.


لا شيء بالمجان


"إذا لم تدفع ثمن السلعة، فأنت السلعة"

حقيقةً، لا أعرف المحنّك الذي قال هذه الجملة الصادقة، ولكني أقسم أنني إذا كنت أرتدي قبعةً الآن، لكنت أزحتها عن رأسي احترامًا وتقديرًا له. فصحيحٌ أننا لا ندفع مادةً لأصحاب مواقع التواصل الاجتماعي، وغيرها من المواقع الأخرى، ولكننا ندفع ما هو أثمن من ذلك بالنسبة إليهم. نعم، ما نحن إلا سلعٌ لهذه الخدمات، والتي لا أحتاج أن أقول إن أصحابها لم ينشئوها من أجل سواد أعيننا، وإنما من أجل ما ندفعه.

ذو صلة

نحن ندفع بياناتنا ورغباتنا. ما نحب وما نكره. أين نحن وأين سنكون. كل شيء معروفٌ عنا. فيسبوك يعرف كل شيء، وإنستغرام وتيك توك لا يختلفان كثيرًا. طالما تستخدم تطبيقاتهم، فأنت تعطيهم بياناتك مُرغمًا، وهذه البيانات تساوي كنوزًا بالنسبة للمعلنين، وبالتالي لأصحاب المنصات. البيانات هي التي كادت تزج بمارك زوكربيرج في السجن بعد فضيحة كامبريدج أناليتكا وترجيح كفة ترامب في الانتخابات الأمريكية قبل الأخيرة. الكلُ يتسابق من أجل الحصول على خدماتك أو بياناتك، والتي من أجلها قد تتصارع الدول وتحارب بعضها بشكل بارد -على غرار الحرب الباردة-.


ماذا عن حقنا في حماية بياناتنا

من منا لا يريد حماية بياناته! ولكن كما قلت لك، لا مفر سوى عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وإذا كنت تتحدث عن حماية بياناتك بشكل كلي، فلا مفر إلا بعدم استخدام الإنترنت من الأساس، وإذا كنت لا تصدقني، فأنصحك بالاطلاع على هذا التقرير، وغيره من التقارير التي تفيد بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي، مثل تيك توك، تجمع بياناتك حتى وإن لم تمتلك حسابًا عليها، ولكن بالطبع ليست بنفس درجة امتلاكك لأحد الحسابات.


إما بياناتك أو أموالك عبر الاشتراك المدفوع!

وهنا نأتي لمعقل حديثنا. هناك بعض الشركات مثل جوجل وآبل تهتم بالحفاظ على بيانات مستخدميها -أو على الأقل هذا ما يروجونه لنا-؛ فمع إصدار تحديث iOS 14.5 من آبل والذي قامت فيه بإضافة خاصية تتيح للمستخدم الرفض أو السماح بأن يتم تتبعه على التطبيقات المختلفة، واستعداد جوجل للقيام بالمثل في تحديث أندرويد القادم، وحتى قبل ذلك بكثير وكانت أنظار الشركتين تهتم بتقييد المطورين والصلاحيات التي يملكونها للوصول إلى بيانات المستخدمين.

فأصبح جمع بيانات مستخدمي آيفون أو أندرويد أكثر صعوبة على تطبيقات مثل فيسبوك وتويتر، وبدأت الخسائر تنهال على عمالقة التواصل الاجتماعي، وهنا بدأت أنظار الشركات تتوجه نحو تحويل الخدمات التي تعودنا على مجانيتها إلى أخرى مدفوعة، إما لوجود سبيل آخر لجمع الأموال، أو لزيادة أرباحهم على أي حال.


فيسبوك يزيل شعار "مجاني للأبد"

يبدو أن عدد المستخدمين الذين اختاروا أن لا يتم تتبعهم عبر تحديث iOS 14.5 قد أزعج فيسبوك كثيرًا وهدد أرباحها. خصوصاً مع انضمام جوجل للحفلة بإعطاء المستخدمين خيار التحكم ببياناتهم، وذلك من خلال الرفض أو السماح لكوكيز الطرف الثالث، وبعد وعود مارك زوكربيرج بمجانية فيسبوك إلى الأبد، يبدو أنه قد حان وقت الحنث بهذا الوعد.

