0

هل يجعل الرّئيس الأمريكيّ السّابق دونالد ترامب من مواقع الشركات التقنية الكبرى ووسائل التواصل الاجتماعيّ ساحةً لحربه هو وأنصاره ضدّ الطرف الآخر في كلّ مناسبة؟ الإجابة من دون أدنى شكّ معروفة لدى الجميع. تقول الإحصائيات بأنّ ترامب يغرّد على تويتر بمعدّل 34 تغريدة يوميًّا، كما أنّ واحدة من كلّ تسعةٍ من تغريداته تكون متضمنةً لسبّ أو هجوم أو انتقاص من مهاجَمه حسب تقرير أصدرته صحيفة نيويورك تايمز – New York Times سنة 2016.
§ (الوضع أسوأ بكثير حاليًّا!)

في يوم الأربعاء السّادس من شهر يناير الجاري، اقتحم الكونجرس الأمريكي (الكابيتول) من طرف أنصار ترامب تنديدًا بنتائج الانتخابات المزوّرة -حسب زعمهم- وزاد بالتّزامن مع ذلك خطاب العنف والكراهية شدّةً وعتوًّا ضدّ معارضي ترامب، وكان لا بدّ من وضع حدّ لذلك في كل حالٍ من الأحوال. فكيف أسكتت كبرى الشّركات التقنية دونالد ترامب وأنصاره؟ وما الإجراءات التي تمّ اتخاذها؟

تطبيق Parler ملاذ أنصار ترامب يتعرّض للحظر

تطبيق بارلر – Parler عبارةٌ عن منصّة اجتماعيّة أمريكية تأسّست سنة 2018 ولاقت رواجًا واسعًا في المجتمع الأمريكيّ خاصةً بالتزامن مع فترة الانتخابات الرّئاسيّة في شهر نوفمبر الماضي وتم تحميل التطبيق أكثر من ثلاثة ملايين مرّة؛ حيث توصف المنصة بأنّها “مساحة تعبير حرّ” بشكل كامل ومطلق ودون انحياز، مع كلّ ما يرافق ذلك من خطاباتٍ صريحة تتضمّن العنف، والهجوم والأخبار الزائفة ممّا جعلها ملاذًا للملايين من أنصار ترامب بعد أن لجأوا إليه كبديل عن فيسبوك وتويتر، نظرًا لسياستهما الصّارمة فيما يتعلّق بالأخبار الزائفة – Fake News والمحرّضة على العنف، وخطابات الكراهيّة واعتمادها لحذف المنشورات المتطرقة لذلك أو حظر حسابات أصحابها.

تطبيق بارلر - Parler منصّة اجتماعية أمريكيّة. فيها أنصار دونالد ترامب
تطبيق بارلر – Parler منصّة اجتماعية أمريكيّة.

ساهمت المنصّة بشكل فعّال في التجييش للهجوم على الكابيتول، وتضمّنت أكثر من 100 منشور يشجّع على العنف ويهاجم معارضي ترامب، ومن نماذج ذلك كتابة أحد المحامين الرّافعين لدعوى قضائية تطالب بإلغاء خسارة ترامب الانتخابية منشورًا يقول فيه§:

جهزوا فرقة الإعدام.

استمرّ الوضع على حاله لغاية يوم الجمعة الثامن من شهر يناير عندما أرسلت شركة آبل – Apple تحذيرًا للمنصة تطالبه فيها بحذف المنشورات المحرّضة على العنف وتمنحها 24 ساعةً لفعل ذلك. ثمّ كانت المفاجأة يوم السّبت عندما تقرّر حذف التطبيق من متجريّ غوغل – Google وآبل – Apple بسبب الكم الهائل من المنشورات التي تشجّع على العنف والجريمة والتي لا تتوافق مع سياستهما، ممّا يجعل تحميل التطبيق ممنوعًا على مستخدمي المتجرين. وقد جاء في تصريح توضيحيّ أدلت به شركة آبل – Apple عقب إجراء الحظر:

لطالما شجّعنا حرية التعبير بمختلف أنواعها على منصتنا، لكن لا مكان هنا للعنف والنشاطات غير القانونية.

كما صرّحت الشركة بأنّ خطاب العنف في المنصة غير متحكّمٍ فيه، وبأنّها لن تسمح لبارلر بوجودها على المتجر إلّا بشرط ضمان تحكّمها في تلك النوعية من الخطابات.

