0

لطالما كانت أجهزة الكمبيوتر الكمومية محط أنظارٍ وتطلّعات، نظراً لأنها قد تحمل كافة الحلول للتحدّيات العلمية التي نواجهها كبشر، والتي تعجز أجهزة الكومبيوتر التقليدية عن القيام بها، فهل يمكننا القول أنّ الحوسبة الكمومية هي الصيحة القادمة حقاً التي ستنقل الحياة إلى مكانٍ آخر؟ كما فعل الإنترنت مسبقاً.

عن الحوسبة الكمومية

عن الحوسبة الكمومية

تستغل أجهزة الكمبيوتر الكمومية كلّاً من التراكب والتشابك للقيام بأشياء لا تستطيع أجهزة الكمبيوتر العادية القيام بها، إذ يمكن أن تكون وحدة المعلومات الأساسية لجهاز كمبيوتر تقليدي، في إحدى الحالتين، وتمثل واحداً أو صفراً، لكن على النقيض من ذلك، فإن أجهزة الكمبيوتر الكمومية تتعامل مع الـ«كيوبِتات» المقابل الكمومي للبِتات التقليدية، والتي يتم إنشاؤها من جزيئات متراكبة تجسد حالاتٍ عديدة في وقت واحد.

لعقودٍ من الزمان، كانت الحوسبة الكمومية أكثر قليلاً من مجرد فرضية، أو فضول المختبر، حيث كافح الباحثون مع التعقيدات التقنية للحفاظ على التراكب والتشابك لفترة كافية لإجراء حسابات مفيدة، (إذ أنه بمجرد أن تنظر إلى الإلكترون، فإن تراكبه يتلاشى)، الآن استثمر عمالقة التكنولوجيا مثل «IBM» و «Amazon» و «Google» و «Microsoft» في الحوسبة الكمومية، كما فعلت العديد من الشركات الأصغر، ليبلغ مجموع تلك الشركات تحديداً 193 شركة، وفي مارس/آذار المنصرم، أعلنت شركة «IonQ» الناشئة عن صفقة بقيمة 2 مليار دولار من شأنها أن تجعلها أول علامة يتم تداولها علناً ومخصّصة لأجهزة الكمبيوتر الكمومية.

ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن «IonQ» تخطّط لإنتاج جهاز بحجم وحدة تحكم ألعاب الفيديو «XBOX» تقريباً بحلول عام 2023، وبحسب المجلة فإنّ الحوسبة الكمّية يمكن أن “تسرع العمليات الحسابية المتعلّقة بالتمويل واكتشاف الأدوية والمواد والذكاء الاصطناعي وغيرها، و كسر العديد من الدفاعات المستخدمة لتأمين الإنترنت”. ووفقاً لموقع «Business Insider»، يمكن للآلات الكمومية أن تساعدنا في “علاج السرطان، بل واتخاذ خطوات لعكس تغير المناخ”.

اقرأ أيضًا: أخطاء وعثرات المطورين قد تؤدّي إلى هروب الزوار بعيدًا.. 10 أخطاء يقع بها المطورون عند تصميم موقع إلكتروني جديد

تفاؤل فظ

التفاؤل بالحوسبة الكمية

هذا هو نوع الضجيج والأمل اليذان يدفعان «سكوت آرونسون» العالم الأمريكي وأحد أبرز العقول المختصة بالحوسبة الكمومية، إذ أصبح عالم كمبيوتر فقط لأنه يؤمن بإمكانيات الحوسبة الكمية ويريد المساعدة في تطويرها، إنه يحب أن يرى شخصاً ما يبني آلة تثبت خطأ المشككين بها والرافضين لها، لكنه يشعر بالقلق من أن الباحثين يقدّمون وعوداً لا يمكنهم الوفاء بها، وفي الشهر الماضي، أعرب آرونسون عن قلقه على مدونته من أن الضجيج الذي كان يقاومه منذ سنوات قد أصبح فظيعاً بشكلٍ خاص مؤخراً.

كتب آرونسون، “إن الجديد هو أن ملايين الدولارات متاحة الآن على الأرجح لباحثي الحوسبة الكمومية، جنباً إلى جنب مع الأسهم وخيارات الأسهم وأي شيء آخر يسبب الأصداء، وفي كثير من الحالات، للحصول على مثل هذه الثروات، كل ما يحتاجه الخبير هو أن يعلن التفاؤل بأن الحوسبة الكمومية سيكون لها تطبيقات ثورية ستغير العالم، وسنحصل عليها قريباً”.