وفي حقيقة الأمر، إن الوقت قد حان منذ 2019، وبالتحديد منذ اللحظة التي أزال فيها فيسبوك شعار "إنه مجاني، وسيكون مجانيًا للأبد - It's free and always will be" من صفحة تسجيل الدخول. وقتها خرجت الكثير من الشائعات التي تقول إن الفيسبوك سيصبح مدفوعًا، والآن نحن أقرب إلى هذه الشائعات من أي وقت مضى، هل يعتبر زوكيربيرج أن جمع بياناتنا يجعل خدمته غير مجانية؟ أم أنه يستعد للكشف عن اشتراكات مدفوعة لمنتجاته!

It's free and always will be
It's quick and easy (without free)

ولكن لحسن الحظ أن هناك حكومات تحارب فيسبوك وقراراته الأخيرة، والتي تكشف عن النوايا الشيطانية لأصحابه. منع الاتحاد الأوربي -على سبيل المثال- فيسبوك من جمع بيانات مستخدميه وبيعها إلى شركات الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد احتجاج فيسبوك على هذه القرارات، تحركت دول مثل أيرلندا نحو حظره تمامًا من البلاد.

إذا أصبح فيسبوك مدفوعًا، فأغلب الظن أنه سيصطحب معه إنستغرام، بل وربما واتساب، خصوصًا بعدما سمعنا أن الأخير سيوفر مساحةً إعلانية للمعلنين، وبهذه الحركة، قد تهلك إمبراطورية زوكربيرج بلا رجعة.


تويتر الموقع الأول الذي يتجه نحو الاشتراكات المدفوعة باسم "تويتر بلو"

في بداية عام 2021، تفاجأنا بإعلان تويتر عن أول اشتراك مدفوع في تاريخ المنصة، والذي أطلقت عليه اسم "Twitter Blue"، والذي يقدم لك كل الخصائص التي تمنيت وجودها، كإمكانية التعديل على التغريدات مثلًا، أو حفظ التغريدات وتنظيمها بحيث يسهل عليك الرجوع إليها بسهولة، والمزيد من الخصائص المطلوبة مقابل 5 دولارات شهرياً فقط.

ولعل أهم خاصية في هذا الاشتراك المدفوع هو إزالة الإعلانات تمامًا من المنصة. والتي إذا تحدثنا من ناحية الخصوصية، فمن الممكن القول -مجازياً- إن اشتراك تويتر المدفوع سيحافظ على خصوصيتك عندما ينقذك من الإعلانات التي قد تتطفل عليك للوصول إلى اهتماماتك.


الإشتراكات المدفوعة: تويتر بلو

والسؤال هنا: لماذا يُقدم تويتر على الاشتراكات المدفوعة؟

الجواب يكمن في العوائد السنوية التي يجنيها موقع التواصل الاجتماعي الشهير، فبعد ارتفاع العوائد بنسبة 25% في عام 2017-2018، انخفضت النسبة في العام اللاحق 2019-2020 إلى 13% ثم إلى 9%، ولهذا يرى المسؤولون أن الوقت قد حان لتغيير الاستراتيجية أو نموذج العمل التجاري الخاص بتويتر، والبحث عن أفكار جديدة لجني الأموال منها.


كذلك أعلن تيلجرام عن اشتراكه المدفوع "تليجرام بريميم"

تيلجرام، النسخة التي اعتدنا أن تكون الأفضل من واتساب، بخصائص متعددة جدًا وإمكانيات بدأ بديله الأخضر في اقتباسها في الفترة الأخيرة. أعلن كذلك عن اشتراك مدفوع والتي يتراوح سعرها من 4 إلى 6 دولارات شهريًا حسب موقعك، والتي -للغرابة الشديدة- لا تتضمن فترة تجريبية مجانية. وأما عن مميزاتها، فهي ضعف المميزات العادية، بشكل حرفي؛ فمشتركو الخدمة سيتمكنون من تحميل ومشاركة حتى 4 جيجابايت من البيانات (بمختلف أنواعها) بدلًا من 2 جيجابايت، وسيستغل الاشتراك المدفوع أفضل سرعة للإنترنت لديك لتحميل الملفات في أسرع وقت ممكن.

