بتاريخ 16 يونيو 2022، أعلنت مايكروسوفت رسمياً إنهاء الدعم عن متصفح إنترنت إكسبلورر بعد مرور 27 عاماً على صدوره، فما القصة وراء المتصفح الذي اتفق الجميع على تجنب استخدامه؟

إذا سألت أحد الأشخاص وتحديدًا من الجيل زد (الشباب الذين ولدوا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين) والأجيال الأصغر عن المتصفح الذي يستخدمونه للوصول إلى الإنترنت، سوف يخبرونك عن موزيلا فايرفوكس ومتصفح إيدج و أوبرا وجوجل كروم وغيرها ولكن ماذا عن إنترنت إكسبلورر؟ الإجابة ستكون أنهم لم يسمعوا به من قبل ولم يستخدموه على عكس جيل الألفية والأجيال الأقدم (لسوء حظهم).

إلا أنني يجب أن أذكرهم بأن إنترنت إكسبلورر سواء أحببته أو كرهته كان منافساً قوياً في سوق المتصفحات، بل استطاع بلوغ القمة في عام 2003 حينما استطاع الهيمنة بنسبة 95% من حصة السوق؛ ولكن ما يجهله البعض أنه لا يوجد شيء محصن؛ ومهما بلغت من القوة والعظمة، إذا لم تواكب التطور وتحافظ على المنافسة، سوف تسقط والتاريخ خير مثال على ذلك، هل تتذكرون بلاك بيري ونوكيا وغيرهما؟ جميعهم عمالقة وصلوا للقمة وجذبوا الملايين من المستخدمين وحكموا العالم ولكن لم يستطيعوا مواكبة سطوة التكنولوجيا فأصبحوا هباءً منثورًا.

وبالنسبة إلى قيام مايكروسوفت بإحالة نجم ويندوز للتقاعد نهائيًا، كنا نعلم أن هذا اليوم سيأتي، لكن في الحقيقة كان الجميع متفاجئ أن الشركة استغرقت وقتًا طويلًا من أجل اتخاذ قرار سحب القابس عن متصفحها الشهير إنترنت إكسبلورر، ولا سيما أنه عفا عليه الزمن ولم يعد قادرًا على منافسة المتصفحات الأخرى الشهيرة، ومن المفارقات العجيبة أن المستخدمين كانوا يعتمدون عليه في تحميل متصفح آخر، لذا دعونا نأخذكم في جولة سريعة ونستعيد النوستالجيا حول بدايات متصفح مايكروسوفت الشهير إنترنت إكسبلورر ونستكشف الأخطاء التي أودت بحياة أحد أباطرة تصفح الإنترنت.

تاريخ متصفح مايكروسوفت المكروه

في عام 1990 ظهر أول متصفح للويب باسم "WorldWideWeb" (يجب عدم الخلط بينه وبين شبكة الويب العالمية) وتم إنشاؤه من قبل تيم بيرنرز لي (مؤسس ومدير اتحاد شبكة الويب العالمية) وكان هذا هو المتصفح الوحيد الذي يمكن استخدامه للوصول إلى الإنترنت في ذلك الوقت، ثم بعد عامين ظهر "Lynx" وكان متصفحًا نصّيًا لا يعرض أي محتوى رسومي. وبعد مرور عام واحد، ظهر "Mosaic" أول متصفح يعرض صورًا بجانب النصوص. وأخيرًا أطل علينا نجم مايكروسوفت الساطع، إنترنت إكسبلورر في عام 1995 كأول متصفح ويب رسمي من شركة مايكروسوفت.

متصفح Lynx الذي كان يقتصر على عروض النصوص فقط

Internet Explorer 1

ظهر أول إصدار من متصفح إنترنت إكسبلورر في تاريخ 16 أغسطس من عام 1995 كجزء من "Microsoft Plus" وهي حزمة تجلب مؤثرات صوتية وألعاب وثيمات وشاشات توقف وتحسينات أخرى لنظام التشغيل ويندوز 95، وتم إيقافها بعد ذلك من قبل مايكروسوفت؛ ولكن في ذلك الوقت كانت تُباع بسعر 50 دولاراً وتتضمن اللعبة الشهيرة «Pinball» التي لطالما قضيت وقتًا طويلًا أمامها.