رسالة شركة آبل إلى تطبيق بارلر تعلن فيها قرارها بحظر التطبيق على المتجر وتوضح سبب ذلك.
رسالة شركة آبل إلى تطبيق بارلر تعلن فيها قرارها بحظر التطبيق على المتجر وتوضح سبب ذلك.

لم يكن هذا الإجراء في حقّ المنصّة هو الوحيد، ففي اليوم نفسه الذي تمّ فيه حظر التطبيق من المتجرين، أرسلت شركة أمازون – Amazon رسالةً إلى المنصّة تخبرها فيه بأنّها ستسحب دعمها للمنصة وستلغي تعاملها معها بسبب المنشورات التي ساهمت بشكل كبير في أحداث السادس من يناير والتي تشكّل خطرًا على مستخدميها بدرجة أولى، وقالت بأنّها لا تستطيع توفير الخدمات لعميل لا يستطيع التحكّم في الخطابات المفضية إلى العنف والجريمة، كما حددت يوم الأحد العاشر من شهر يناير موعدًا لبداية إلغاء التعامل مع المنصة.

رسالة شركة آمازون إلى تطبيق بارلر تعلمها فيها بقرارها بإلغاء التعامل معها.
رسالة شركة آمازون إلى تطبيق بارلر تعلمها فيها بقرارها بإلغاء التعامل معها.

أمّا شركة غوغل، فقد اكتفت بإدلاء تصريح عام، شرحت فيه سبب حذفها لتطبيق بارلر من متجرها ومدى علاقة ذلك بالسياسة التي ينتهجها التطبيق في السّماح بالتحريض على العنف في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تخالف بدورها سياسة الشركة.

تصريح غوغل حول سبب حذفها لتطبيق بارلر من متجرها.
تصريح غوغل حول سبب حذفها لتطبيق بارلر من متجرها.

كانت هذه الإجراءات المتتالية والمتخذة بحقّ التطبيق غير متوقعة بتاتًا بالنسبة لمالكيه، ولأنصار ترامب خاصةً، وقد اتّهم المدير التّنفيذيّ للمنصّة جون ماتز – John Matze الشركات التقنية الكبرى بأنّها تبذل مجهودًا من أجل الحدّ من حرية التّعبير ثمّ التخلص منها نهائيًّا، واضطرّت هذه التدابير المنصّة إلى البحث عن مضيف جديدٍ لها لضمان استمرارها.

الحقيقة أنّ حذف التطبيق من أكثر المتاجر شهرةً ورواجًا لم يكن الإجراء الوحيد المتّخذ في حقّ ترامب وأنصاره، لقد كان الأمر أشبه بفيلم تشويقيّ عندما أعلنت أكثر من 12 شركة تقنية ومنصة تواصل اجتماعيّ حظرها لحسابات ترامب، أو المجموعات المؤيّدة له، ليكون بذلك أوّل رئيس أمريكيّ تتعرض حساباته للحظر بهذه الصفة الشاملة.

الحظر الشامل لحسابات دونالد ترامب من 14 شركةً تقنية

لا ريب أنّ تعرّض حسابات ترامب للحظر الشّامل من 14 شركة تقنية على غرار متاجر غوغل، آبل وآمازون قد اعتبر خطوةً جريئةً هي الأولى من نوعها، كما شكّل ضربةً قاضيةً لشخص لا يستطيع الاستغناء عن وسائل التواصل الاجتماعيّ ويجعلها وأنصاره وسيلة أساسية لبثّ أفكاره والبتّ فيها ممّا أدّى بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل – Angela Merkel لوصف كلّ هذا بالمعضلة.

وتتمثّل هذه الشركات التقنية ووسائل التواصل الاجتماعيّ التي اتخذت تدابير صارمة ضدّ ترامب ومناصريه في:

  • تويتر – Twitter: أوقفت تويتر حساب ترامب في الثامن من شهر يناير، بعد سلسلة من تغريدات هجومية كتبها هو ومؤيّدوه وأعلنت أنّها قامت بحذف ما لا يقل عن 70 ألف تغريدة لها علاقة بحركة QAnon§ وهاشتاغ: stopthesteal وأعلنت في مدونتها أنّ الخطاب التحريضيّ والعنيف لترامب لم يتوقف حتى بعد أحداث السّادس من يناير؛ إذ جاء في تغريدة له يوم الجمعة:

إنّ 75 مليون من الأمريكيين الوطنيين العظماء … لن يتمّ ازدراؤهم أو معاملتهم بشكل غير عادل.

ثمّ تلاها بتغريدة أخرى تقول:

لكلّ الذين يسألون، لن أذهب إلى حفل التتويج في 20 يناير.

