ما هو سبب العداء بين شركتي أبل وفيسبوك؟
0

من الشائع أن نسمع عن منافسة وخلاف بين شركاتٍ تعمل في نفس المجال، مثل التنافس بين شركتي بوينغ وإيرباص لصناعة الطائرات، أو بين بيبسي وكوكا كولا، هذا النوع من التنافس طبيعي ويحدث بسبب الرغبة في الاستحواذ على أكبر حصة من السوق، لكن هناك حالة مثيرة للاستغراب، وهي العداء الشديد بين شركتي آبل وفيسبوك الأمريكيتين، فكل شركة تعمل في مجال مختلف عن الأخرى، ولا يوجد أي شيء مشترك سوى أن كلتيهما شركتان عملاقتان تعملان في مجال التكنولوجيا.

معظم العائدات التي تجنيها شركة أبل تأتي من بيع الأجهزة ومتاجر التطبيقات وبيع الخدمات والاشتراكات، في حين تجني شركة فيسبوك معظم أرباحها من الإعلانات. هذا يعني أن الشركتين ليستا في حالة تنافس، لكن ومنذ سنوات، توجد حالة عداء شديد بينهما.

من أين بدأ الخلاف بين أبل وفيس بوك؟ وما سببه؟ وما الذي سيتغير بالنسبة لكلتا الشركتين؟ دعونا نلقي نظرة شاملة.

أصل الخلاف بين أبل وفيس بوك

الخلاف بين أبل وفيس بوك

في شهر أكتوبر 2018، شارك الرئيس التنفيذي لشركة أبل تيم كوك بمؤتمر الخصوصية في العاصمة البلجيكية بروكسل. ألقى كوك خطابًا حماسيًا انتقد فيه شركات التكنولوجيا الكبيرة وجمعها بيانات المستخدمين، ودعا كوك إلى الحد من قدرة هذه الشركات على جمع البيانات، وقال إن المعلومات الخاصة واليومية تستخدم الآن بشكلٍ لا يؤثر فقط على الأفراد، بل على المجتمعات أيضًا.

على الرغم من أن كوك لم يذكر شركة فيسبوك بالاسم، لكن من المؤكد أن فيسبوك هي إحدى الشركات التي قصدها. فالجميع يعلم أن فيسبوك تحولت إلى شركة عملاقة وربحت مئات مليارات الدولارات من خلال جمع بيانات المستخدمين واستهدافهم بإعلانات مخصصة. وبحسب تقارير الأرباح التي تصدرها فيسبوك كل ثلاثة أشهر، تشكّل الإعلانات المصدر الرئيسي لأرباح الشركة.

لم تكن تلك المرة الأولى التي ينتقد فيها كوك شركات التكنولوجيا الأخرى، ففي سبتمبر 2014، قال كوك:

“عندما تكون الخدمة التي تستخدمها على الإنترنت مجانية، فأنت لست العميل. أنت السلعة”.

وأيضًا، لم يذكر كوك في حديثه هذا شركة فيسبوك بالاسم، لكن مارك زوكربيرغ رئيس فيسبوك أخذها على محمل شخصي.

جاءت تعليقات كوك تلك بعد فترة قصيرة من خرقٍ أمني تعرضت له خدمة أي كلاود التي تقدمها أبل، مما تسبب في تسريب صور حميمية وعارية للعديد من المشاهير. بعد هذا الخرق، أصبح كوك يستخدم موضوع الخصوصية كطريقة للتمييز بين شركة أبل وكل شركات التكنولوجيا الأخرى، فأبل هي شركة التكنولوجيا العملاقة الوحيدة التي لا تعتمد على جمع بيانات مستخدميها والاستفادة منها مالياً، في حين تعتمد الشركات الأخرى مثل فيسبوك وغوغل وأمازون على جمع بيانات المستخدمين واستهدافهم بالإعلانات كمصدر أساسي للدخل.

رغم كل هذه الانتقادات التي وجهها كوك للمنافسين، لم تفعل غوغل وأمازون أي شيء، لكن زوكربيرغ قرر المواجهة وانتقد نموذج أعمال شركة أبل، وقال إنه لو كانت شركة أبل تهتم بعملائها، ستكون أسعار هواتف أيفون أرخص.