يقول عشاق الحوسبة الكمومية أن هذه التقنية ستدفع التعلّم الآلي إلى أقصى إمكانياته، وستحدث ثورةً في محاكاة الظواهر المعقدة في الكيمياء وعلم الأعصاب والطب والاقتصاد وغيرها من المجالات، وسوف تحل مشكلة البائع المتجوّل وغيرها من الألغاز التي يعجز حلّها بواسطة أجهزة الكمبيوتر التقليدية، لكن لا زال من غير الواضح ما إذا كانت الحوسبة الكمومية ستحقّق كل هذه الأهداف، كما أن المتفائلين قد يكونون في حالة تفاؤل فظ.

غالباً ما تشير الحسابات الشائعة إلى أن أجهزة الكمبيوتر الكمومية نظراً لأن التراكب والتشابك يسمحان لها بإجراء عمليات حسابية متعددة في نفس الوقت، فهي ببساطة إصدارات أسرع من أجهزة الكمبيوتر التقليدية، لكن هذه رواياتٌ مضلّلة فبالمقارنة مع أجهزة الكمبيوتر التقليدية، فإن أجهزة الكمبيوتر الكمومية هي أجهزة “غير طبيعية” قد تكون الأنسب لنطاق ضيق نسبياً من التطبيقات، لا سيما أنظمة المحاكاة التي تهيمن عليها التأثيرات الكمومية.

تُعرف قدرة الكمبيوتر الكمومي على تجاوز أسرع آلة تقليدية باسم «التفوّق الكمي» وهي عبارة صاغها الفيزيائي جون بريسكيل في عام 2012، إن إثبات التفوق الكمي أمرٌ صعبٌ للغاية، حتى في الحوسبة التقليدية، فإن إثبات أن خوارزمياتك تتفوق على خوارزمياتي ليس أمراً سهلاً، إذ يجب عليك اختيار مهمة تمثّل اختباراً عادلاً واختيار طرقاً صحيحة لقياس السرعة والدقة، كما أن نتائج الاختبارات عرضة أيضاً لسوء التفسير والتحيّز التأكيدي، فالاختبار يخلق مساحةً هائلةً للتضليل.

علاوةً على ذلك، فإن أجهزة وبرامج أجهزة الكمبيوتر التقليدية تتحسّن باستمرار، وبحلول الوقت الذي تصبح فيه أجهزة الكمبيوتر الكمومية جاهزةً للسوق، قد تفقد عملاءها المحتملين، على سبيل المثال، إذا أصبحت أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية قويةً بما يكفي لمحاكاة الأنظمة الكمية التي يهتم بها الكيميائيون وعلماء المواد في الحياة الواقعية، فعلى الرغم حينها من أن أجهزة الكمبيوتر الكمومية ستحتفظ بميّزتها النظرية، فإن تأثيرها العملي سيكون أقل.

اقرأ أيضًا: أنقذت حياة البشر في بعض الأحيان… قصص وحكايات حول تقنيات ساهمت في إنقاذ حياة المستخدمين

بين ترويض الإثارة ودفع التفاؤل

نظراً لأن الحوسبة الكمومية تجذب المزيد من الاهتمام والتمويل، فقد يضلّل الباحثون المستثمرين والوكالات الحكومية والصحفيين والجمهور، والأسوأ من ذلك كله، أنفسهم بشأن إمكانات عملهم، إذا لم يتمكّن الباحثون من الوفاء بوعودهم، فإن الإثارة قد تفسح المجال للشك وخيبة الأمل والغضب، وقد يفقد هذا المجال التمويل والموهبة وينتقل إلى “شتاء” الكمبيوتر الكمي، تماماً كما حدث مع الذكاء الاصطناعي، إذ شهد المجال العديد من دورات الإثارة، تلاها خيبات الأمل والنقد، تلاها تخفيضات في التمويل، ومن ثم اهتمام متجدّد بعد سنواتٍ أو عقود.