لم تكن هذه هي المرّة الأولى التي تتعرّض فيها كتابات ترامب للحذف. للرّئيس الأمريكي سوابق مع تويتر تزامنت مع مظاهرات السّود احتجاجًا على مقتل جورج فلويد قبل أشهر، أيضاً تضمنت خطاباته هجومًا على السّود يتعارض مع سياسة الشركة ممّا اضطرها ذلك إلى إزالة المنشورات.

تويتر يوقف حساب دونالد ترامب يوم الجمعة 08 جانفي.
تويتر يوقف حساب ترامب يوم الجمعة 08 يناير.
  • فيسبوك – Facebook وإنستغرام – Instagramمنعت شركة فيسبوك دونالد ترامب من النشر بدءًا من يوم الخميس بعد حذفها لفيديو يتعلّق بأحداث الاقتحام من حسابه. وتقرّر استمرار هذا المنع لمدّة أسبوعين حتى استلام الرئيس جو بايدن – Joe Biden للسّلطة تجنبًا لأيّ مشاكل، مع حذف كلّ المنشورات المتعلقة بهاشتاغ: stopthesteal أو بالحديث عن عدم شرعية الانتخابات بشكل عام، وكذلك فعلت شركة إنستغرام. وصرّح الرّئيس التنفيذيّ لشركة فيسبوك مارك زكربورغ – Mark Zuckerberg قائلًا§:

إنّنا نعتقد بأنّ السّماح للرئيس بالاستمرار في خدماتنا يشكّل مخاطر كبيرة جدًّا.

  • تويتش – Twitch: أوقفت تويتش قناة ترامب على منصّتها ووصفت الإجراء بـ “الضروريّ” لأنّه يضمن حماية المستخدمين. وقد كانت هذه الأخيرة إحدى أوائل الشركات التي سارعت إلى حظر حساب ترامب بعد خطاب الكراهيّة خاصّته عن السّود.
  • تيك توك – TikTokأقدمت شركة تيك توك على محو محتوى العنف والهاشتاغات التحريضيّة المتداولة من طرف أنصار ترامب مثل: stormthecapitol ووصف متحدث باسم الشركة المنصّة بأنّها ليست مكانًا لخطاب الكراهية أو العنف.
  • يوتيوب – YouTubeتصدّت يوتيوب لكلّ الفيديوهات التي تنشر أخبارًا زائفةً عن اقتحام الكابيتول، أو الانتخابات وتعهّدت بحذف قناة كلّ من يتكرّر نشره لهذا النوع من المحتوى الكاذب لثلاث مرّات.
  • ريديت – Reddit: تعدّ مجموعة Donald Trump الناشطة على منصّة ريديت أكثر المجموعات شهرةً بعددها الهائل ودعمها الكبير لترامب، وقد قامت الشركة بتوقيف المجموعة احتجاجًا على الدور السلبيّ الذي لعبته في التمهيد لأحداث السادس من يناير.
  • شوبيفاي – Shopify: يبدو أنّ الحظر لم يطل منصّات التواصل وحدها، بل امتدّ ليشمل شركات المتاجر أيضًا؛ فقد قامت شوبيفاي بتوقيف متجرين تابعين لترامب، أحدهما يتعلّق بمنظمته والآخر بأغراض حملته الانتخابية بسبب انتهاكهما سياستها المتعلّقة بعدم التحريض على العنف. وعقّبت الشركة على ذلك بقولها:

شوبيفاي لا تتسامح مع التصرّفات المشجعة للعنف.

إضافةً لما سبق، لم تتوان بقية الشركات التقنية مثل سناب شات – Snapchat، ديسكورد – Discord، سترايب – Stripe، أوكتا – Okta وتويليو – Twilio عن اتخاذ الإجراءات التدبيرية ذاتها بغرض الحدّ من حملة العنف الشرسة التي قادها ترامب وأنصاره والتي أدّت إلى أحداث عنف فيما بعد.

إنّ حدث الحظر الشامل غير المتوقع الذي تعرّض له ترامب بصفة متتالية يجعلنا فعلًا نتساءل عن مدى هيمنة الشركات التقنية الكبرى وتحكمها في العالم وعن قوتها التي تعلو فوق كلّ سلطة.

 

0

شاركنا رأيك حول "الحظر الشّامل غير المتوقع: كيف أسكتت كبرى الشركات التّقنية الرئيس الأمريكيّ السّابق دونالد ترامب؟"