تصفح الإنترنت من المريخ .. خيالً علمي أم واقع سيعيشه المريخيون في المستقبل؟
0

يُعتبر المريخ الكوكب الأكثر أهمية بالنسبة للبشر من بين جميع الكواكب الموجودة في الفضاء الشاسع. فبالرغم من أن المريخ لا يملك أدنى مقومات الحياة التي نعرفها، إلا أن ذلك لم يمنع من جعله هدف البشر الأول للاستيطان خارج الكرة الأرضية. فمن المتوقع أن تنطلق أول رحلة مأهولة بالبشر إلى المريخ في عام 2033. وبالرغم من الرؤى والمفاهيم المستقبلية الواعدة المطروحة من قبل العلماء لحل المشاكل الأساسية التي تمنع أي كائن حي أرضي من الاستقرار على سطح المريخ؛ إلا أن الأشخاص الذين ينوون السفر إليه يطالبون بما هو أكثر من الغذاء والأوكسجين. بالطبع لا أحد يريد العيش في بيئةً لا تحتوي أحدث التقنيات الموجودة على الأرض أساساً. لذلك هناك سؤالٌ واحدٌ يشغل بال العديد من سكان المريخ المستقبليين؛ هل سنستطيع الولوج لشبكة الإنترنت من خارج حدود الأرض؟!

الخطوة الأولى تمت بنجاح

في سابقة تاريخية، نجحت وكالة ناسا في عام 2010 بربط محطة الفضاء الدولية، المركبة الوحيدة الموجودة في الفضاء والمأهولة بالبشر (عددهم ثلاثة وقت كتابة هذا المقال)، مع شبكة الإنترنت الموجودة على سطح الأرض. ومن خلال هذا الاتصال نشر رائد الفضاء TJ Creamer على حسابه الشخصي في تويتر، التغريدة الفضائية الأولى، وليصبح حينها حديث العالم بأسره.

 

لقد كانت طريقة اتصال محطة الفضاء الدولية بالإنترنت وقتها معقدةً وصعبة. فقد تمت عن طريق إنشاء عدة روابط متسلسلة بين عدة أقمار صناعية تتصل بحاسوب موجود على سطح الأرض ومن خلاله يتم الولوج للإنترنت. ونعم لم تكن طريقة سهلة ولكنها كانت آمنة، حيث أن أي إصابة بفيروس إلكتروني ستصيب الحاسوب الأرضي ولن تصل للمحطة أبداً. وبالتأكيد حصلت تطورات عديدة منذ عام 2010 لسرعة الإنترنت في محطة الفضاء الدولية حتى وصلت الآن إلى سرعة 600 ميجا بِت في الثانية، وهي أسرع من الإنترنت الموجود في بيوت الكثيرين منكم!

هل حان دور المريخ ليتصل بالإنترنت.. أم ليس بعد؟

أصبحت مشكلة الاتصال بالإنترنت بالنسبة لمحطة الفضاء الدولية جزءاً من الماضي. وافتراضياً، طريقة ربط المريخ مع شبكة الإنترنت تشابه طريقة الربط التي تمت في محطة الفضاء الدولية ولكن على مجال أوسع. إلا أننا عندما ننتقل للفضاء الخارجي تظهر تحديات أكبر تمنع حدوث ذلك ببساطة وإليك أهم تلك التحديات:

الأشعة الكونية

الأشعة الكونية

عملياً، أي ارتفاع يتجاوز 100 كيلو متر فوق سطح الأرض يُصنف على أنه جزء الفضاء الخارجي. ومحطة الفضاء الدولية وجميع الأقمار الصناعية تحلق على ارتفاع 400 كيلو متر. فهي تدور ضمن ما يُعرف باسم المدار الأرضي المنخفض والذي يمتد على طول الطبقة الأخيرة من الغلاف الجوي. ولأن الغلاف الجوي الأرضي يشمل منطقة المدار الأرضي المنخفض كانت كل المركبات البشرية تدور فيه؛ باستثناء تلك التي وصلت للقمر.

ويعود سبب تحليق أغلب المركبات الفضائية في المدار الأرضي المنخفض إلى أن الغلاف الجوي يصدّ الأشعة الكونية الضارة القادمة نحو الأرض والتي تُعتبر العدو الأول لأي جهاز إلكتروني. حيث تقوم الأشعة الكونية بتخريب عمل الأجهزة الإلكترونية عن طريق قلب أي بِت من 0 إلى 1 أو بالعكس. وكما هو معروف فإن نظام العد الثنائي (0،1) هو أساس عمل الأجهزة الإلكترونية. ففي المدار الأرضي المنخفض لا تحتاج المركبات الفضائية لطبقة من الحماية ضد الأشعة الكونية، إلا أنها تصبح ضرورية برغم تكلفتها المرتفعة عندما نتكلم عن الفضاء الكوني البعيد.

