ابتكار الذكاء الاصطناعي للحلول
0

إذا لم يكن لديك ما يكفي للقلق بشأنه بالفعل، ففكر في عالم يكون فيه الذكاء الاصطناعي مسؤولاً عن إيجاد الحلول، ابتكار الحيل والالتفاف على المعطيات أمرٌ قديم، قِدم الإنسانية. لكننا كبشر، مبدعون في حل المشكلات، فنحن نستغل الثغرات، ونتلاعب بالنظم، ونسعى جاهدين لمزيد من النفوذ والسلطة والثروة، لكن حتى الآن، كان ابتكار الحيل نشاطاً مقتصراً على البشر، ليس لوقتٍ طويل على أي حال…

ذكاء يحب الغموض

غموض الذكاء الاصطناعي

سيجد الذكاء الصنعي في النهاية نقاط ضعف في جميع أنواع الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ثم يستغلها بسرعة وحجم ونطاق غير مسبوقين، بعد التحايل على البشرية، قد تقوم أنظمة الذكاء الاصطناعي بعد ذلك بالتحايل على أنظمة الذكاء الاصطناعي الأخرى، ولن يكون البشر أكثر من مجرد أضرار جانبية. حسناً، ربما يكون هذا نوعاً من المبالغة، ولكن في المقابل لا تتطلّب معظم هذه الأمور صيحاتٍ بحثية كبيرة في مجال الذكاء الاصطناعي على أي حال، إنها تحدث بالفعل، إلّا أن وتيرة تسارع الذكاء الاصطناعي وزيادة تعقيده، تبدو أسرع مما نفعل نحن البشر.

لا يحل الذكاء الصنعي المشاكل كما يفعل البشر، فهو ينظر إلى أنواعٍ أكثر من الحلول ممّا نفعل نحن البشر، ويسلك مساراتٍ معقدة لم نفكر فيها، يمكن أن تكون هذه مشكلة بسبب ما يسمى «مشكلة التفسير»، ويمكننا القول أنّ أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة هي في الأساس صناديق سوداء، تذهب البيانات في أحد طرفيه، ويخرج الجواب من الطرف الآخر، قد يكون من المستحيل فهم كيفية وصول النظام إلى نهايته، حتى لو كنت مبرمجاً تبحث في قلب الشيفرة البرمجية -الكود-.

اقرأ أيضًا: ترند تأتي وأخرى ترحل بسلام.. هل ستحافظ التكنولوجيا على نهجها الحالي؟

في عام 2015، قامت مجموعة بحثية بتغذية نظام ذكاء صنعي يسمى «المريض العميق» (Deep Patient) بالبيانات الصحية والطبية لحوالي 700 ألف شخص، واختبروا ما إذا كان بإمكانه التنبؤ بالأمراض، تمكّن النظام من ذلك، لكن «المريض العميق» لم يقدّم أي تفسير لأساس التشخيص، وليس لدى الباحثين أي فكرة عن كيفية توصّله إلى استنتاجاته، ويمكن للطبيب إما أن يثق في الكمبيوتر أو يتجاهله، لكن هذه الثقة ستبقى عمياء.

بينما يعمل الباحثون على الذكاء الصنعي الذي يمكن أن يشرح نفسه، يبدو أن هناك مفاضلة بين القدرة وإمكانية الشرح، التفسيرات هي اختصار معرفي يستخدمه البشر، ومناسب للطريقة التي يتخذ بها البشر قراراتهم، قد يكون إجبار الذكاء الاصطناعي على تقديم تفسيرات قيداً إضافياً قد يؤثّر على جودة قراراته، في الوقت الحالي أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر غموضاً وأقل قابلية للتفسير.