وبدلًا من الـ 500 قناة التي كان بإمكانك متابعتها، ستتمكن -كمشترك في خدمة بريميم- أن تتابع 1000 قناة، وتُنشئ 20 مجلدًا للدردشات بواقع يصل إلى 200 دردشة داخل المجلد الواحد، وغيرها الكثير من المميزات الأخرى التي لا نعتقد أنك قد تحتاج إليها.

كذلك ستتمكن من تحويل الرسائل الصوتية إلى رسائل نصية، ولحسن الحظ، فهذه الخاصية ستدعم اللغة العربية. هناك أيضاً أدوات جديدة لتنظيم المحادثات، وعشرات المُلصقات الحصرية، ومئات الصور المتحركة أو GIFs، ولكن ما ذكرناه بالأعلى كان الأبرز والأكثر عملية.


الإشتراكات المدفوعة: تليجرام بريميم

وفي الحقيقة، نحن لا نعترض على فكرة إضافة الاشتراكات المدفوعة ضمن تليجرام، حيث لسنين طويلة لم يكن للشركة المصنعة أي مصدر ربح من تطبيقهم المحبوب، فلا وجود لأي نوع من الإعلانات ولا تنوي الشركة إضافة أي منها حتى الآن، ومازلت الشركة تعد بالحفاظ على خصوصيتك في محادثات ومكالمات مشفرة لا يمكن حتى للحكومات الاطلاع عليها. ولذلك فلا نمانع من وجود اشتراك شهري بسيط.


سناب شات يعود من الموت باشتراك مدفوع

لاحظنا جميعًا كيف عانى سناب شات بشدة بعد سرقة جميع خصائصه من الشركات المنافسة، فاستمر عدد المستخدمين في الانخفاض؛ بل وتحدثنا حتى عن أسبابنا التي جعلتنا نتوقف بدورنا عن استخدامه. وفي الحقيقة، فقد استطاع سناب شات فعليًا أن يعود من الموت مرة أخرى، بفضل عدد من الخطوات الذكية التي شجعت على إعادة استخدامه، وأبرزها كانت إضافة اشتراك مدفوع للمنصة أطلقت عليه اسم "سناب شات بلس".

فعبر 4 دولارات شهرياً، ستتمكن من الحصول على عدد من المميزات البارزة، والتي يمكننا تلخيصها في 3 نقاط رئيسية مثل حصول المُشترك على شارة خاصة Badge تميزه عن المستخدمين العاديين، وإمكانية معرفة الأشخاص الذين أعادوا رؤية الـ Stories أو القصص، وكذلك إمكانية تحديد موقع صديقك في آخر 24 ساعة.

خدمة Snapchat plus متوفرة في العديد من البلدان الآن مثل السعودية، والإمارات، وكندا، وأمريكا، وفرنسا، وألمانيا، وأستراليا، وبريطانيا، وقريبًا ستتوافر في جميع الدول. 


الإشتراكات المدفوعة: سناب شات بلس

الخلاصة

من الجليّ أن مواقع التواصل الاجتماعي تتجه بشكل مباشر نحو الاشتراكات المدفوعة من أجل زيادة أرباحها فقط وإيهامنا بأنها تضيف مميزات جديدة، على الرُغم من أنها مميزات ضرورية يُفترض وجودها دون أن ندفع فلسًا واحدًا. البعض يعترف بذلك بشكل مباشر مثل سناب شات، والبعض الآخر مثل تليجرام يقول لك إنها من أجل تحسين تجربة المستخدم وإضافة مميزات جديدة. ومن يدري، ربما يستغل أصحاب تلك المواقع إدماننا المُلحّ لها، وعدم استطاعتنا العيش دونها في المستقبل ويجعلونها مدفوعة بشكل كامل، وهذا ما قد لا تُحمد عُقباه، فتخيل معي أن تكون مستخدمًا لجميع تلك التطبيقات، فبجانب فواتير الماء والكهرباء، سيكون هناك فاتورة لكل موقع منفصل!

عبَّر عن رأيك

إحرص أن يكون تعليقك موضوعيّاً ومفيداً، حافظ على سُمعتكَ الرقميَّة واحترم الكاتب والأعضاء والقُرّاء.

ذو صلة