0

حوّل الإنترنت طريقة تواصل واتصال أكثر من ملياري شخص حول العالم، وسيستمر في تغيير اقتصادنا وبنيتنا التحتية وحياتنا الاجتماعية مع تطور الحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والأجهزة الذكية بطريقةٍ لا يمكننا تخيّلها بعد.

لا نتحدث في أغلب الأحيان كيف تعمل الشبكة وراء تلك التكنولوجيا كما لا يهتمّ معظمنا بمعرفة مصدر الطاقة الكهربائيةِ طالما تعمل أضواءنا في المنازل، لكن ومع تحوّل الإنترنت إلى بنية تحتية أكثر انتشارًا وحرجًا إن أردنا المحافظةَ على دور الإنترنت كوسيلةٍ للتمكين الاجتماعي والنمو الاقتصادي، وجب علينا فهم التحدّيات والفُرص التي تواجه شبكة الإنترنت اليوم وذلك يعني معرفة سبب عمل الإنترنت وآلية عمله ولم يتوجب علينا عدم التدخّل في خصائصه ومبادئه الأساسية التي تدعى “ثوابت الإنترنت” وهي الخصائص التي لا تتغير حتى لو تغيّر الإنترنت نفسه.

تُساهم هذه المبادئ المعمارية الثابتة والقواعد البنيوية في تطور الإنترنت دون أي عوائق.

مقدمة

يعود السبب في ثقتنا العمياء في الإنترنت إلى كونه أداة يومية أو روتينية إن صح القول، فنحن على سبيل المثال نثق غريزيًا بوصول البريد الإلكتروني الذي نُرسله إلى وجهته المقصودة، ونفترض مُسبقًا أننا سنحصل على نتيجتنا المرجوّة عندما نكتب اسم نطاقٍ في خانة البحث في المتصفح، يمكننا الاعتماد على تلك الافتراضات لأن ثوابت الإنترنت تضمن لنا وصول البيانات عند إرسالها، وإيجاد محتوى معين عند البحث عنه.

جميعنا يعلم أن الإنترنت لم يكن البداية إنما أتى بعد تطوير مجموعة متنوعة من البروتوكولات وهيكليات الشبكات في سبعينيات القرن الماضي، لكن لم يصبح أيٌّ من هذه البروتوكولات المحرّك الأساسي للتطور الاقتصادي والاجتماعي كما فعل الإنترنت.

فشلت هيكلية شبكات أنظمة IBM على سبيل المثال في الانتشار كونها قادرة على الربط بين الأجهزة التي تصنعها IBM فقط بينما انتشر النظام التقني TCP/IP وبقي في أساسات الإنترنت بسبب طبيعته اللامركزية وقيمه الضمنية كالاتصال البيني والمرونة والطواعية والانتشار العالمي.

الإنترنت هو عبارة عن شبكة عالمية من الشبكات المبنية على معايير مفتوحة

ولا يمكننا فهم هذه الشبكة بشكل جيد إلّا بالنظر إلى هذه المعايير ككيان واحد وحينها يمكننا فهم دور الإنترنت في تعزيز الابتكارات والفرص اللامحدودة والآثار المترتبة على بعض القرارات.

تنطوي مهمة البنية التحتية لنواة الاتصال بالإنترنت على تمرير الرزم من عقدة إلى أخرى، ولا تضمن الشبكات عدم خسارة تلك الرزم ممّا يحافظ ذلك على بساطة نواة البنية التحتية ويجعلها أكثر صلابةً وطواعيةً وقابليةً للتوسع.

بينما تتوزّع الاتصالات الضرورية ضمن الشبكة أو على أطرافها  لضمان تبادل المعلومات بين التطبيقات وفقًا لمتطلباتها مثل الموثوقية والتسليم، وبسبب ذلك يكون الابتكار لا مركزيًّا، وتُتاح فرص ابتكار تطبيقات جديدة لجميع المستخدمين حول العالم ونتيجةً لذلك تصل المزيد من التطبيقات الجديدة إلى السوق التقنية يومًا بعد يوم وتتنافس مع التطبيقات الأقدم بحرية فلا وجود لمسيطر واحد على سوق الإنترنت حيث يمكننا تحدي الوضع الراهن بسبب تدفّق البيانات الموحّد والعادل.

الاعتبارات الرئيسية

تساعد ثوابت الإنترنت على إجراء تقييم نقدي حول كيفية تأثير التغييرات في جوهر شبكة الإنترنت على استخدام هذه الشبكة وأدائها وسلامتها دون الحاجة للخوَض في أعماق طريقةِ عمل كلّ من تلك التقنيات على حدى.

