0

ظلّت فكرة السيارات الطائرة والمعروفة اليوم باسم التاكسي الطائر موجودةً منذ فترة طويلة في أحلامنا خصوصًا إذا شاهدت المقاطع السينمائية لأفلام الخيال العلمي القديمة مثل The Jetsons أو Back to the Future. وبعد عقودٍ طويلة من التفكير والتخيّل بدأت فكرة أساطيل السيارات الطائرة والتي كانت حبيسةً في عقولنا البشرية، تَلوح في الأفق وتُنفّذ تدريجيًا على أرض الواقع.

في مطلع العقد السابق -أي عام 2010- تم صُنع واختبار النماذج الأوّلية لهذه السيارات وقد بَرزت شركات سيارات وطيران عدّة مثل تويوتا وأوبر وهيونداي وبوينج وآيرباص في ارتياد هذا المجال الحديث، حيث أنَّ الازدحامات المرورية الخانقة في الشوارع التي نراها اليوم وانبعاثات الكربون العالية التي تُسبّبها هذه السيارات والتزايد السكاني الهائل، وغيرها من المشاكل الأخرى جعلت لزامًا على البشرية الوصول سرعة إلى هذه النقلة الثورية الجديدة في التنقّل، ووفقًا لدراسة أجرتها مؤسسة مورجان ستانلي للأبحاث، من المتوقّع أن تبلغ قيمة سوق السيارات الطائرة حوالي 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2040.

قبل التطرّق إلى ما وصلت إليه التكاسي الطائرة اليوم، دعونا نُلقي نظرة تاريخية إلى بداية عصر هذه المركبات.

فجر السيارات الطائرة

السيارات الطائرة
مركبة Airphibian تُحلّق في السماء

لم يمنع التقدّم المنفصل لتطوير السيارات والطائرات من محاولة بعض رجال الأعمال من الجمع بين المنظومتين، حيث كان رائد الطيران الأمريكي ومؤسّس صناعة الطائرات الأمريكية جلين كيرتس أوّل من فعل ذلك، فقد قام ببناء مركبة كيرتس – Curtiss للتحليق الآلي في عام 1917.

تم عرض النموذج المُدمج -سيارة وطائرة- لأوّل مرة في معرض عموم أمريكا للطيران بنيويورك، وقد بدت لزوّار المعرض مدهشةً جدًا، وكأنّها سيّارة حديثة للغاية لديها جناحين مثبّتين ومروحة في الخلف قابلة للإزالة، لكن مع دخول أمريكا في الحرب العالمية الأولى أصبح تركيزُ الشركات مُنصبًا على بناء الطائرات العسكرية وليست المركبات المدمجة، مما أدّى إلى توقّف مشروع صناعة السيارات الطائرة.

وبعد ثلاث سنوات من نهاية الحرب العالمية الثانية، قدّم مخترع ومهندس أمريكي يُدعى روبرت فولتون عرضًا لمركبة Airphibian، وهي في الأساس عبارة عن طائرة صغيرة يمكن أن تُفصل منها الجناحين والمروحة؛ لاستخدامها في السيرِ على الطرق، ولكنّها احتفظت بمظهر جسم الطائرة من خلال عجلاتها. وفي عام 1950 حَصلت المركبة المُدمجة على شهادة ترخيص من هيئة الطيران المدني الأمريكية والتي تُعرف حاليًا بإدارة الطيران الفيدرالية (FFA)، وعلى الرغم من دخول مركبة Airphibian حيّز الإنتاج بالفعل، إلّا أنّه لم يتم إنشاء أعداد كبيرة منها بسبب تَكلفتها العالية نسبيًا.

وبعد عدّة سنوات صمّم مهندس الطيران الأمريكي مولتون تايلور مركبة صغيرة تُدعى أيروكار – Aerocar، تحمل جناحي طائرة وذيل في الخلف وبإمكانها سحب مقطورة كاملة عندما تسير على الأرض.

تلقّت المركبة الطائرة أخيرًا شهادة ترخيص من هيئة الطيران المدني، كما أنّها امتثلت لجميع مواصفات المركبات التي تسير على الطرق الأمريكية بعكس المحاولات الهجينة للمركبات السابقة، حيثُ بدت وكأنّها سيارة بالإضافة إلى الراحة والأمان أثناء قيادتها، وكان مدى نطاق حركتها عندما تُحلّق كطائرة بين 500 – 300 ميل.