حيلة المكافأة

بشكل منفصل، يمكن للذكاء الصنعي الانخراط في شيء يسمى «حيلة المكافأة». نظراً لأن الذكاء الاصطناعي لا يحل المشكلات بالطريقة نفسها التي يفكّر بها الناس، فسوف يأتي دائماً بحلول ربما لم نتوقعها نحن البشر على الإطلاق، بعضها قد يؤدّي إلى تخريب النظام، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي لا يفكر من حيث الآثار والسياق والمعايير والقيم التي نتشاركها نحن البشر ونأخذها كأمر مسلّم به، تنطوي قرصنة المكافأة هذه على تحقيق هدف، ولكن بطريقة لم يرغب بها العاملين على تطوير الذكاء الاصطناعي، ولم يقصدونها.

خذ محاكاة كرة القدم على سبيل المثال، حيث اكتشف الذكاء الاصطناعي أنه إذا ركل الكرة خارج حدود الملعب، فسيتعين على حارس المرمى رمي الكرة وترك المرمى دون حماية. أو محاكاةٌ أخرى، حيث اكتشف الذكاء الاصطناعي أنه بدلاً من الجري، يمكن أن يجعل نفسه طويلاً بما يكفي لعبور خط نهاية بعيد عن طريق السقوط فوقه، أو مكنسة الروبوت الكهربائية، التي بدلاً من تعلّم عدم الاصطدام بالأشياء، تعلمت القيادة للخلف، حيث لم تكن هناك أجهزة استشعار تخبرها بأنها تصطدم بالأشياء. وبالتالي، إذا كانت هناك مشاكل أو تناقضات أو ثغرات في القواعد، وإذا أدّت هذه الخصائص إلى حل مقبول على النحو المحدد في القواعد، فستجد أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه الحلول عاجلاً أم آجلاً.

اقرأ أيضًا: رحلة ممتعة في أروقة المصانع وخطوط الإنتاج… كيف تقوم الشركات العملاقة بصناعة الهواتف الذكية؟

قرأنا عن مشكلة مراوغة الحلول المنطقية هذه عندما كنّا أطفالاً بقصة الملك «ميداس» الإغريقي، عندما منحه الإله «ديونيسوس» أمنية، وطلب ميداس أن يتحول كل شيءٍ يلمسه إلى ذهب، لكن ينتهي به الأمر جائعاً وبائساً عندما يتحوّل طعامه وشرابه وابنته إلى ذهب، إنها مشكلة في المواصفات إذ برمج ميداس هدفاً خاطئاً في النظام.

التفكير خارج الصندوق.. أو الالتفاف حوله

الذكاء الاصطناعي

الجني كان دقيقاً للغاية هنا بشأن صياغة الرغبات، ويمكن أن يكون متحذلقاً بشكلٍ خبيث، نحن كبشر نعلم هذا، ولكن لا تزال هناك طريقة للتغلب على الجني، مهما كان ما تتمناه، سيكون دائماً قادراً على منحه بالطريقة التي لم تتمناها، سوف يخترق رغبتك، دائماً ما تكون الأهداف والرغبات غير محددة في لغة الإنسان وفكره، لا نقوم أبداً بوصف جميع الخيارات أو تضمين جميع التحذيرات والاستثناءات والشروط السارية، أي هدف نحدده سيكون بالضرورة غير مكتمل.

في حين أن البشر غالباً ما يفهمون ضمنياً السياق ويتصرفون عادةً بحسن نية، لا يمكننا تحديد الأهداف تماماً للذكاء الاصطناعي، ولن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من فهم السياق بنفسها تماماً.

في عام 2015، ضُبطت شركة «فولكس فاجن» بالغش في اختبارات التحكم في الانبعاثات، لم يكن المتهم هنا الذكاء الاصطناعي؛ لقد برمج المهندسون البشريون جهاز كمبيوتر عادياً للغش، لكنه يوضّح المشكلة، قاموا ببرمجة محركهم لاكتشاف اختبار التحكم في الانبعاثات، لكنه تصرف بشكلٍ مختلف، وظل غشّهم هذا غير مُكتَشفٍ لسنوات.