ثوابت الإنترنت الأساسية

  • السلامة والانتشار العالمي: يمكن لأي نقطة نهاية في شبكة الإنترنت مخاطبةُ أي نقطة نهاية أخرى، بحيث تكون المعلومات المُستقبلة مطابقة للمعلومات المرسلة أينما كانت المنطقة التي يتصل فيها المستقبل بالإنترنت وأينما كان في العالم، وهذا ما يتطلب خدمات تسمية وإدارة عناوين عالمية.
  • الأغراض العامة: لم يُبنى الإنترنت لخدمة غرض واحد فقط، بل هو قادر على دعم عدد كبير من المتطلبات، وبينما تكون الشبكات داخله مخصصة لنمط اتصالٍ معيّن أو مستخدمين محتملين، لا يضع الإنترنت حدودًا موروثةً على التطبيقات والخدمات، والأهم من ذلك لا يضع قيودًا على المستقبل، فقد تأتي تطبيقات وخدمات من الصعب تخيّلها اليوم لتغيّر عالمنا وتتحدى توقعاتنا في أي وقتٍ كان.
  • الابتكار دون الحاجةِ إلى إذن: لا يقتصر مفهوم استخدام الإنترنت على الاتصال بالخدمات الموجودةِ فقط، بل يتضمّن أيضًا القدرة على بناء أجزاء جديدة، حيث يمكن لأي شخصٍ أو مؤسسة إنشاء خدمة جديدة تلتزم بالمقاييس الموجودة والممارسات الأفضل وإتاحتها لباقي الإنترنت دون طلب إذن لذلك. لنأخذ الشبكة العالمية Word Wide Web الذي أنشأها السير تيم بيرنر لي Sir Tim Berners-Lee في سويسرا كمثال على ذلك، حيث جعل برنامجه متاحًا للآخرين.
  • سهولة الوصول: يمكن لأي شخص الوصول إلى الإنترنت إما لاستهلاك المحتوى أو المساهمة به، إما لتثبيت مُخدّم أو وصل شبكة بمخدّم آخر.

يتطلّب الإنترنت بالإضافة إلى ما ذكرناه سابقًا الاتفاقيات وأنماط السلوك الاجتماعي الأساسية التالية:

  • التوافقية والاتفاق المتبادل: المفتاح الأساسي لتفعيل الربط الداخلي والتشبيك بين الشبكات المختلفة هو تحديد سياق التداخل من خلال معايير مفتوحة للتقنيات والاتفاقيات المتبادلة بين المشغلين والأجزاء المستقلة في الإنترنت.
  • التشاركية: روح التعاون شيءٌ أساسي وهام، حيث تنشأ الحلول الأفضل للمشاكل الجديدة من التعاون الطوعي بين أصحاب المصلحة، وتبيّن التجربة أنه وبالرغم من إمكانية وجود عدة وجهات نظر للحل الأفضل، إلا أنه كلما ازدادت المشاكل تعقيدًا وصعوبة ازدادت أهمية مشاركة أصحاب المصالح الذين ينتمون إلى خلفيات مختلفة في الحل، وهذا ما يسمى عادةً تعددية أصحاب المصلحة multistakeholderism.

بالرغم من عدم وجود تقنيةٍ معينةٍ تُحدد الإنترنت، إلا أن الخصائص الأولية التالية تصف التقنيات التي تنجح في ذلك:

  • الوحدات التقنية الأساسية القابلة لإعادة الاستخدام. بُنيت العديد من التقنيات ونُشرت على الإنترنت لغرضٍ واحد فقط، ألا وهو استخدامها لاحقًا لدعم وظائف أخرى والعكس بالعكس، فالقيود التشغيلية على وظائف التقنيات يمكنها التأثير على قابلية بقائها كوحدة بناء أساسية للحلول المستقبلية.
  • لا وجود للرغبات الثابتة: بينما ازدهرت بعض التقنيات والشركات والمناطق، فقد اعتمد نجاحها المستمر على الملاءمة والفائدة لا على الوضع المفضل والرغبات.

كانت AltraVista على سبيل المثال خدمةَ بحثٍ بارزةٍ في التسعينيات من القرن الماضي ولكنّها ذهبت أدراج الرياح منذ زمن طويل، فالأفكار الجيدة دائمًا ما تتغلب عليها أفكارٌ أفضل، والتمسك بتقنية معينة لأنها مفضّلة بالنسبة للمستخدمين أو إلغاء المنافسة بين المشغلين هي كالوقوف في وجه التطوّر الطبيعي للإنترنت.

التحديات

تسير ثوابت الإنترنت جنبًا إلى جنب مع صناعة سياسات سليمة فإن أردنا خدماتٍ جديدةٍ ترضي توقّعاتنا، يجب أن تتوفر إمكانية الوصول إلى شبكةٍ موثوقة تمامًا بغض النظر عن الجهاز الذي نستخدمه ونظام التشغيل الذي نستخدمه ونحقّق ذلك في الحالة المثالية من خلال التعاون والخدمات القابلة للتشغيل البيني والمعتمدة على الوحدات التقنية الأساسية القابلة لإعادة الاستخدام.

