هل سألت نفسك يومًأ عن تاريخ مواقع التواصل الاجتماعي والأساس الذي بنيت عليه اليوم، كيف ظهر فيسبوك وإنستغرام؟ ربما تعتقد أن الفضل يعود إلى مارك زوكيربيرج وعبقريته، ولكن في الحقيقة، ليس هو أول من قدم إلينا هذه الفكرة التي أصبحت أساسية في حياتنا، وإنما كان الفضل في ذلك إلى موقع آخر ربما لم تسمع عنه من قبل، قدم فكرة بسيطة جدًا، ولكن ساعدت في تشكيل ما يبدو عليه الإنترنت اليوم، بجوانبه الجيدة والسيئة.

دعني أخبرك قبل أن نتطرق إلى محتوى المقال، أن جميع مواقع التواصل الاجتماعي اليوم مبنية على موقع تم شراؤه في عام 2012 بواسطة شركة "Bumble"، وهو تطبيق مخصص للمواعدة!

موقع HOTorNOT وتاريخ مواقع التواصل الاجتماعي وبداية ظهورها

للتعرف على تاريخ مواقع التواصل الاجتماعي، سنعود إلى أوائل الألفية الثانية وقبل كل ذلك التزاحم المشهود في وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر موقع "HOTorNOT"، والذي تأسس على يد طالبين في جامعة كاليفورنيا في بيركلي. فكرة الموقع الأساسية تعد المحرك الأول للعديد من المواقع اللاحقة التي تأثرت بفكرته بشكل أو بآخر. يعتمد الموقع على نشر الفرد لصوره الشخصية وانتظار تقييم أشخاص مجهولين لشكله، وتحديد ما إذا كان "HOT" أو "NOT". لا تقف فكرة الموقع عند هذا الحد، وإنما أيضًا يخول للغرباء إعطاء تقييم من 1 حتى 10 بناءً على المظهر. لم يكن الغرض من الموقع إلا إضفاء القليل من المتعة والمرح، ولم يكن مؤسسا الموقع آنذاك يعلمان أنهما يغرسان نواة الكثير من بنية مواقع التواصل الاجتماعي اليوم.

بناء أساسات مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المواعدة أيضًا

حيث قدم موقع HOTorNOT أفكارًا كانت الأولى من نوعها، كإمكانية إنشاء حساب شخصي، ورفع صورتك عليه، ولا نتحدث هنا من الناحية البرمجية فقط، وإنما كانت الفكرة جديدة على المستخدمين أيضًا، حيث كان يُنظر إليها على أنها مخاطرة أن تفتح حسابًا يمكن لأي حد الوصول إليه ورؤية صورتك الشخصية، فلم تكن الثقافة العامة وتعامل البشر مع الإنترنت في هذا الوقت منفتحة إلى هذا الحد.

"لقد كان نوعًا من الصدمة، فكرة أن الناس سيحمّلون صورهم بالفعل ويختارون تصنيفها".

- إيفان ويليامز ، الشريك المؤسس لموقع تويتر

ومع ذلك تمكن الموقع بفكرته البسيطة أن يحقق نجاحًا مهولًا في فترة قصيرة، ما دفع مطوري الموقع إلى إضافة خاصية أخرى وهي إمكانية مقابلة الشخص الذي يعجبك عبر الضغط على "Meet Me"، شكلت تلك الخاصية أساسًا آخر لعالم الإنترنت الذي نستخدمه اليوم، ونقطة محورية في بداية ظهور تطبيقات المواعدة والمقابلة عبر الإنترنت ولكنه لم يكن الموقع الأول الذي يقدم هذه الخدمة، ولكنه ساعد في تقديمها بشكل مختلف.

تاريخ مواقع التواصل الإجتماعي: موقع HOTorNOT

هل تعلم؟

ظهرت فكرة تطبيقات المواعدة لأول مرة في خريف عام 1965 عندما استخدم اثنان من طلاب جامعة هارفارد جهاز كمبيوتر IBM 1401 لإنشاء أول خدمة مطابقة تعتمد على الكمبيوتر في الولايات المتحدة، والذي كان يتم عبر استبيان يتكون من 75 سؤالًا للمتقدمين، كان العزاب يرسلون استبياناتهم بالبريد (مع رسوم 3 دولارات) ويتلقون في المقابل قائمة بالمطابقات التي تم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر.