ما الذي تغير مؤخرًا؟

هذا الخلاف بين أبل وفيسبوك بقي مجرد حرب كلامية لا أكثر، لكن في عام 2020، وصلت الحرب بين الشركتين إلى ذروتها، حين أعلنت آبل في مؤتمر المطورين السنوي (WWDC 2020) أنها ستطرح ميزة جديدة في تحديث نظام IOS 14 ستمنح المستخدمين مزيدًا من التحكم في بياناتهم الشخصية التي تجمعها التطبيقات على هواتفهم.

قالت أبل إن التحديث الجديد سيعرض تنبيهًا للمستخدم عند استخدام تطبيق يجمع البيانات الشخصية، هذا التنبيه سيمنح المستخدم خيار السماح أو حظر التتبع وجمع البيانات.

الخلاف بين أبل وفيس بوك
النافذة المنبثقة التي ستظهر لمستخدمي هواتف أيفون عندما يستخدمون تطبيقًا يتتبع أو يجمع بياناتهم. (مصدر الصورة: شركة أبل)
النافذة المنبثقة التي ستظهر لمستخدمي هواتف أيفون عندما يستخدمون تطبيقًا يتتبع أو يجمع بياناتهم. (مصدر الصورة: شركة أبل)

قبل طرح هذا التحديث، كانت جميع التطبيقات قادرة على معرفة اهتمامات المستخدمين وتتبع نشاطهم خلال استخدامهم مواقع الإنترنت والتطبيقات الأخرى، هذا ساعد شركات مثل فيسبوك وغوغل على استهداف المستخدمين بإعلانات مخصصة تطابق رغباتهم واهتماماتهم، لكن التحديث سيحد من قدرة هذه الشركات على تخصيص الإعلانات. مما يؤدي لخسائر مالية كبيرة.

بالنسبة لـشركة فيسبوك، مثّل هذا التحديث خطرًا حقيقيًا، لأن نموذج أعمالها يعتمد فقط على جمع بيانات المستخدمين وعائدات الإعلانات، ولا توجد أي طريقة لتعويض الخسائر التي تنجم عن الحد من الوصول للبيانات، أما شركات التكنولوجيا الأخرى، وعلى الرغم من أن بعضها يعتمد على الإعلانات، لكنها تملك مصادر دخل أخرى كبيع الخدمات والاشتراكات أو عمولات متاجر التطبيقات.

فور إعلان أبل عن التحديث الجديد، قالت فيسبوك صراحةً أن ذلك سيلحق ضررًا كبيرًا بأعمالها وخسائر لا يمكن تعويضها، وطلبت من شركة أبل عدم إطلاق الميزة الجديدة.

استجابت أبل لمخاوف فيسبوك والشركات الأخرى التي تعتمد على الإعلانات كمصدر دخل رئيسي، وقامت بتأجيل طرح الميزة للعام التالي 2021، وعللت أبل قرارها بالرغبة في منح مطوري فيسبوك مزيدًا من الوقت.

شعرت فيسبوك بالارتياح من قرار أبل تأجيل طرح الميزة، ودخلت في حوار معها، قالت فيسبوك إنها تفضل أن يقوم المستخدمون باستخدام أدوات فحص الخصوصية التي تقدمها للمساعدة في تحديد نوع البيانات التي يسمح بمشاركتها بدلًا من التنبيه الذي ستعرضه أبل على هواتفها.

لم توافق أبل على هذا الاقتراح التي أفصحت أن تأجيل إطلاق الميزة لا يعني إلغاءها، وأن الميزة ستطرح قريبًا لجميع المستخدمين.

كرد فعل على ذلك، قادت فيسبوك حملة ضد أبل، حيث زعمت أن الميزة الجديدة ستؤدي لسحق الشركات الصغيرة التي تعتمد على الإعلانات المستهدفة. وحذرت من أن ذلك سوف يجبر مطوري التطبيقات على التوقف عن تقديم خدمات مجانية مدعومة بالإعلانات للعملاء. وسوف يضطرون من أجل تعويض خسارتهم إلى فرض رسوم على العملاء، وستتحول الكثير من الخدمات المجانية إلى مدفوعة.

