0

يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي هو بالفعل التقنية التي لا غنى عنها في القرن الحادي والعشرين. من مساعدة الأطباء في تشخيص المرضى وعلاجهم إلى التقدم السريع في اكتشافات الأدوية الجديدة، فقد أصبح شريكنا الموثوق به بعدة طرق.

والآن، فقد وجد طريقه إلى مجال الحب والعلاقات العاطفية البشرية. مع أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على مطابقة ما يناسبك تماماً من شريك حياتك، قد يصبح من الشائع في العقود القادمة مواعدة برنامج شخصي (Avatar) مخصص حسب ما يناسب شخصية المستخدم. وهذا ما تم التطرّق له في فيلم «هِيَ» (Her) الذي صدر عام 2014، حيث يطور كاتب يعيش في المستقبل القريب في لوس أنجلوس مشاعر حب لنظام ذكاء اصطناعي على شكل مساعدة صوتية رقمية. وفاز فيلم الخيال العلمي هذا بجائزة الأوسكار لتصويره ما بدا وكأنه قصة حب غير تقليدية للغاية. في الواقع، لقد بدأنا بالفعل في هذا الطريق.

تطبيقات المواعدة وخوضها في النفس البشرية

المواعدة

تبلغ قيمة صناعة المواعدة عبر الإنترنت أكثر من 4 مليارات دولار أمريكي، وهناك يومياً عدد متزايد من اللاعبين في هذا السوق. تهيمن عليهم مجموعة «ماتش»، التي تمتلك تطبيقات «OkCupid» و «Match» و «Tinder» و 45 شركة أخرى متعلقة بالمواعدة.

جمعت شركة ماتش ومنافسيها مجموعة غنية من البيانات الشخصية، والتي يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها للتنبؤ بكيفية اختيار الشركاء. إذ تعتمد الصناعة بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي.

على سبيل المثال، يحتوي تطبيق «Match» على روبوت محادثة مزود بالذكاء الاصطناعي يُدعى “Lara“، يوجّه الأشخاص خلال عملية الرومانسية، ويقدم اقتراحات تستند إلى ما يصل إلى 50 عاملاً شخصياً بحسب كل مستخدم.

يوضح «شون راد»، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «Tinder»، رؤيته المبسطة حول الذكاء الاصطناعي؛ إذ يعتبره فلتر ذكي يعرف كل شخص ويخدم ما هو مهتم به، بحسب تعبيره.

كما يستخدم موقع التعارف «eHarmony» الذكاء الاصطناعي الذي يحلل دردشة الأشخاص ويرسل لهم اقتراحات حول كيفية القيام بالخطوة التالية. بينما يستخدم موقع «Happn» الذكاء الاصطناعي في ترتيب الملفات الشخصية وإظهار تلك التي يتوقع أن يفضلها المستخدم.

أما في موقع «Loveflutter» يأخذ الذكاء الاصطناعي تخميناته على طول العلاقة أثناء تقدمها. على سبيل المثال، من خلال اقتراح مطعم يمكن للطرفين أن يحبّذوا زيارته. ويستخدم «Badoo» تقنية التعرف على الوجه لاقتراح شريك قد يبدو شبيها بالمشاهير الذين يحبهم المستخدم.

تستخدم منصات المواعدة الذكاء الاصطناعي لتحليل جميع التفاصيل الدقيقة. ومن النتائج، يمكنهم تحديد عدد أكبر من المطابقات المحتملة للمستخدم. كما يمكنها أيضاً فحص المنشورات العامة لشخص ما على مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام للتعرف على مواقفهم واهتماماتهم.

سيؤدي هذا حتماً إلى التحايل في كيفية تمثيل الأشخاص لأنفسهم في استبيانات المطابقة بين الناس. إذ أظهرت الأبحاث أن عدم الدقة في السمات المبلغ عنها ذاتياً هي السبب الرئيسي لعدم نجاح المواعدة عبر الإنترنت. وفي حين أن الكم الهائل من البيانات على الويب أكثر مما يستطيع الشخص معالجته، فإن الأمر يعتبر منجماً لأدوات المطابقة القائمة على الذكاء الاصطناعي.

مواعدة الآلة والروبوت والواقع الافتراضي

المواعدة
شاترستوك

مع إنشاء ونشر المزيد من بيانات المستخدم على الإنترنت (خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي)، سيكون الذكاء الاصطناعي قادراً على إجراء تنبؤات دقيقة بشكل متزايد. سيكون اللاعبون الكبار مثل Match.com في وضع جيد لهذا لأن لديهم بالفعل إمكانية الوصول إلى مجموعات كبيرة من البيانات.

وحيث يوجد الذكاء الاصطناعي، غالباً ما يكون هناك شقيقه التكنولوجي؛ الواقع الافتراضي (VR). ونظراً لأن كلاهما يتطور في آنٍ واحد، فمن المحتمل أن نرى نسخاً من الواقع الافتراضي حيث يمكن للباحثين عن علاقات حب التدرب في بيئات محاكاة لتجنب العلاقات الحقيقية.

