تتوجه أنظار شركة ميتا إلى إقامة أكبر شبكة للفضاء الافتراضي في العالم، وذلك عن طريق تسخير تقنيات الواقع الافتراضي (VR) والواقع المعزز (AR) والواقع المختلط (MR)

يشعر الكثيرون بالحيرة بشأن تقنية الواقع الافتراضي، ورغم انتشار دور السينما ثلاثية الأبعاد والتي تُدخل المتفرج داخل إطار الأحداث، إلا أن ما يحدث مع تقنية الواقع الافتراضي مختلف تمامًا، إذ يمكن أن تنسى تقريبًا أنك ترتدي سماعة رأس وتعيش في عالم وهمي، حيث تملك النسخ الحديثة من تلك التقنية القدرة على استبدال الواقع الحقيقي لتغمرك بالكامل في التجربة التي تعيشها وهو الأمر الذي لن تتصوره ما لم تجربه.

ونظرًا للإمكانات الواعدة لتقنية الواقع الافتراضي في عوالم التسويق والألعاب والرياضة والحفلات الموسيقية فضلًا عن التعليم، ووعود بأرباح تصل إلى تريليونات للاقتصاد العالمي، فإن الشركة المالكة لفيسبوك، إنستجرام وواتساب قررت بناء أكبر شبكة للفضاء الافتراضي على الإطلاق.

الميتافيرس

ابتكر هذا المصطلح الروائي الأمريكي نيل ستيفنسون في روايته “سنو كراش”، حيث يناقش فكرة لجوء البشر إلى العيش في العالم الافتراضي المجسّم. بالتالي هو مصطلح لوصف العالم الرقمي، الذي يمكن أن يتفاعل معه الكثير من المستخدمين في بيئة ثلاثية الأبعاد. حيث يعد العالم الافتراضي هو مستقبل الإنترنت، مما يوجّه أنظار الشركات إلى الاستثمار في هذا المجال وتطويره.

كيف بدأت ميتا مشروعها لإطلاق أكبر شبكة للفضاء الافتراضي في العالم

تشير الإحصاءات إلى أن 26% من المراهقين يمتلكون سماعات رأس للواقع الافتراضي، ولكن 5% منهم فقط يستخدمون تلك التكنولوجيا بانتظام، وبصرف النظر عن التكلفة فإن هذه المشاركة الضعيفة تعود في الأساس إلى عدم وجود قدر كافٍ من التطبيقات الممتعة والجاذبة للجمهور الصغير، إذ تقتصر في معظمها على التطبيقات الصناعية والتجارية.

أما على نطاق الألعاب التي تبلغ عائداتها السنوية 200 مليار دولار والتي تمثل أيضًا سوقًا واعدة للغاية للواقع الافتراضي، فإن 3% فقط من المستخدمين على منصة الألعاب الشهيرة Steam هم من يملكون سماعة رأس تعزز الواقع الافتراضي VR، وهذا هو المجال الذي تنوي ميتا اقتحامه بشدة.

افتتحت الشركة بالفعل متجرًا وصالة لعرض تقنية سماعات الرأس Quest 2، كما تستعد لإطلاق سماعة أكثر تطورًا باسم Project Cambria في وقت لاحق من عام 2022. ولأن ميتا ليست شركة أجهزة في الأساس، فإن القائمين عليها يؤكدون فتح الباب على مصراعيه لدخول عالم الواقع الافتراضي الخاص بهم بأجهزة من شركات أخرى منافسة مثل جوجل وآبل وغيرها، بل إن المستخدم في وقت ما قد لا يحتاج في الأساس إلى سماعة الرأس للاستمتاع بتجربة الواقع الافتراضي سواء في الألعاب أو التعليم أو حضور الحفلات الموسيقية أو حتى ممارسة العمل.

متجر وصالة لعرض تقنية سماعات الرأس Quest 2 - الفضاء الافتراضي

هل الفضاء الافتراضي مجرد وسيلة لاقتناص الأموال؟

يُشير المعترضون على تقنية الميتافيرس إلى أنها مجرد وسيلة لجلب المزيد من الأموال إلى جيوب المعلنين وزيادة النقرات وإيرادات الإعلانات، وأنها مجرد نموذج تجاري يبدو مألوفًا للغاية، في إشارة إلى تطبيقات الفيسبوك وإنستجرام وغيرها.

وتلقت شركة ميتا بالفعل ردود فعل سلبية بسبب الرسوم المرتفعة على معاملات الأصول الافتراضية، حيث تنوي ميتا تحصيل نسبة 47.5% من أي عملية تجارية تتم في الميتافيرس، وتشمل هذه النسبة 30% ضريبة "منصة الهاردوير"، و 17.5% إضافية في حال تنفيذ تلك العمليات داخل عوالم Horizon التابعة للشركة. 