كافح تايلور للعثور على أيِّ عمل يستطيع من خِلاله تمويل إنتاج الأيروكار. وبحلول عام 1970 كان محظوظًا للغاية عندما أجرت شركة فورد موتور الأمريكية دراسة جدوى معه، لمعرفة ما إذا كان هناك سوق فعلي للمركبة الطائرة، أظهرت حسابات فورد أنّه من المحتمل أن تُباع ما لا يقل عن 25 ألف من هذه المركبة الطائرة، ولكن كانت الشركة قلقةً جدًا بشأن العَقبات التنظيمية واعتبارات السلامة حيث تعتبر الأيروكار ثقيلة ممّا يعوق قدرتها على الطيران وتوقف المشروع حينها.

السيارات الطائرة الحديثة

السيارات الطائرة
نموذج لمركبة طائرة حديثة من شركة آيرباص

بالنظر إلى نَماذج السيارات الطائرة اليوم، تبدو شبيهةً أكثر بالطائرات من دون طيّار، والتي لها القدرة على الإقلاع والهبوط العموديين (VTOL) حيثُ تَجعل الدوّارات -تشبه الموجودة في طائرات الدرون- عملية الإقلاع والهبوط أكثر أمانًا وأرخص في التشغيل مقارنةً بالمروحيات التقليدية.

هناك اختلاف رئيسي آخر بين مفاهيم التكاسي الطائرة اليوم ومفاهيم العقود الماضية من هذه المركبات، وهو أنّه في كل النماذج -تقريبًا- الحالية تكون أنظمة الدفع كهربائية، مما يُغيّر من ديناميكيات التكلفة والضوضاء والوزن والموثوقية والتلوّث.

كما أدى التقدّم في صُنع المواد والبطاريات وأحجام المحرّكات إلى جعل حركة التكاسي الطائرة في الهواء أقرب إلى الحقيقة اليوم مما كانت عليه في الماضي، تُتيح سيطرة أكبر على سرعة دوران الدوّارات وعزم الدوران مقارنةً بمحرّكات الاحتراق، والتي تجعل من أنظمة الدفع الكهربائية (eVTOLs) أكثر كفاءةً من حيث نسب الطاقة والوزن.

مثل المركبات البرّية، فإنَّ التكاسي الطائرة -إذا كانت تعمل بِنظام القيادة الذاتية- ستحتاج إلى مجموعة واسعة من أجهزة الاستشعار، ليس فقط المسح والاستشعار في بعدين 2D كما تفعل المركبات على الأرض وإنّما في ثلاثة أبعاد 3D.

ومع هذه الأنظمة الحديثة، فإنَّ روّاد هذا المجال طَرحوا تساؤلات عديدة حول نوعية الأماكن التي ستقلع منه هذه المركبات أو تهبط عليها. حتى الآن ما تمَّ تصوّره هو إنشاء عدد محدود من منصّات شبيهة بمهابط الطائرات العمودية، حيث يمكن للركّاب الإقلاع أو النزول عليها عند رحلاتهم عبر السيارات الطائرة.

أهمَّ الشركات اللاعبة في مشروع السيارات الطائرة

دعونا نُلقي نظرة على بعض أهمَّ الشركات الحالية حول العالم، التي تعمل في مشروع التكاسي الطائرة التجارية الأولى.

شركة EHang

السيارات الطائرة

تقوم الشركة ومقرّها بمدينة غوانزو في الصين بتطوير وتصنيع مركبات طائرة للركّاب من دون طيّار، وتُعد مركبة EHang AAV الطائرة ذات المقعدين قادرةً على حمل راكبين فقط لمدة تصل إلى 21 دقيقة إلى أيِّ وِجهة على مدى حوالي 30 ميلًا.

كما أنَّ مراوح المركبة يمكن أن تُطوى مما يُسهّل إمكانية هبوطها على مواقف السيارات بشكلٍ سلس وقياسي. في وقتٍ سابق من هذا العام أصبحت EHang أول شركة صينية تحصل على ترخيص تجاري من الحكومة الصينية، لاختبار التكاسي الطائرة من دون طيار لفئة الركّاب.

شركة Vertical Aerospace

السيارات الطائرة

في عام 2019 قامت شركة Vertical Aerospace البريطانية بعرض لقطات لنموذج مركبة طائرة أكملت رحلتها الأولى في مطار ويلز. بسرعة قصوى تَبلغ حوالي 50 ميل/الساعة وسعة تحميل إجمالية تبلغ 550 رطل، يمهّد للنموذج -الذي يُسمّى Seraph– الطريق لأوّل تاكسي طائر مخصّصة للركّاب، وتأمل الشركة في الكشف عنها خلال هذا العام.

وذكرت أيضًا بأنَّ مركبتها الطائرة تستهدف الرحلات بين المدن، كما أنّها خالية من انبعاثات الكربون.

شركة Volocopter

أجرت شركة الطيران الألمانية فولوكوبتر عدّة اختبارات لمركبتها الطائرة الكهربائية ذات المقعدين والمصمّمة لحمل طيّار وراكب واحد، أول رحلة تجريبية في سنغافورة عام 2019، حيث يبلغ مداها 22 ميلًا وسرعتها القصوى 68 ميلًا/الساعة.

