الربوت الحمام الخاص بمُهندسي جامعة ستانفورد
4

لطالَما كانت الطُّيُور مصدر إِلهَامٍ لِلْبَشر، قُدرتها على التحليق في الجّو والتنقل من مكان لآخر في وقتٍ وجيز جَعلَت الإنسان يُفكر في الحصول على هذه المِيزة، بدايةً مع أشهر ما سمعناه مع ابْنِ فرناس من مُحاولة البشر للطيران إلى الأساطير اليونانية ومحاولة “اِيكَارُوسْ Icarus” المشؤومة للهروب من السجن. دائمًا ما كانَ الأمر مُستحيلًا، الطيران تمامًا مثل الطَائر بأجنحةٍ مرنة وبِريشٍ حقيقي استعصى علينا طويلًا. ولا يزال المُهندسون يُكافحون حتى يومنا هذا أملًا في فهم حركة الطيور وكيفيّة تحكمها في كل من أجنحتها وريشها.

لكن يبدو كأن هُناك بصيص أملٍ، دراسَتان جديدَتان يُمكن أن تغيّرا تكنولوجيا الطائرات دُون طيّار. قام باحثون مؤخرًا من “جامعة ستانفورد Stanford University” الأمريكية بتصميم روبوت بأجنحة من الريش الحي يُمكن أن تُغيّر وضعيتها أثناء الطّيران لِتُحاكي بذلك حركة الطّيْر ما يمْنَحُها قُدرة أكبر على المُناورة مقارنةً بطائرات الدْرُونْ.

التِقنيَّات التي ساهَمت في نجاح الرُّوبُوت

أجنحة الروبوت الحمام مصنوعة من ريش حقيقي

لتصميم هذا الروبوت الشبيه بالطائر -الذي أطلق عليه الباحثُون اسم الروبوت الحَمَام “PigeonBot”- قاموا أولًا باستخدام تِقنّية الفيديو لالتقاط الحركة ومعرفة كيف يقوم الحمام بثّنْيِ جناحيْه أثناء الطيران. بناءً على النتائج المُتحصل عليها وجدُوا أنه من المُمكن التّحكم في 20 ريشة على كل جناح من أجنحة الروبوت عبر أشرطة مرنَة مُتصلة بمفصلين فقط. كما استخدموا أيضًا تقنّية التصوير الحديثة لاكْتِساب نظرة واسعة أكثر حول كيفية تماسك الهياكل المِجهرية لِريش العديد من أنواع الطُّيُور ببعضها البعض بشكل مؤقت أثناء الطيران. يحتاج هذا الروبوت إلى ريشٍ حقيقي لكي يُحَلِّق، لذا يَكمُن الاختبار بالنسبة للباحثين في إيجاد طُرق مُبتَكرة لإنتاج ريشٍ صناعي.

نَظْرة سَرِيعة على تَكْوِينْ جناح الطّائر

تُغيّر الطُّيور بصفة عامة شكل أجنحتها أثناء الطّيران عن طريق ثّني مِفْصَلي كل من المعصم “wrist” والإصبع “finger” لتقريب ريش أجنحتها من بعضه البعض أو إبعاد كل ريشة عن الأخرى. إن هذه الوضعيات التي يتّخذها الجناح تُساعد الطائر على الدوران في المنعطفات الضيقة والمناورة أثناء حدوث أي اضطرابات في الجّو.

عناصر الجناح

حسب المُهندس الميكانيكي من جامعة ستانفورد “إريك تشانغ Eric Chang”، فإنّ العلماء قد قاموا بمُحاكاة حركة جناح وريش الحمام لِجعل حركة الرُوبوت مُطابقة لها تمامًا. الأمر العسير هنا هو مُحاولة معرفة كيف يقومُ الحَمام بِمُناورات سريعة في بِضْعِ ثواني من خلال تغيير شكل جَناحيْه، وهي سِّمة لطالما أراد المُصممون استخدامها في روبوتاتهم. بفضل التِكنُولوجْيا الحديثة، أظهرت تقنية الْتِقاط الحركة أخيرًا كيف يفعل الحمام ذلك.

مع بداية عام 2014، بدأ المُهندس “لينتينك Lentink” وفريق عمله في مختبر “Lentink’s lab” في جامعة ستانفورد بِدِراسة بْيُولوجْيا الحَمام لِفهم مبدأ الطّيران وآلية تحريك الطائر لجناحيه. كبداية قام الفريق بدراسة أجسام طيور حمام ميتة، ليَصِلوا بعدها إلى نتيجة مفادُها أنه من خلال تحريك مِفصل المِعصم والإِصبع فإنّ الرِّيش يتّخذُ تلقائيًا وضعية مُحددة. يقول لينتينك:

“إنّ وضعية الـ 25 رِيشة في الجناح تَعْتَمدُ ببساطة على زاوية المعصم”

ويُضيف أن كل ريشة متصلة بواسطة رباط مرن “Elastic ligament” لضمان تماسك أقوى.

توصل الفريق في المختبر أنّ لِجناح الحمام 20 ريشة أساسيّة و20 أُخرى ثانوية يتم التحكم فيها عن طريق حركة كل من المعصم والإصبع. إن اكتشاف كيف يُمكن للطائر تغيير شكله بهذه السهولة والانسيابية يُّعد أمرًا صعبًا بما فيه الكفاية، وتَكْمُن المشكلة الأكبر في جعل الروبوت يقوم بتكْرار جميع هذه الحركات.