الكثير من التقنيات الأخرى تتبادر إلى الذهن مثل الهندسة الوراثية أو الموصلات الفائقة ذات درجات الحرارة العالية وغيرها مرّت بمراحل الوفرة غير المنطقية، لكن شيئاً ما عن الحوسبة الكمومية يجعلها عرضةً بشكلٍ خاص للإثارة، ربما لأن «الكم» يرمز إلى شيءٍ رائع لا يجب أن تكون قادراً على فهمه، وهذا يأخذنا إلى كتاب «تيري رودولف» عالم فيزياء الكم الإنجليزي «Q Is for Quantum»، إذ يشرح الكتاب المؤلف من 153 صفحة ميكانيكا الكم بقليل من الحساب والجبر والكثير من المخطّطات لكرات بيضاء وسوداء تدخل وتخرج من الصناديق، وهو ما قد يعطي نظرةً ثاقبة لميكانيكا الكم والحوسبة الكمومية أكثر من أي شيء آخر.

يبدأ رودولف بتحديد القواعد البسيطة التي تقوم عليها الحوسبة التقليدية، والتي تسمح بمعالجة البِتات، ثم ينتقل إلى القواعد الفردية للحوسبة الكمومية، والتي تنبع من التراكب والتشابك، إذ يشرح بالتفصيل كيف يمكن للحوسبة الكمومية أن تحل مشكلةً معينة بسهولة أكبر من الحوسبة التقليدية، لكنه يؤكد أن هذه التكنولوجيا لها حدود، إذ يقول: “لا يمكن حساب ما هو غير قابل للحساب”.

وسط كل هذا، يوجد اسم «PsiQuantum»، وهي شركة شارك رودولف في تأسيسها في عام 2016، والتي تجنبت الدعاية حتى وقتٍ قريب، فعلى الرغم من أن رودولف أيضاً يحمل ذات النظرة والمخاوف بشأن الإثارة والضجيج حول الحوسبة الكمومية، إلا أنه يروّج للشركة ويشجع على منتجها، وبحسب قوله، فإن هذه المخاوف لا تنطبق عليها.

يقول إن الشركة أقرب من أي شركة أخرى لبناء كمبيوتر كمّي “مفيد”، كمبيوتر يحل مشكلةً مؤثرةً لم نكن نتمكن من حلها بخلاف ذلك (على سبيل المثال، شيء من كيمياء الكم التي لها استخدامات في العالم الحقيقي)، ويؤكد رودولف وخبراء آخرون أن الكمبيوتر الكمومي “المفيد” ذو التصحيح القوي للأخطاء سيتطلب ملايين الكيوبِتات. ويقول رودولف، إن «PsiQuantum» التي تبني الكيوبِتات من الضوء، تتوقع بحلول منتصف العقد أن تبني حواسيب كمومية متكاملة قادرة على التوسع إلى مليون كيوبِت أو أكثر، دخلت «PsiQuantum» في شراكة مع شركة «GlobalFoundries»؛ المصنّعة لأشباه الموصلات لتحقيق هدفها، ستكون تلك الآلات بحجم الغرفة، ويمكن مقارنتها بأجهزة الكمبيوتر العملاقة أو مراكز البيانات، كما سيصل معظم المستخدمين إلى أجهزة الكمبيوتر تلك عن بُعد.

هل يمكن أن تقود «PsiQuantum» حقاً كل المنافسة كما يدعي رودولف؟ هل يمكنها حقاً إنتاج آلة قابلة للتطبيق تجارياً بحلول عام 2025؟ لا نستطيع الجزم، لا تزال ميكانيكا الكم والحوسبة الكمومية محيّرة، وبالتأكيد لن تكون نصيحة الاستثمار في أجهزة الكمبيوتر الكمومية أفضل نصيحةٍ تقدمها لصديق، قد جذبت الحوسبة الكمومية انتباه الباحثين منذ نشاتها عام 1941، فإذا أعطت هذه التكنولوجيا العلماء أدوات أكثر قوة لمحاكاة الظواهر المعقدة، وخاصةً الغرابة الكمية في قلب الأشياء، فربما تعطي العلم دفعة البداية التي يحتاجها بشدة، ومن يعرف؟ ربما تساعد «PsiQuantum» الحوسبة الكمية في الارتقاء إلى مستوى الضجيج حولها.

اقرأ أيضًا: ماذا يحدث في حال وجود احتجاجات حقيقية.. هل تستمع الشركات التقنية الكبرى لأصوات موظّفيها؟

0

شاركنا رأيك حول "الحوسبة الكمومية وأحلام السفر إلى الفضاء وغيرها الكثير.. هل ستحقّق الحوسبة الكمومية هذه الأحلام والآمال؟"