كما كشفت الشركة أيضًا عن أوّل محطة –VoloPort– للتكاسي الطائرة في العالم. حيث من الواضح أنَّ فولوكوبتر تستهدف سوق الرحلات القصيرة فوق شوارع المدن المُزدحمة بدلًا عن السفر بين المدن، تتوقّع الشركة بدء رحلاتها التجارية في عام 2022، من خلال نقل الركّاب من محطاتها إلى مكانٍ آخر.

وتَهدف الشركة على المدى الطويل الاستغناء عن حاجتها من البُنى التحتية الخاصة بمحطّات التكاسي الطائرة، مما يعني أنّه من المُحتمل أن يستقل الأشخاص في المستقبل تاكسي طائر من طراز فولوكوبتر من أيِّ موقف سيارات عام.

شركة Lilium

تَقوم هذه الشركة الناشئة -الألمانية أيضًا- بعمل سلسلة من الاختبارات لمركبتها Lilium Jet ذات الخمسة مقاعد والتي يمكن أن تصل إلى سُرعات قصوى تبلغ 186 ميلًا/الساعة، وتغطّي مدى 186 ميلًا. مما يجعلها تُنافس بقوّة في سوق الرحلات الطويلة بين المدن، بعكس الرحلات القصيرة داخل المدن للشركات السابقة.

تتوقّع الشركة إطلاق خدماتها للركّاب في عددٍ من المواقع حول العالم بحلول عام 2025.

شركة Uber

تَعمل شركة أُوبر الأمريكية المشهورة بسيارات التاكسي حول العالم على مشروع التاكسي الطائر الخاصة بها في المناطق الحضرية، مع خُطط لإطلاق خدمة تجريبية بحلول عام 2023 كما من المتوقّع أن تتحوّل مركباتها الطائرة للقيادة الذاتية عام 2030.

أعلنت أُوبر في عام 2019 عن شراكتها مع شركة جوبي الأمريكية المتخصّصة في الطيران الكهربائي. تتمثّل خطة أُوبر من الشراكة مع جوبي، إطلاق خدمة تكاسي طائرة حضرية وسريعة وموثوقة ونظيفة داخل المدن وبأسعار معقولة، ومن المتوقّع أن تُوفّر خدماتها الأوّلية في مدن لوس أنجلوس وملبورن ودالاس.

أبرز التحدّيات الحالية التي تواجه السيارات الطائرة

هناك العديد من التحدّيات التي سيتعيّن على هذه الشركات التغلّب عليها لتُصبح قادرةً على إطلاق خدمات تكاسي طائرة للركّاب، حيثُ يجب أن تعمل هذه الخدمات في البداية بين منصّات إقلاع وهبوط ثابتة، بدلًا عن أخذ الركّاب وتحديد الوجهات بأنفسهم التي يُودون الذهاب إليها تفاديًا للوقوع فى المشاكل، وتُمثّل محطة VoloPort الخاصة بالتكاسي الطائرة لشركة فولوكوبتر، إحدى الشركات التي مثّلت هذا الاتجاه في الوقت الحالي، على الرغم من أّنّها تعمل نحو رؤية طويلة المدى حتى تصبح رحلاتها للزبائن من الباب إلى الباب.

يعتقد معظم الخبراء أنَّ التكاسي الطائرة صَخبة للغاية أثناء رحلاتها فوق منازل الناس والمدارس والمكاتب. حيث يجب أن تُصبح هذه المركبات أكثر هدوءًا قبل التحوّل إلى الوجهات المتعدّدة.

كما أنَّ عقبة الأمان يجب التغلّب عليها، عن طريق الاختبارات الروتينية للركّاب على متن هذه المركبات الطائرة، ومن ثمَّ إقناع الزبائن بأنَّ هذه الخدمات آمنة، أيضًا سيكون هناك حاجة إلى نظام جديد كامل لمراقبة الحركة الجوّية للمركبات من خلال التنظيم والتشريع وذلك لضمان التشغيل الآمن لخدمات التكاسي الطائرة.

في النهاية

يتوقّع بعض الخبراء بأنَّ التكاسي الطائرة لن تكون خدماتها مخصّصة للأثرياء فقط، حيث سيضطّر المشغّلون إلى جعل أسعارهم ميسورة التكلفة، إذا أرادوا منافسة خدمات سيارات التاكسي الكلاسيكية على الطُرق والسفر بين المدن.

0

شاركنا رأيك حول "التاكسي الطائر.. حلم البشرية الذي رأيناه في أفلام هوليوود قد أصبح حقيقة"