تزعم فيسبوك أن هذا بالضبط ما تسعى له شركة أبل، فهي تريد أن تتحول الخدمات المجانية إلى مدفوعة، لأنها تحصل على نسبة من كل عمليات الدفع التي يقوم بها المستخدمون. وتقول إن الموضوع لا يتعلق بالخصوصية، بل برغبة أبل في زيادة أرباحها.

ردت شركة آبل على حملة فيسبوك ضدها. وقالت إن التنبيه الذي سيراه المستخدمون على هواتفهم مصمم لإعلامهم بأن التطبيقات تجمع البيانات عنهم وتتبع نشاطهم، وسيكون لدى المستخدم خيار الموافقة على التتبع أو رفضه، وإن الميزة هذه ليست سوى طريقة جديدة للتركيز على الخصوصية، وهي ليست المرة الأولى التي تطلق فيها أبل مزايا تركز على حماية الخصوصية.

لدعم وجهة نظرها، أطلقت آبل حملة تركز على جهودها في حماية خصوصية العملاء، أحد الإعلانات في هذه الحملة يظهر مجموعة من الأشخاص يكشفون عن معلومات خاصة بهم للأخرين. يحمل الإعلان عنوان “لا ينبغي مشاركة بعض الأشياء. لهذا السبب تم تصميم أيفون لمساعدتك على التحكم في معلوماتك وحماية خصوصيتك”.

تأثير التحذير من جمع البيانات على أعمال فيسبوك

بحسب الخبراء، معظم المستخدمين سيختارون حظر التتبع عندما تظهر النافذة المنبثة لهم، وهذا يبرر مخاوف شركة فيسبوك والشركات الأخرى التي تعتمد على الإعلانات.

في شهر أغسطس 2020، حذرت فيسبوك من أن تحديث iOS 14 يمكن أن يخفض أرباحها بنسبة 50%. وقالت الشركة: “من الصعب تحديد التأثير على الناشرين والمطورين في هذه المرحلة بسبب وجود الكثير من الأمور المجهولة، لكننا أجرينا اختبارًا وأظهر لنا انخفاضًا بنسبة 50% في عائدات الإعلانات، وقد يكون التأثير أكبر من ذلك بكثير، لذلك، نحن نعمل على استراتيجيات قصيرة وبعيدة المدى كي ندعم الناشرين في حال مضت أبل في تطبيق هذا التغيير”.

مستقبل الخلاف بين أبل وفيس بوك

تستمر فيسبوك في حشد الدعم ضد أبل، وتطلب من الجهات التنظيمية لقطاع الاتصالات في الولايات المتحدة الأمريكية التدخل لمنع الضرر الذي قد يلحق بها وبالشركات الأخرى التي تشكل الإعلانات مصدر دخلها الرئيسي، لكن أبل ترفض التخلي عن الميزة وتقول إنها ستكون قريبًا متاحة لجميع المستخدمين في كل أنحاء العالم.

معظم الخبراء التقنيين يدركون تأثير الميزة الجديدة على عائدات الإعلانات، لكن من الصعب الوقوف إلى جانب فيسبوك، فهذه الشركة لديها تاريخ طويل وحافل من انتهاكات خصوصية المستخدمين وبيع بياناتهم، وقد أجبرت على دفع مليارات الدولارات لتسوية نزاعات قانونية متعلقة بانتهاك الخصوصية، كان أشهرها فضيحة كامبريدج أناليتيكا التي تسببت في فرض غرامة خمسة مليارات دولار عليها.

أبل أيضًا تواجه تدقيقًا حكوميًا، ففي شهر أكتوبر 2020، أصدرت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب الأمريكي تقريرًا اتهم أربعة من عمالقة التكنولوجيا بالاحتكار، أشار التقرير إلى أن شركة أبل تستخدم سيطرتها على متجر التطبيقات لسحق المنافسين.

0

شاركنا رأيك حول "الخلاف بين أبل وفيس بوك: الصراع على بياناتك وخصوصيتك بين استغلالها وحمايتها"