إذا طُلب منك تصميم برنامج للتحكم في محرك السيارة لتحقيق أقصى قدر من الأداء مع الاستمرار في اجتياز اختبارات التحكم في الانبعاثات، فلن تصمّم البرنامج للغش دون فهم أنك كنت تغش، هذا ببساطة ليس صحيحاً بالنسبة للذكاء الاصطناعي. سوف يفكر “خارج الصندوق” ببساطة لأنه لن يكون لديه تصور عن الصندوق.

لن يفهم أن حل فولكس فاجن يضر بالآخرين، ويقوض نية اختبارات التحكم في الانبعاثات، وينتهك القانون، وما لم يحدّد المبرمجون هدف عدم التصرف بشكل مختلف عند الاختبار، فقد يأتي الذكاء الاصطناعي بنفس الحل، سيكون المبرمجون راضون، والمحاسبون يشعرون بالنشوة، وبسبب مشكلة التفسير، لن يدرك أحد ما فعله الذكاء الاصطناعي. ونعم، بمعرفة قصة «فولكس فاجن»، يمكننا تحديد هدف صريح لتجنب هذا الحل المحدد، لكن الدرس المستفاد من قصة الجني هو أنه سيكون هناك دائماً عمليات تفسير وطرح حلول غير متوقعة.

اقرأ أيضًا: منصة اللاعبين الأشهر في العالم.. تعرفوا على منصة Discord وانضموا إلى أشهر الخوادم المتوفرة مجانًا!

هل هي حلولٌ يعوّل عليها؟

الذكاء الاصطناعي

ما مدى واقعية حلول الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي؟ تعتمد جدوى اختراع الذكاء الاصطناعي لحلٍّ جديد كثيراً على النظام المحدد الذي يتم تصميمه، لكي يبدأ الذكاء الاصطناعي حتى في تحسين مشكلة ما، ناهيك عن اختراع حل جديد تماماً، يجب إضفاء الطابع الرسمي على جميع قواعد البيئة بطريقة يمكن للكمبيوتر فهمها، إذ يجب تحديد الأهداف المعروفة في الذكاء الاصطناعي بـ«الوظائف الموضوعية». ويحتاج الذكاء الاصطناعي إلى نوع من التعليقات حول مدى جودة الأداء حتى يمكن تحسينه.

أحياناً يكون هذا الأمر بسيطاً، في لعبة الشطرنج تم تحديد القواعد والموضوعية والتعليقات -هل ربحت أم خسرت؟- كلها محدّدة بدقة، ولا يوجد سياق يمكن معرفته خارج تلك الأشياء التي من شأنها تعكير المياه، هذا هو السبب في أن معظم الأمثلة الحالية لحيلة الهدف والمكافأة تأتي من بيئات محاكاة، فهذه مصطنعة ومقيدة مع كل القواعد المحدّدة للذكاء الاصطناعي. ينتهي الغموض المتأصّل في معظم الأنظمة الأخرى إلى أن يكون دفاعاً أمنياً على المدى القريب ضد حيل الذكاء الاصطناعي، ما يثير الاهتمام هو الأنظمة المحددة جيداً والرقمية بالكامل تقريباً، فكّر في أنظمة الحوكمة مثل قانون الضرائب: سلسلة من الخوارزميات، مع المدخلات والمخرجات، فكر في الأنظمة المالية، التي يمكن تتبّعها بطريقة حسابية إلى حد ما.

يمكننا تخيّل تزويد الذكاء الاصطناعي بجميع القوانين واللوائح العالمية، بالإضافة إلى جميع المعلومات المالية في العالم في الوقت الفعلي، بالإضافة إلى أي شيء آخر نعتقد أنه قد يكون ذا صلة، هذا ليس بعيد المنال، والنتيجة ستكون كل أنواع الحلول الجديدة، لكن التطورات في الذكاء الاصطناعي متقطّعة وغير بديهية، الأشياء التي تبدو سهلة تتحوّل إلى صعبة، والأشياء التي تبدو صعبة تصبح سهلة، لا نعرف ذلك حتى يحدث ابتكار الحيلة.