ولكن يؤكد المحللون في الشركة أن تاريخها يتحدث عنها في مجال التحولات الكبرى الناجحة في إشارة إلى التحول من أجهزة الكمبيوتر الثابتة إلى الأجهزة المحمولة وظهور قصص إنستجرام وغيرها، مؤكدين أن النجاح الحقيقي والاستخدام المتكامل للميتافيرس سوف يظهر بعد بضع سنوات.

وقد كرّست شركة ميتا نحو 10 مليارات دولار لبناء منصة الفضاء الافتراضي الخاصة بها، ويقول مارك زوكربيرج أن نمو الإيرادات في هذا المشروع لتكون مربحة بشكل كافٍ سيكون عبر سلسلة طويلة للغاية ولا سيما مع الخسائر التي حققها العالم الافتراضي في الربع الأول من عام 2022 والتي بلغت مقدار 2.96 مليار دولار مقارنة بخسائر الربع الأول من عام 2021 والتي كانت 1.83 مليار دولار، ولكن الشركة تستمر في تبني المشروع على أمل تحقيق نقلة تقنية أخرى تُحسب لها.

ما الذي يستفيده الناس فعليًا من شبكة الواقع الافتراضي؟

يُشكك الكثيرون في أهمية تقنية الواقع الافتراضي في ظن منهم أنها قد تخدم المسوِّقين فقط للسلع والخدمات في زيادة إغراء المشترين، ولكن كما حدث في التشكيك بأهمية الإنترنت في التسعينات وجدوى الهاتف المحمول، فإن المناصرين للتقنية يؤكدون مزاياها الضخمة في مختلف المجالات، بل ورأينا رئيس الشؤون العالمية في شركة ميتا، نيك كليج، ينشر مقالًا يؤكد فيه أن الميتافيرس يستحق الاستثمارات الهائلة التي تضخها شركة ميتا فيه، وأن قيمته في المستقبل ستتجاوز 3 ترليونات دولار، وسيكون كالهواتف الذكية في بداية انتشارها عندما لم يصدق أحد أن تستبدل الحواسيب المحمولة في يوم من الأيام.

الحضور والتفاعل

العامل الأساسي الذي يجعل من الميتافيرس مشروعًا ناجحًا مع زيادة الإقبال عليه هو الحضور الفعلي والتفاعل، ففي عالم الإنترنت العادي، لا تستطيع أن تكون مرئيًا وحاضرًا بشكل مجسم، فقط تسجل إعجابك أو تكتب تعليقًا أو مشاركة، ولكن في الواقع الافتراضي فبمجرد دخولك إليه فإنه حتى مجرد الاستكشاف يكون نشطًا وتفاعليًا من خلال صورة الأفاتار الخاصة بك، وكأنك في عالم يحاكي الواقع في إحدى حلقات مسلسل بلاك ميرور.

قد تكون هذه ميزة مُطلقة لمحترفي التسويق وخلال التعليم وغيرها، ولكن إذا لم تكن من الراغبين في أن تكون مرئيًا على الدوام فقد تتأخر قليلًا في تقبل هذه التقنية.

إزالة أي قيود جغرافية

لا توجد أي قيود جغرافية داخل الميتافيرس فيمكنك زيارة أي مكان في أي وقت، كما يمكنك أن تعمل وأنت على الجانب الآخر من العالم، وحتى الذهاب إلى المدرسة يمكن أن يكون حقيقة واقعة ومفيدة وتفاعلية في عالم الميتافيرس مع شعور متكامل بالانتماء والتفاعل.

التخلص من أزمة المناخ

يؤكد المؤيدون لتقنية الواقع الافتراضي أنها إذا انتشرت بشكل فعّال وأصبح نصف الناس على الأقل في الكرة الأرضية يعملون ويتعلمون ويذهبون إلى الحفلات ويشاهدون كرة القدم عبر الميتافيرس فإن هذا بالطبع سيقلل من الانتقالات ويقضي بالتدريج على أي أزمة في الطاقة والتخلص من مشكلة المناخ والازدحام وغيرها.

وأخيراً، نحن لا نملك سوى الانتظار ورؤية ما يحمله المستقبل لنا، لا يمكننا الجزم بأن الميتافيرس سيكون الصيحة التقنية الجديدة كما يؤكد الكثيرون له، ولا سيما أن الشركات لم تتحدث بنفس الثقة عن الهواتف الذكية في بداية ظهورها، وإنما كان الأمر مفاجئاً للجميع، فدعنا ننتظر لنرى ما إذا كانت شبكة الفضاء الافتراضي التي تعمل عليها ميتا ستؤتي ثمارها أم ستكون سقطة الشركة الكبرى، ووسيلة يمحو بها زوكيربيرج تراثه بنفسه.