الحرب بين الإعلام وشركات التقنية الكبرى
0

تغير كل شيء في العلاقة بين صناعة الإعلام الإخباري وشركات التقنية الكبرى في وقتٍ سابق من هذا العام بسبب ما حدث في أستراليا وتأثير ما حدث هناك في بقية أنحاء العالم، الأمر الذي يعني أنه في مرحلةٍ ما ستدفع تلك الشركات لشركات الإعلام الإخباري مقابل المحتوى، في خضم ذلك كله لمع اسمٌ واحد «رود سيمز»، رئيس لجنة المنافسة والمستهلك الأسترالية.

وعندما سُئل سيمز عن قانون مساومة وسائل الإعلام الإخبارية الأسترالية ذاك، اعتبره واحداً من مساهمات بلاده البارزة في العالم، وقال: “أنا سعيدٌ جداً بكيفية إنفاذه، أعتقد أنه سيحقق هدفه بالكامل، كان الأمر كله يتعلّق بإعادة التوازن إلى المساومة، ممّا تسبّب في فشل السوق، نعتقد أنها كانت خطوةً ضروريةً لضمان حصول الصحافة على أموال مقابل ما تقوم به وهو إعداد المحتوى الذي توفره والذي يفيد منصتي جوجل وفيسبوك”.

الصحافة الرقمية وتفاصيل الاتفاقية الأسترالية

انقلبت نماذج تمويل الأخبار والنشر رأساً على عقب مع وصول المزيد والمزيد من الناس إلى الأخبار عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومحرّكات البحث، فعائدات الإعلانات التي كانت تذهب للناشرين في السابق، توجّهت مع توجه القرّاء نحو جوجل وفيسبوك بدلاً من الناشرين أنفسهم، إذ حصلت تلك الشركات على نحو 75% من عائدات الإعلانات الرقمية في فرنسا وألمانيا عام 2019، وفقاً لشركة أبحاث السوق «eMarketer». ويمكن العثور على أرقام مشابهة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والهند.

لكن تظهر المشاكل عندما تصبح تلك الشركات الرقمية المزوّد الأكبر للمعلومات وحارسها، لأن المحتوى الملائم لإنشاء مجتمع ديمقراطي يجب أن يكون قائماً على التنوّع لا التوجيه، وخوارزمات تلك الشركات التي تستهدف المستخدم بالمحتوى المخصّص تبعاً لتفاعلاته وتحجب عنه أنواع المحتوى الآخر لن تخدم أي غرض مجتمعي، بل ستزيد الهوّة بين الأطراف.

باختصار، يفرض القانون إجراء مفاوضات تجارية بين شركات التقنية الكبرى ووسائل الإعلام باستخدام إجراءات مكافحة الاحتكار مثل:

  • تحكيم العرض النهائي إذا فشلت جميع المفاوضات الأخرى.
  • نهج “الكل أو لا أحد” يعني أنّ شركات التقنية يجب أن تتوصّل إلى صفقات مع جميع وسائل الإعلام أو تواجه عقوبات صارمة.
  • المفاوضة الجماعية مسموح بها لشركات الإعلام.

وعادت بفوائد عديدة كان أبرزها:

  • الحصول على دفعات سنوية مقطوعة.
  • صفقة بحجم 10 أضعاف قيمة الصفقات الأخرى.
  • صفقة بحجم 5 أضعاف قيمة الصفقات القائمة على حقوق الطبع والنشر في فرنسا.

اقرأ أيضًا: الرموز غير القابلة للاستبدال NFT… أحدث صيحات جنون الاستثمار الرقمي

ماذا تعني هذه اللوائح الأسترالية لبقية العالم؟

الصحافة الرقمية

من غير المرجّح أن يكون الدور الفريد الذي يلعبه الأستراليين عائقاً أمام التشريع في أي مكان آخر، بل إنّ ذلك ساعد في التوصّل إلى هذا الحل لأنهم أعدّوا البنية التحتية لهذا النوع من الاتفاقيات، لكن أضاف سيمز على ذلك أن دور البنية التحتية يتحدّد من خلال عملية التفاوض والتحكيم، أي أن إساءة استخدام القانون أو بسط السيطرة الجائرة دون تفاوض للحد من الاحتكار لن تجدي نفعها، كما أن كل القوانين قابلةً للعكس ووقف التنفيذ بطريقةٍ أو بأخرى إذا لم تُرضِ جميع أطرافها.