كان الإصدار الأول من متصفح مايكروسوفت مبنيًا على الكود المصدري لمتصفح Mosaic وذلك بعد أن قامت مايكروسوفت بشراء حقوق الملكية من المطورين من Spyglass، كان حجم المتصفح لا يتعدى 1 ميجابايت

Internet Explorer 2

بعد ثلاثة أشهر فقط، أطلقت مايكروسوفت الإصدار الثاني من متصفح إكسبلورر وتحديدًا في أواخر نوفمبر من نفس العام وجلب الإصدار الجديد عددًا من الوظائف المهمة مثل دعم ملفات تعريف ارتباط المتصفح والجافا سكريبت و بروتوكول التشفير SSL، وفي أبريل من عام 1996 كان هناك إصدار من متصفح إنترنت إكسبلورر على أجهزة الماك لآبل ووفر مزيدًا من الوظائف أهمها دعم الصيغ و التنسيقات الصوتية والفيديو ليكون المستخدم قادرًا على تشغيلها على صفحات الإنترنت دون مشكلة.

Internet Explorer 3

بعد مرور أربعة أشهر، قررت الشركة إطلاق الإصدار الثالث للمتصفح، وفي هذا الوقت كان إنترنت إكسبلورر يحاول الدخول في منافسة مع المتصفح الأكثر شعبية "Netscape" المملوك لشركة AOL، وقدم الإصدار الثالث من إكسبلورر بعض الميزات ومنها دعم مشغل الوسائط "RealPlayer" بجانب "Windows Media Player" بالإضافة إلى دعم الفريمز أو الإطارات والتي تتيح تشغيل صفحتي ويب في صفحة واحدة وأخيرًا دعم "ActiveX" وهو برنامج يسمح للأدوات والتطبيقات بمشاركة الوظائف والبيانات مع بعضها بواسطة متصفح الويب.

Internet Explorer 4/5/6

أطلقت مايكروسوفت الإصدار الرابع والخامس من إنترنت إكسبلورر مع بعض الميزات العادية، لكن في أواخر أغسطس 2001 تم إطلاق الجيل السادس من متصفح IE والذي حصل على تصميم جديد بالتزامن مع إطلاق Windows XP الذي اكتسب شعبية عارمة بين المستخدمين حتى وقت قريب، وكانت هذه المرحلة هي الأفضل لمتصفح إنترنت إكسبلورر حيث استطاع أن يتربع على عرش متصفحات الإنترنت مع حصة سوقية وصلت إلى حوالي 95% أما متصفح نيتسكيب فقد تم شراؤه من قبل شركة AOL التي أهملته إلى أن أصبح خارج المنافسة.

وفي عام 2008 انتهى رسمياً دعم منافس مايكروسوفت في المتصفحات، وبداية من هنا أصبح واضحًا أن مايكروسوفت قد اطمأنت لعدم وجود منافسة وأن متصفحها لا يمكن هزيمته، وبالتالي لم تهتم بتحديثه واستغرقت خمس سنوات كاملة حتى تُطلق الجيل السابع للمتصفح.

كان يتربع الإصدار السادس من إنترنت إكسبلورر على نسبة 80% من السوق، وكان بالفعل أكثر المتصفحات شهرة على الإطلاق في هذا الوقت، كان هذا الإصدار يضم الكثير من التحسينات والابتكارات، كإمكانية تغيير حجم الصورة تلقائياً، وتخصيص شريط أدوات للصور وآخر للوسائط، ومعاينة الطباعة، بالإضافة إلى إمكانية إدارة ملفات تعريف الارتباط والمزيد..