هذا ليس أمراً بعيد المنال بالنظر إلى «العشيقات الافتراضية»، التي من المفترض أن تساعد الناس على المواعدة، إذ أنها موجودة بالفعل منذ عدة سنوات وتنضج بشكل كبير كتقنية. ويشير عدد متزايد من العروض إلى درجة كبيرة من الاهتمام بها.

مع وجود بيانات مستخدم كافية، يمكن للذكاء الاصطناعي في المستقبل أن ينشئ لك شريكاً مخصصاً بالكامل في الواقع الافتراضي. والمثير للجدل أن الخطوة التالية ستكون تجربة الصورة الرمزية (Avatar) مثل أفاتار فيس بوك ككيان مادي يمكن أن يسكن أندرويد (روبوت أشبه ببنية الإنسان) ويصبح رفيقاً تفاعلياً وحتى شريكاً جنسياً. مثل هذه الروبوتات المتقدمة غير موجودة بعد، لكنها قد تكون موجودة يوماً ما.

يجادل أنصار الروبوتات المرافقة هذه بأن هذه التكنولوجيا تساعد في تلبية الحاجة المشروعة لمزيد من الحميمية في المجتمع، خاصةً بالنسبة لكبار السن والأرامل والأشخاص ذوي الإعاقة. وفي الوقت نفسه، يحذر معارضيها من المخاطر الكامنة في التمييز، والعنصرية، ونزع الصفة الإنسانية من كلا الجنسين.

قصص حقيقية عن الزواج عبر الإنترنت

المواعدة

تحصل تطبيقات المواعدة على صيت سيئ بالمجمل (أو جيد، اعتماداً على ما تبحث عنه) لكونها تطبيقات مطابقة تشجع المستخدمين على الحكم على الشركاء المحتملين من خلال عدد قليل من صور سيلفي وبضعة أسطر من النص. ولكن ربما يكون كل ما تحتاجه للعثور على زوجتك المستقبلية هو بضع من الصور المرفوعة على فيسبوك وبعض التمريرات السريعة لليمين.

فقد وجدت دراسة أجرتها جامعة شيكاغو أن أكثر من ثلث الزيجات تبدأ عبر الإنترنت، وأن الأزواج عبر الإنترنت يتمتعون بفترة أطول وأكثر سعادة الزيجات. لذلك ربما لا يكون تطبيق «Tinder»؛ الأكثر شهرة -أو أي من تطبيقات المواعدة الأخرى المتاحة- مخصصاً فقط للعثور على العلاقات العابرة في مكان قريب. فهناك الكثير من قصص الحب الناجحة التي بدأت عبر تطبيقات المواعدة عبر الإنترنت.

هل نستخدم التكنولوجيا لإنقاذنا من مشاكل التكنولوجيا؟

المواعدة

قد تكون النتيجة الإشكالية الأخرى لهذه التكنولوجيا زيادة أعداد الأشخاص المنعزلين اجتماعياً الذين سيستبدلون التكنولوجيا بالتفاعل البشري الحقيقي. إذ أنه في اليابان، تنتشر هذه الظاهرة بالعلن بشكل كبير، وتسمى «هيكيكوموري».

في الوقت نفسه، شهدت اليابان كذلك انخفاضاً حاداً في معدلات المواليد لعقود. يتوقع المعهد الوطني لأبحاث السكان والضمان الاجتماعي أن عدد السكان سينخفض ​​من 127 مليوناً إلى حوالي 88 مليوناً بحلول عام 2065. ونظراً لقلقها من انخفاض معدل المواليد، أعلنت الحكومة اليابانية الشهر الماضي أنها ستضخ ملياري ين ياباني (أي ما يعادل حوالي 25 مليون دولار أمريكي) في نظام المطابقة القائم على الذكاء الاصطناعي.

يُفترض أن يكون الذكاء الاصطناعي مساعداً.. وليس بديلاً

المواعدة

يعدّ النقاش حول “الحب” الرقمي والروبوتي موضع جدل واستقطاب واسع، مثل معظم الجدالات الرئيسية في تاريخ التكنولوجيا. وعادةً ما ينتهي الأمر بالتوصل إلى إجماع في مكان ما في الوسط. ولكن في هذا الجدال تحديداً، يبدو أن التكنولوجيا تتقدم بشكل أسرع من اقترابنا من الإجماع.

بشكل عام، علاقة الإنسان مع التكنولوجيا الأكثر نجاعةً هي التي يمكن أن يكون الشخص هو المتحكم بها، والتكنولوجيا تساعده في تعزيز خبراته، وذلك فقط. إذ أنّ سيطرة التكنولوجيا على الإنسان أمرٌ غير إنساني البتّة.

استفاد البشر من التقنيات الجديدة لآلاف السنين. تماماً كما تعلمنا كيفية استخدام النار دون حرق المدن، وسيتعين علينا أيضاً تعلّم احتواء المخاطر وتجنّبها، والاستفادة من المكافآت المصاحبة للتكنولوجيا المستقبلية.

 

0

شاركنا رأيك حول "لا خطّابة بعد اليوم.. الذكاء الاصطناعي يساعدك في إيجاد شريك حياتك فهل تقبل؟"