كما لا يعتقد سيمز أنه من الضروري للدول الأخرى تكرار التحقيقات والتقصّيات، الآن وقد تم القيام بذلك أصبحت القضايا والمشاكل التي تواجه الصحافة الرقمية معروفة جيداً، شركات الإعلام ليست في وضع مساومة مع المنصات التقنية الكبرى، فهي ليست في أي وضع يسمح لها بالتفاوض مع جوجل وفيسبوك.

في قطاع التكنولوجيا ستكون الحجة أن شركات الإعلام الكبرى ستكون محمية بموجب هذا القانون عندما تفشل في التكيّف مع متطلبات التوجّه الرقمي، إلا أنه لا علاقة للحماية هنا، حيث تعتبر الصحافة أمرٌ أساسي للمجتمع، بالتأكيد ستنتقل العديد من المنصات الإعلامية إلى الاشتراك المدفوع، لكن بعضها يحتاج إلى أن يكون قادراً على المفاوضة وإبداء الرأي، هناك الكثير من الأشياء التي يتعيّن القيام بها بالنسبة للدول الأخرى التي ترغب بتطبيق قانون مماثل فهناك مزيج من المشاكل التي يتعيّن التعامل معها بطرق مختلفة، لذا يجب التعامل مع كل قانون معنيّ بتنظيم المنافسة على حدة وذلك للتعامل مع الأمر حول العالم بطريقةٍ متماسكة.

الصحافة الرقمية في ورطة ولا حلول جيدة حتى الآن

الصحافة الرقمية

تقف الضجة حول الاتفاقيات مع فيسبوك في ألمانيا على النقيض من اللهجة المتمرّدة التي ضربت أستراليا، حيث دفعت احتمالية الإجبار على مشاركة عائدات الإعلانات مع الناشرين فيسبوك إلى حظر جميع المحتويات الإخبارية على منصّتها لمدة أسبوع، ولكن مع الاتفاقات المبرمة الآن في ألمانيا وأستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، من المرجّح أن تظل قوة السوق مُرَكّزة في المجالات التي تسيطر عليها شركات التقنية الكبرى مثل الإعلان والبحث ووسائل التواصل الاجتماعي والرسائل، وعلى الرغم من أنه يجعل الناشرين أكثر اعتماداً على المنصات الكبيرة على المدى الطويل فإنه يضع أيضاً الأموال في جيوبها في الوقت الراهن ويساعدها على تعزيز هيمنتها المتبقية في السوق مقابل المنافسين الأصغر.

سيكون من الطبيعي أن يفضل كل من جوجل وفيسبوك أن يكون المُحتوى مُقَدّماً من الشركات التي يدفعون لها على حساب المؤسّسات الأصغر أو الناشئة، لذا فالخيار الأفضل هو إذا لم يُوَقّع أي شخص على تلك الصفقات هو إنشاء منصّة خاصّة مستقلة، المنصات البديلة موجودة بالفعل، لكن لا شيء حتى الآن يمكن أن يتحدّى النموذج الحالي، إذ تقدم آبل خدمة «+Apple News» القائمة على الاشتراك والتي تتيح للمستخدمين الوصول إلى مئات الصحف والمجلات لكنّها لا تحتوي على جميع المنشورات ولا تعمل إلا ضمن نظام آبل.

وقد تفعل الخدمات الأصغر الأخرى مثل منصة المجلات «Readly»، ما تعد به، لكنها ليست كبيرة أو معروفة بما يكفي حتى تنافس أمثال جوجل وفيسبوك، ولن تكون كذلك أبداً في ظل وجود عمالقة التكنولوجيا الذين سيقفون عائقاً أمامها، فمن منظورٍ صحفي أو ديمقراطي، نحن بحاجة إلى حل يجعل الصحافة الرقمية متاحة للجميع.

اقرأ أيضًا: بين السندان والمطرقة.. لعبة فورتنايت ونتيجة الصراع الطويل بين شركة Apple وشركة Epic الشهيرة!