هل كنت تفكّر باستخدام الخدمات المصرفية عبر الإنترنت لولا وثوقك من إتمام عمليات التحويل بنجاح؟ أو لو اقتصرت مشاهدة الصور التي تتم مشاركتها على نوعٍ محددٍ من الأجهزة الذكية؟ لقد بُنيَ الانترنت على الثقة بالدرجة الأولى، والتحدي الآن هو دعم هذه الثقة التي عزّزتها ثوابت الإنترنت مع ظهور تقنياتٍ وأصحاب مصالح جدد ومشكلات جديدةٍ.

تكمن الإجابة في الروح التشاركية لدى العديد من أصحاب المصالح الذي يعملون على الحفاظ على القيم الأساسية للإنترنت، ويدرك المشاركين في هذه العملية أن أي تدهور في ثوابت الإنترنت يمكن أن يؤثّر على الاقتصاد ككل وحقوق الإنسان وحتى الأمن العالمي.

أتاح هذا النوع من البنيةِ المستقرة كلًا من التواصل الشخصي غير المقيّد وتبادل المعرفة عبر البوابات التشاركية مثل ويكيبيديا، ومع ذلك فمن المحتمل أن يتغيّر الإنترنت مع ظهور تحدياتٍ جديدة، على سبيل المثال قد تظهر تأثيرات أمنية نحن بغنى عنها إن كان مفهوم التشفير مهدّدًا بالزوال أو ربما بسبب بناء أبواب خلفية في تقنية الإنترنت.

تجعل الثوابت من الإنترنت الذي نستخدمه يوميًا شيئًا يمكننا الوثوق به، فهي تساعدنا على التماس آثار التغيير التي تطرأ على الإنترنت دون الحاجة إلى الخوض في التفاصيل التقنية المعقدة التي تقوده، من خلال هذا الوعي يُمكن لواضعي السياسات اتخاذ قرارات مناسبة بشأن المشكلات الملموسة دون تضييق الخناق على الابتكار عبر الحلول التقنية الجديدة المكلفة وصعبة التطبيق.

في نهاية المطاف كل تدخّل تقني له جوانب إيجابية وأخرى سلبية، فقد يساعد تغيير بسيط في جوهر الإنترنت دولة ما على حماية الأمن القومي الخاص بها، ومساعدة دولةٍ أخرى على تقييد حقوق مواطنيها.

المبادئ التوجيهية

لضمان استمرار تأثير الإنترنت الإيجابي على التنمية الاجتماعية ودعم الاقتصاد العالمي، يجب دعم وحماية ثوابت الإنترنت حتى لو ظهرت تحدياتٌ وتهديداتٌ واختراعاتٌ جديدة، يمكننا القول إن دور الإنترنت في حياتنا اليومية سوف يزداد أهمية وستزداد قيمته بالنسبة للحكومات والشركات ومجموعات المجتمع المدني. ونظرًا لأن أصحاب المصلحة يفرضون المزيد من المتطلّبات والقيود للوصول إلى الإنترنت واستخدامه، فمن الضروري التمييز بين تلك الجوانب التي تحتاج إلى الحماية، وتلك التي يمكننا تخطّيها ببساطة.

الخاتمة

في حين أن الإنترنت يتكون من شبكاتٍ مستقلّة غير متجانسة، فإن ثوابت الإنترنت هي التي تجمع كل شيء معًا، وتُشكلٍ جزءًا لا يمكن فصله عن حاضر الإنترنت ومستقبله، هناك قيمة كبيرة للبنية الحالية للإنترنت فقد وصلنا إلى شبكة واحدة وعالمية وقابلة للتشغيل البيني للشبكات التي طوّرت بدورها الاتصالات المفتوحة وعزّزت الابتكارات العالمية.

من المستحيل التنبؤ بما سيؤول إليه شكل الإنترنت في عام 2020 أو 2030 أو 2040 ومع ذلك يمكننا التوقع أنه إن لم نحمِ شروط الإنترنت وخصائصه الثابتة لن نرَ ذلك الابتكار الذي اعتدنا رؤيته، أي بعبارة أخرى إن لم نحترم هذه الخصائص والثوابت ستكون النتيجة ابتكارات أقل واتصالات أقل ومشاركة أقل للمعلومات، لن يكون هناك الإنترنت الذي نعرفه اليوم.

مصادر إضافية

نشرت جمعية مجتمع الإنترنت مجموعة من الأوراق والمعلومات المتعلّقة بهذه القضية ويمكنكم الوصول إلى هذه المعلومات مجانًا على الموقع الرسمي لجميعة مجتمع الإنترنت.

Internet Invariants: What really matters

“On the Nature of the Internet”

 

 

 

0

شاركنا رأيك حول "الجميع يثق بالإنترنت… ولكن ما هي ثوابت الإنترنت ومبادئه الأساسية التي جعلت شبكة الإنترنت موثوقة إلى هذا الحد؟"