هل تعلم؟

في عام 2009، بدأ موقع يوتيوب بإيقاف الدعم عن الإصدار السادس من إنترنت إكسبلورر، وتم تثبيت لافتة تظهر فقط لأولئك الذين يستخدمون هذا الإصدار، تخبرهم بأهمية الانتقال إلى جوجل كروم، فاير فوكس، أو الإصدار الثامن من إنترنت إكسبلورر

Internet Explorer 7

ننتقل إلى عام 2006 حيث تم إطلاق الجيل السابع من المتصفح، ومع ذلك لايزال إنترنت إكسبلورر 6 هو الأكثر شعبية إلا أن إنترنت إكسبلورر 7 كان الأول من نوعه الذي يدعم علامات التبويب لكي تتمكن من تصفح مواقع كثيرة بسهولة، علاوة على ذلك، قامت مايكروسوفت بتثبيت متصفحها هذا بشكل مسبق على نظامها Windows Vista.

Internet Explorer 8

الجيل الثامن من المتصفح جاء في مارس من عام 2009 وكان مثبتًا بشكل مسبق على ويندوز 7 وهذا الإصدار هو الأول الذي يوفر ميزة التصفح الخاص كما ظهرت أدوات المطورين حيث سُمح لهم بتصحيح الأخطاء في مواقع الويب عبر إنترنت إكسبلورر.

Internet Explorer 9

على عكس المتوقع، جاء إنترنت إكسبلورر 9 في 2011 وحيدًا ودون التزامن مع إطلاق نظام ويندوز جديد لكنه كان يوفر ميزات رائعة أهمها دعم لغات برمجة مثل HTML5 و CSS3.

Internet Explorer 10/11

ظهر في عام 2012 وفي أثناء إطلاق ويندوز 8 و أجهزة سيرفيس اللوحية، ومن ضمن الميزات الجديدة التي وفرها أنه كان يدعم الفلاش بدلًا من قيام المستخدم بتثبيت إضافات أخرى، وفي 2013 تم إطلاق إنترنت إكسبلورر 11 ولم تكن هناك ميزات جديدة كما عودتنا مايكروسوفت بل كانت الإضافات عبارة عن تحسينات في المتصفح مثل دعم الشاشة عالية الجودة.

Internet Explorer 11

Microsoft Edge

تم إطلاق متصفح إيدج بتاريخ 29 يوليو 2015 وكان مثبتًا مسبقًا في ويندوز 10، ويمكن القول بأن إيدج هو إنترنت إكسبلورر 12 لكن الاسم قد تغير فقط مع بعض الميزات والتحسينات الجديدة وتغييرات بسيطة في التصميم لكن لم يقدم الكثير للمستخدمين في الوقت الذي استطاعت جوجل عبر متصفحها كروم أن تهيمن على السوق وظهر سفاري متصفح آبل الذي جعلته هو الآخر مثبتًا مسبقًا عبر أجهزتها المختلفة وهناك متصفحات أخرى استطاعت أن تحصل على نسبة من السوق مثل أوبرا وبالطبع فايرفوكس.

أهم الأسباب التي أدت إلى فشل متصفح مايكروسوفت

عندما ظهر متصفح إنترنت إكسبلورر في أغسطس 1995، أدى نجاحه إلى القضاء على متصفح "Netscape Navigator" الذي كان رائدًا حينها وفي أوج قوته، لكن مع بزوغ متصفح مايكروسوفت وتثبيته مسبقًا في نظام الويندوز، سيطر إكسبلورر على 95% من سوق المتصفحات.

لكن مايكروسوفت فشلت في مواكبة المنافسة وبدأ إنترنت إكسبلورر يفقد الاحترام بين المستخدمين لضعف مستوى الأمان وصعوبة التنقل بسلاسة بين صفحات الويب والبطء الذي أصاب المستخدمين بالملل والانزعاج.