حيث كان ينظر إلى تطبيقات المواعدة في ذلك الوقت على أنها خيارات موجهة للجمهور الأكبر سناً أو اليائس؛ ولكن نظراً لأن موقع HOTorNOT كان بمثابة "تيك توك هذه الفترة" حيث كان يستهدف الشباب الأصغر سنًا، ساعد الموقع في تقبل الجيل الجديد لفكرة الاختلاط عبر الإنترنت، كما قدم بعض المفاهيم التي تستخدم في تطبيقات المواعدة حتى يومنا هذا، كإمكانية اختيار كلمات مفتاحية تمثل اهتماماتك وكتابة مقدمة سريعة عن نفسك، ثم تبدأ في البحث عن مطابقات بأسلوب السحب، بطريقة مشابهة جدًا لتطبيق تندر، ولكن قبل ظهور الهواتف الذكية.

تويتر، يوتيوب، وحتى خرائط جوجل.. جميعها مواقع كان لـ HOTorNOT الفضل في ظهورها

ساعد موقع HOTorNOT في تشكيل مصطلح "ويب 2.0" الذي نستخدمه حتى اليوم، فكان نقطة التحوّل بين كون الإنترنت مجرد وسيلة لإنجاز المهام، إلى جعله منتجًا أساسيًا في حياة المستهلكين. وذلك عبر إلهام الكثير في تقديم مواقع مبنية على نفس الفكرة، فظهر يوتيوب في 2005 بنفس الفكرة المتمثلة في تقييم الأشخاص، ولكن عبر مقاطع فيديو وليس مجرد صور.

"كنا في العشرين من العمر نحاول أن نفهم معًا كيف يمكنك تحويل العالم عبر تقديم الإنترنت للمستهلكين، وهي فكرة نأمل أن يحتاجها العالم أو يريد استخدامها. كانت HOTorNOT واحدة من الشركات الرائدة في ذلك".

- ستيف تشين ، أحد مؤسسي يوتيوب

ساعد الموقع أيضاً على ظهور تويتر، وذلك عبر تقديم استضافة مجانية للعصفور الأزرق عندما كان مازال يحاول أن يتعلم الطيران، وبالمثل كان موقع Bittorrent و Zipdash الذي أصبح فيما بعد خرائط جوجل.

وبشكل عام، أثبت موقع HOTorNOT أنه يمكنك تحقيق ربح مادي دون أن تنفق سنتًا واحدًا في التسويق، فكل ما يتطلبه الأمر هو فكرة جذابة تنتشر كالنار في الهشيم، ولكنه كذلك ساعد في ظهور أكثر الجوانب التي نكرهها في عالم الإنترنت.

مواقع التواصل الاجتماعي اليوم ليست إلا مرآة رقمية تحمل الحمض النووي لـ HOTorNOT

دعني أسألك، كيف يستخدم أغلبيتنا إنستغرام على سبيل المثال؟ ألا يتلخص الأمر في رفع صورنا الشخصية على المنصة وانتظار الحصول على تفاعلات وتعليقات نستمر في عدها والتباهي بها؟ بالطبع ستكون فكرة إنشاء موقع اليوم يقوم بتقييم الأشخاص بناءً على شكلهم فقط وإعطائهم رقمًا من 10 مهينة لأبعد حد، وسيهاجمها الكثيرون ولكن في أعماق هذه الفكرة السطحية تولدت جميع وسائل التواصل الاجتماعي التي نعاصرها الآن.

فإذا نظرنا للعديد من مواقع التواصل مثل فيسبوك وإنستغرام، ففكرتها الرئيسية مشابهة للغاية. فـ فيسبوك أسسه مارك زوكربيرج في البداية كموقع يمكن من خلاله مقارنة مظهر زملاءه عن طريق صورهم الشخصية، وكان وقتها يدعى "FaceMash". وإنستغرام أيضًا، فيمكنك أن تعده النسخة الحديثة من "HOTorNOT"، فعلى منصة إنستغرام، نقوم بتحميل صورنا وننتظر، وعندما لا نستقبل التفاعل الذي ننتظره، نصاب بالحزن، القلق، الاكتئاب وعدم الثقة!

  • اقرأ أيضًا: تطبيق Phhhoto يتهم مارك بسرقة فكرته.

والفكرة الأساسية التي شكلت نواة تلك المواقع هي فكرة "اللذة الحظية"، فإذا وجدت أن مظهرك قد نال الكثير من الاستحسان وجذب الكثير من المعجبين، فإنك ستشعر على الأغلب بأنك مميز، سيتضخم إحساسك بذاتك وبأنك جدير حقًا بالإعجاب. من هنا برز ما يدعى "عرض الذات"، وهو المحفز الرئيسي لنشر صورنا، تعليقاتنا، آرائنا وكتابتنا. ولهذا لم يتوقف الأمر عند ذلك وحسب، ولكنه زاد سوءًا.