عندما تبدأ أنظمة الذكاء الاصطناعي في إيجاد الحلول، سيتغيّر كل شيء، حيث لن يتم تقييدها بنفس الطرق مثل البشر، وستغيّر سرعة إيجاد الحلول وحجمها ونطاقها بمعدّلات ومقادير لسنا مستعدين لها، سيتم نسخ روبوتات إنشاء النصوص بالذكاء الاصطناعي، على سبيل المثال، بالملايين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سيكونون قادرين على المشاركة في القضايا على مدار الساعة، وإرسال مليارات الرسائل، والتغلّب على أي مناقشات فعلية عبر الإنترنت بين البشر، ما سنراه على أنه نقاش سياسي صاخب سيكون بين الروبوتات التي تتجادل مع الروبوتات الأخرى، وسوف تؤثّر بشكل مصطنع على ما نعتقد أنه طبيعي، وما نعتقد أن الآخرين يفكرون به.

كما أن النطاق المتزايد لأنظمة الذكاء الاصطناعي يجعل حيلها أكثر خطورة، حيث تتخذ أنظمة الذكاء الاصطناعي بالفعل قرارات مهمة بشأن حياتنا، والقرارات التي اعتدنا أن نعتقد أنها من اختصاص البشر الحصري، مثل من يحصل على الإفراج المشروط، أو يحصل على قروض بنكية، أو يلتحق بالجامعة، أو يحصل على وظيفة، مع ازدياد قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي، سيتنازل المجتمع عن المزيد -والأكثر أهمية- من القرارات لصالحها، سوف تصبح طرق هذه الأنظمة في إيجاد الحلول أكثر ضرراً.

ماذا لو قمت بتزويد نظام ذكاء اصطناعي بقانون الضرائب الوطني بالكامل؟ أو في حالة شركة متعددة الجنسيات، قوانين الضرائب في العالم بأسره؟ هل سيكتشف، دون أن يتم إخباره، أنه من الذكاء التأسيس في مدينة معينة وتسجيل سفينتك في إحدى دول الجِنان الضريبية؟ كم عدد الثغرات التي سيجدها والتي لا نعرف عنها بالفعل؟ العشرات؟ الآلاف؟ ليس لدينا فكرة.

التعاون وليس التفويض

الذكاء الاصطناعي

نحن بحاجة إلى بناء هياكل حكم مرنة يمكنها الاستجابة بسرعة وفعّالية للحلول والمقترحات المقدمة من قبل الذكاء الاصطناعي، لن يكون هناك أي فائدة إذا استغرق الأمر سنوات لتحديث قانون الضرائب، على سبيل المثال، هذه مشكلة صعبة للحكم الحديث، كما أنها ليست مشكلة مختلفة اختلافاً جوهرياً عن بناء الهياكل الحاكمة التي يمكن أن تعمل بسرعة وتعقيد عصر المعلومات.

اقرأ أيضًا: بين السندان والمطرقة.. لعبة فورتنايت ونتيجة الصراع الطويل بين شركة Apple وشركة Epic الشهيرة!

المقصود بشكلٍ أوضح هو التفاعل بين أنظمة الإنسان والحاسوب، والمخاطر الكامنة عندما تبدأ أجهزة الكمبيوتر في القيام بدور البشر، هذه أيضاً مشكلة عامة أكثر من مجرد حيل الذكاء الاصطناعي. إنها أيضاً موضوعٌ يكتب عنه التقنيون والمستقبليون، وعلى الرغم من أنه من السهل السماح للتكنولوجيا بتوجيهنا إلى المستقبل، فإننا نكون أفضل حالًا إذا قررنا كمجتمع الدور الذي يجب أن تلعبه التكنولوجيا في مستقبلنا.

هذا كل ما نحتاج إلى اكتشافه الآن، قبل أن تأتي أنظمة الذكاء الاصطناعي هذه عبر الإنترنت وتبدأ في اختراق عالمنا.

0

شاركنا رأيك حول "تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي في إيجاد «الحيل الحياتية».. لكن هل نستطيع التعويل عليها حقاً؟"