ومع ذلك، لم يستسلم المتصفح الذي يعيش عبر أجهزة دعم الحياة وحاولت مايكروسوفت تنشيط صورتها من خلال الاعتراف بوجود مشاكل في متصفحها، ولهذا في عام 2012 أطلقت حملة إعلانية مرحة تسخر من كراهية المستخدمين للمتصفح وأعادت تسمية إكسبلورر إلى "المتصفح الذي أحببت أن تكرهه".

لم تنجح هذه الحملة، واستمر متصفح إنترنت إكسبلورر في الانحدار نتيجة لعدم استغلال الميزات التي يمتلكها باعتباره الأول والأكثر شعبية، وعدم الاهتمام بتطويره والاكتفاء بالاعتماد على احتكار مايكروسوفت لسوق المتصفحات. إلا أن ظهور متصفحات أخرى قوية أوضح للمستخدم أن إنترنت إكسبلورر لم يكن منتجًا جيدًا على الإطلاق، حيث تعرض لمشاكل في الأمان ولا ننسى البطء والانتظار الذي لا ينتهي من أجل تصفح الويب بالإضافة للمشاكل الأخرى التي كان يواجهها المستخدم في أثناء الاعتماد على متصفح مايكروسوفت، وهنا وضع موزيلا فايرفوكس وجوجل كروم أول مسمار في نعش متصفح مايكروسوفت.

 ثم جاء المسمار الثاني عندما كشف مهندسو مايكروسوفت الذين عملوا على إنترنت إكسبلورر أن الشركة كانت تفكر في إعادة تسمية المتصفح بسبب المشاكل والتصورات السلبية التي كان يتخيلها أي شخص بمجرد الحديث عن إكسبلورر، لكن فات الأوان حيث تدمرت سمعة إنترنت إكسبلورر بالفعل بالرغم من إطلاق إيدج في 2015 (يمتلك حاليًا أقل من 4% من سوق المتصفحات).

أما المسمار الثالث في نعش متصفح إنترنت إكسبلورر فقد جاء من التقليد، حيث سعت الشركة إلى جلب الميزات التي تقدمها المتصفحات الأخرى مثل كروم وفايرفوكس وغيرهما ووضعها في إنترنت إكسبلورر ولكن لم يفلح الأمر لأن المستخدم وجد ضالته في متصفح آخر سريع وآمن وقوي وهذه الصفات افتقر إليها متصفح مايكروسوفت، وحتى لو أصبح إكسبلورر هكذا فلن يحصل على ثقة المستخدم بتلك السهولة كما أنه تعود على المنتج الجديد وبالتالي فشلت الشركة مرة أخرى في الدخول لسباق المنافسة.

الغرور هو المسمار الأخير في نعش إنترنت إكسبلورر ودائمًا ما يقتل الغرور صاحبه، ولعل نوكيا أكبر دليل على ذلك حيث شعرت بالغرور بعد هيمنتها على سوق الهواتف الذكية ولهذا قررت عدم فعل أي شيء أو محاولة تطوير منتجاتها وبالطبع كانت هناك شركات أخرى قادمة بقوة وتهتم بها نوكيا وحتى عندما بدأت تشعر بها كان الأوان قد فات وظهرت هواتف الأندرويد والآيفون واختفت نوكيا للأبد، وبشكل مشابه، لم تهتم مايكروسوفت لظهور متصفحات جديدة، بل تجاهلت نواة كروميوم مفتوحة المصدر، والتي أثبتت كفاءتها على المتصفحات الأخرى، حتى اضطرت مايكروسوفت بعد فوات الأوان إلى إعادة تقديم متصفح إيدج مبنيًا على تلك النواة.

أخيرًا، ربما تحبه أو تكرهه لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها، وهي أن الكثير منّا نشأ وكبر معه، وداعًا إنترنت إكسبلورر الذي كان أحد متصفحات الويب الشهيرة والقوية، لكنه الآن إلى مقبرة التاريخ بعدما قررت مايكروسوفت إطلاق رصاصة الرحمة على متصفحها بعد حوالي 27 عامًا من العمل والنجاح والتفوق والبطء والخذلان وانعدام الثقة والملل والخسارة.