فحتى ينال الشخص أكبر قدر من الاستحسان، فإنه يحرص على عرض نفسه في أحسن صورة ممكنة. ولذلك، أصبح رواد تلك المواقع يستخدمون كل الحيل، ليظهروا أنفسهم في أسمى حال، ويظهروا حياتهم وكأنها الأفضل، لا فشل ولا تخبطات، فقط حياة مثالية خالية من أية أخطاء. هذا هو ما سيجلب الكثير من الامتداح، وهذا هو المطلوب.

من تقريب المسافات إلى تدمير ثقة المستخدمين في أنفسهم

أدى ذلك إلى تصور مشوه للإنسان عن نفسه، فأصبحت تلك الوسائل التي كان يقصد بها تسهيل التواصل بين البشر في شتى بقاع الأرض، مجرد أماكن لعرض "الأنا" المتضخمة التي أصابت الكثير من روادها. فتلك اللذة اللحظية التي واكبت الإعجاب الذي ناله هؤلاء الأشخاص، كان تأثيره كالإدمان. فمن الناحية الكيميائية، يفرز المخ هرمون الدوبامين عند الشعور بالسعادة وفي حالات النشوة، ولكنه لا يكتفي بذلك، وإنما يحاول المخ التعرض بشكل أكبر للعوامل التي زادت من إفراز هذا الهرمون، وهو ما يجعل وسائل التواصل الاجتماعي تحمل في طياتها ميولًا إدمانية.

وحسب دراسات حديثة، فإن انتشار أساليب تعديل الصور وتجميلها له إسهام كبير في زيادة عمليات التجميل وتغير معايير الجمال. أصبح العالم ينظر للجمال بمعايير جديدة، يكون على الشخص أن يواكبها. ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تطبيق تلك المعايير والقواعد بما أصبحت تتضمنه من أنها توفر عالمًا افتراضيًا كاملًا، لك فيه مطلق الحرية أن تكون من تشاء، وأن تعدل من صورتك ومظهرك، أو حتى شخصيتك، لتوافق هوى معينًا أو تنال قدرًا أكبر من الاستحسان.

وفي تجربة أجريت، تم تعريض عدد من الفتيات إلى صور لفتيات أخريات يتمتعن بالجاذبية، وتم سؤالهن قبل وبعد عن مدى تصنيفهن لشكلهن وجسدهن. وجد أنه بعد التعرض للصور، قل الرضا النفسي بشكل كبير جدًا عن الشكل والمظهر، وتأثرت الصورة الذاتية بشكل سلبي.

تشير الدراسات أيضًا إلى أن الفترة التي شهدت تقدمًا في تقنيات وسائل التواصل الاجتماعي، شهدت أيضًا زيادة في أعداد المصابين باضطراب نفسي معين يسمى باضطراب تشوه الجسم، والذي يتلخص في وضع معايير معينة للجسم والشكل ما يسبب اضطرابات وضعف من النواحي الاجتماعية والمهنية.

اضطراب آخر بدأ في الظهور مع التطورات التكنولوجية الأخيرة، هو اضطراب "القلق الرقمي"،وهو القلق من عدم استقبال الإعجاب المتوقع، أو الظهور بمظهر لا يليق، ولذلك أصبح الجميع في قلق مستمر، متوجسين خيفة أن لا يطابقوا المعايير التي وضعها آخرون خائفون أيضًا.

بالطبع تتوافر حلول لاحتواء حجم التشوه الذي تسبب فيه الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي، وأول تلك الحلول هو الإيمان بالمشكلة نفسها، وأن يوقن المجتمع بأن ثمة شيء خاطئ يحدث، وبعد ذلك، يمكن وضع الأمور في نصابها الصحيح. ولا نقول هنا بمقاطعة وسائل التواصل بشكل كلي أو تجاهلها، وإنما يجب البدء في نشر الوعي حول الآثار النفسية التي يمكن أن يتسبب بها الاستخدام الخاطئ لوسائل التواصل الاجتماعي، ومدى تأثير ذلك على المجتمع ككل.

الخلاصة.. كان لموقع HOTorNOT الفضل الأكبر في التطبيقات التي نستخدمها اليوم

سواء كنت تستخدم فيسبوك، إنستغرام، أو تويتر، أو حتى يوتيوب، فجميعها تطبيقات كان لموقع HOTorNOT الفضل في ظهورها ومن ثم بداية تاريخ مواقع التواصل الاجتماعي، فبفكرته البسيطة تمكن من تكوين أساسات الإنترنت الذي نستخدمه اليوم، ولكنه ساعد كذلك في ظهور الجانب المظلم من تطبيقات التواصل الاجتماعي وكيف أثرت سلباً على مستخدميها ووضعت معايير لهم تصنفهم حسب عدد التفاعلات التي يحصلون عليها.