ذكر الباحثون أنهم قاموا بِثّني وتمديد أجنحة الحمام الميت لمعرفة أكثر عن كيفية تحكم الطيور بشكل أجنحتها. كشفت تلك التجارب أن الزوايا التي يتخذها مفصلي كل جناح تُؤثر بشكل كبير على تموضع الريش، وبالتالي فإن اتجاه الريش يُساعد الطائر على التحليق.

الزوايا التي يتخذها الجناح في الروبوت الحمام

مُساهمة العُلوم الحيّوانية في تصميم الروبوت

بعض المعلومات التي تَوصَّل إليها فريق العمل مثيرة للاهتمام حقًا، أثناء الطيران تَلتصق كل ريشة مع الريشة المُجاورة لها لتُشكل سطحًا أملسًا ومرنًا يُساعدُ على الطيران، كان على صَانعِي الروبوت معرفة كيفية ذلك بالضبط. مثل جميع أنواع الطيور، يُحقق الحمام التقارب بين ريشه بفضل بُّنى مِجهرية تُسمى “الأهْدَاب الفَصّية lobate cilia”، التّي وثّقَها عُلماء الطيور مع بداية القرنِ العشرين.

في ذلك الوقت، كان المُتعارف عليه هو أن وظيفة الأهداب تقْتَصرُ على زيادة الاحتكاك بين الريش، تقول عالمة الحيوان “تيريزا فيو Teresa Feo”:

“إنّ ما اكتشفناه كان هو الآلية الفعليّة لتِلك الأهداب الفصّية، لا تتعلق وظيفتها بزيادة الاحتكاك بل ضمان التّرابُط بين الريشة والأُخرى”

أظهر فريق العمل أن هذه الأهداب تبتعد عن بعضها عندما يطوي الطائر جناحيه وتقترب من بعضها البعض مرة أخرى عندما يقوم بمَدِّهِمَا.

بِناء النّموذج الأوّلي للرُوبوت الحمام

النموذج الأولي للروبوت الحمام

يُطلق على النّموذج الأولي اسم “الروبوت الهَجِين العُضوي biohybrid aerial robot” نظرًا لكونه يجمع بين العناصر البيولوجية والاصطناعية.

يتكون هيْكَل الروبوت من قِطعة واحدة من “اللوح الرغوي foamboard” تَمَّ طيُّها ولَصْقُها معًا. يُضاف إليه نظام دفع كهربائي لإيصاله جوًّا، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من أجهزة الاستشعار، نذكر منها: نظام تحديد المواقع “GPS”، أجهزة قياس الضغط الجوي “barometers”، أدوات تحديد الاتجاه “gyroscopes”، أجهزة قياس التغيّر في المجال المغناطيسي “magnetometers”، أجهزة الراديو، أجهزة قياس التسارع ثلاثية المحور “three-axis accelerometers” إضافةً إلى نظام الطيار الآلي. يأتي الذيل كذلك مع حزمة من مُعدات التحكم في الطيران، كدفة للتحكم العمودي ودفة أُخرى للتحكم الجانبي.

يبقى الجناح هو العُنصر الأكثر تعقيدًا والأكثر إثارةً للاهتمام. يقول المُهندس لينتينك أن الفريق استعان بأشرطة تقويم الأسنان المطاطية لمُحاكاة الأربطة “ligaments” في أجنحة الحمام وتسهيل عملية صُنع أَساس الجناح (الإصْبَع والمِعْصَم). جميع هذه الخطوات تعتمد إجمالًا على بْيُولُوجيا الحَمام.

أربطة الريش

الروبوت قادر على تجسيد 42 وضعية مُختلفة، ممّا يعني أنّه يُمكن أن يتحرك بِما يُعادل 42 طريقة مستقلة، المُذهل في الأمر أن هذا الطائر الآلي قادر على التحكم في تموضع 40 ريشة مُختلفة وذلك بفضل أربع محركات مُؤازِرَة.

لحظات الروبوت الأولى في الجّو

بمجرد الانتهاء من بِناء النَّموذج الأَولي للروبوت الحمام كان لا بُدّ من تجربته في ظُروف مُعيّنة مُشابهة للعالم الخارجي، وهو بالفعل ما قام به المُهندسون حيث جعلوا الروبوت يُحلق في نفق الرياح داخل المختبر لتحديد ما إذا كان قادرًا على الطّيران في ظُروف مُماثلة خارجًا. نجحت التّجربة! ما مهد الطريق لاختبارات المُناورة والحركة خارج المختبر. يصف لنا تشانغ شعوره وهو الذي قاد “PigeonBot” للقيام بأول إقلاع ووَصَف العملية بأنها تجربة تشدُّ الأعصَاب بشكلٍ لا يُّصدق:

“حينَ هَبَط طائِرُنا على الأرض، لا أتذكرُ سِوى أنّي إنْهَرتُ على الأرض وشعرتُ براحةٍ كبيرة”

كانت تجربةً ناجحةً بشكلٍ مُبهر خارج المُختبر جعلت المهندسين يَقُومون بنشرِ نتائِجِهم على مجلّة Science Robotics في يناير للعام الحالي.

أترُكُكمْ مع فيديو التجربة، تَجِدون في نهاية المقطع تجربة نفق الرياح داخل المختبر والتي تُعدّ من أوائل الاختِبارات التّي يخضعُ لها الرُّوبوت الحَمَام.

 

4

شاركنا رأيك حول "الرُّوبوت الحَمام “PigeonBot”.. أول روبوت مصنوع بريشٍ حقيقي يُحاكي حركة الطيور"