المنافسات القديمة تموت بصعوبة

الصحافة الرقمية

من الممكن أن يكون حل مشاكل الصحافة الرقمية أشبه بمنصّةٍ مستقلة قائمة على اشتراك موحّد، يصنع محتواها جميع الناشرين، لكن تكمن الصعوبة في اعتياد الناشرين على رؤية بعضهم البعض على أنهم منافسين، بينما قد يكون هذا هو الحال بالنسبة للمنشورات الوطنية، تميل المطبوعات الإقليمية والمحلية إلى احتكار المناطق الجغرافية التي تقوم بتغطيتها.

إذا كان هناك منافس كبير بما يكفي يمكنه الإعلان قائلاً: “لدينا في الأساس نفس الوظائف والمزايا التي توفّرها فيسبوك، لكن خوارزميتنا لا تدفعك إلى الفكر الموّجه أو الراديكالي في أية اتجاه”، فقد يختار الأشخاص التوجّه إلى استخدام تلك المنصة بالفعل، لكن حالياً لا أحد يرغب بالقيام بذلك.

كيف تبدو الصحافة الرقمية في المستقبل؟

الصحافة الرقمية

تقنية الإعلان معقدة وليست شفافة وناشرو الأخبار لديهم صفقةً صعبةً هنا، إذ تبلغ قيمة نشاط الإعلانات عبر الإنترنت حوالي 400 مليار دولار أمريكي، تحصل جوجل وحدها على قرابة الـ145 مليار دولار أمريكي من هذا المبلغ، ثم لديك العمالقة الآخرين مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب، إذ يأخذ فيسبوك فقط 70 مليار دولار أمريكي، وكل هذه الأرقام تعود إلى عام 2019 فقط!

من هذا السوق الضخم لا يبقَ سوى حصّة قليلة جدًا، وهو المجال الذي يعمل فيه الناشرين ربما 10%-15%، ويتنافس كل ناشر مع جميع الناشرين الآخرين في هذا النطاق الضيق، لذا من المحتمل أن يكون لدى ناشري الأخبار إمكانية الوصول إلى جزء صغير جداً من سوق الإعلانات العالمية ممّا قد لا يغطي تكاليف عملهم.

يتعيّن على جوجل التعامل مع هذه الدعاوى القضائية والتحقيقات، بالرغم من أنها لم تصل إلى نقطة حيث سيتعيّن عليها تقديم تنازلات، لكن الضغط يتزايد وستصل إلى نقطة تكون محصورةً فيها في الزاوية، كما حصل مع مايكروسوفت منذ عقدٍ من الزمن عندما انتهت تسوية الدعوى القضائية التي حدّت من الممارسات الاحتكارية للشركة على سوق أجهزة الكمبيوتر ونظم التشغيل القضية التي استمرت بين الشركة والحكومة الأمريكية لأكثر من 21 عاماً، الأمر الذي دفع بيل غيتس حينها إلى ترك منصبه في الشركة كمدير تنفيذي، ومن المحتمل أن يحدث هذا الشيء مع جوجل في العامين المقبلين وهو بالضبط ما حدث في أستراليا حيث قامت الحكومة الأسترالية بحشر جوجل وفيسبوك في الزاوية

اقرأ أيضًا: كيف تطوّرت وما هي آلية عملها.. قصة خوارزميات بحث Google منذ البداية!

يجبرك التحكيم القضائي على أن تكون منطقياً قدر الإمكان، لأنك إذا لم تكن منطقياً فإن المحكّم سيأخذ بالعرض الآخر، لكن نظراً لأن المنطقي بالنسبة لهذه الشركات يعني تناقصاً في الأرباح -وهذا هو موقفها دائماً- فإن تحكيم العرض النهائي يضعها في الزاوية.

ليس هناك بوادر للسلام في المستقبل إذ يعدّ الناشرين ومنصات الأخبار منافسين على المدى الطويل، إنهم يتنافسون على جذب أموال الإعلانات، لذا من المتوقّع أن نرى نوعاً من التوتر على الأقل في الجانب الإعلاني، أما من ناحية المحتوى فالاهتمامات متعاكسة تماماً، لا تريد شركات التقنية الكبرى الدفع، بينما يريد الناشرين أن يُدفع لهم، لذلك سيكون هناك حاجة دائمة إلى نوع من الحكم، وفي الواقع إن نظام تحكيم العرض النهائي هو آليةٌ جيدة لن تجلب السلام ولكن على الأقل ستسوّي المنازعات.

0

شاركنا رأيك حول "كيف تبدو المعركة بين الإعلام والشركات التقنية الكبرى؟"