المسافة بين الأرض والمريخ

الأرض المريخ الكوكب الأحمر

إن حدود سرعة الإنترنت القصوى تقف عند سرعة الضوء، التي تبلغ تقريباً 300 مليون كيلو متر في الثانية. وبمعرفة المسافة بين الأرض والمريخ يمكننا استنتاج أن البيانات تحتاج 4-8 دقائق لتصل من الأرض للمريخ أو بالعكس (تختلف بتغير المسافة بين الأرض والمريخ بسبب حركتهما المستمرة). ولكن زمن الإرسال هذا ليس حقيقياً، فهناك عوامل أخرى تؤثر عليه مثل أن تتموضع أي عوائق كالكويكبات والمذنبات والنيازك وأي أجسام بين الأرض والمريخ؛ مما سيزيد زمن الإرسال لمدة 16-36 دقيقة.

إذاً على الأغلب أنك سوف تقوم ببعض النشاطات في الوقت الذي سوف تنتظر فيه ليتم تحميل الموقع الذي تريد فتحه من على سطح الكوكب الأحمر!

مشاكل أخرى يجب حلها

إن البيئة الفضائية المليئة بالإشعاعات دفعت العلماء إلى عدم تشفير البيانات المرسلة إلى مركبة فضائية. حيث إن الخوف الأساسي هو من تخريب مفتاح تشفير البيانات أثناء إرسالها في الفضاء وبالتالي فقدان البيانات. إن البيانات غير المشفرة هي عرضة لمحاولات الاختراق من قبل الهاكرز؛ وهذه مشكلة خطيرة يجب حلّها.

بالإضافة لذلك فإن الأقمار الصناعية المرسلة للمريخ ستخلق مشاكل عديدة من بينها الحرارة العالية. فالفضاء الخارجي هو بيئة معدومة الهواء، أي أن طريق التبريد الاعتيادية، مثل المراوح، لن تعمل فيه. كما أن مشكلة الصيانة التي يجب إجراؤها بسبب حدوث أي خلل، هي أمر ليس من السهل إجراؤه أبداً في الفضاء.

إذاً، ما هي الحلول المطروحة؟

المريخ

بالرغم من عدم وجود حلول سهلة لمشكلة عدم القدرة على تشفير المعلومات، إلا أن وكالة الفضاء الأوروبية أرسلت في العام الماضي جهازاً إلى محطة الفضاء الدولية لتجربة حلّين مطروحين.

أحد الحلول يتضمن ربط مفتاح تشفير ثانوي مع العتاد الفيزيائي في المحطة حتى إذا تعرض المفتاح الرئيسي للتخريب يتم توليد مفتاح آخر من خلال المفتاح الثانوي. والحل الآخر هو وضع عدة معالجات متطابقة تماماً يعوض إحداها عمل الآخر. ومن المتوقع أن تستمر التجربة لنحو عام على الأقل.

في المقابل، طرحت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا حلولها الخاصة التي تقوم على إنشاء بروتوكول اتصال جديد يناسب بيئة الفضاء الخارجي والتحديات التي تطرحها. يهدف البروتوكول المطروح إلى حل مشكلة الانقطاعات في شبكة التواصل التي سوف تربط الأقمار الصناعية ببعضها. هذه الانقطاعات قد تحدث بسبب الحركة الدائمة للكواكب في الفضاء والتي قد تمنع الاتصال المباشر. إن إرسال البيانات من الأرض للمريخ سيتم عبر عدة عقد (أقمار صناعية) بحيث تنتقل البيانات من عقدة لعقدة أخرى حتى تصل للهدف، وهنا يأتي الدور الأساسي للبروتوكول في حفظ البيانات من الضياع في كل عقدة إلى أن يصبح الاتصال ممكناً بالعقدة القادمة. سمي هذا البروتوكول باسم نظام الاتصالات المتعامل مع التأخير والاضطراب (DTN).

شركة نوكيا تشارك رحلة الإنترنت العابر للكواكب

نوكيا القمر ناسا

فازت شركة نوكيا مؤخراً من بين 14 شركة بعقد طرحته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا لتوفير الإنترنت والاتصالات على سطح القمر. حيث تسعى ناسا لإعادة إرسال البشر إلى سطح القمر بعد انقطاع دام 38 سنة منذ عام 1972. وسوف تقوم شركة نوكيا ببناء أبراج اتصالات تعتمد على تقنية 4G والتي سوف تقوم بتطويرها لتقنية 5G لاحقاً. كما أن المعدات التي سترسلها نوكيا للقمر سوف تكون خفيفة الوزن لسهولة نقلها وستكون قادرة على العمل في الفضاء بكفاءة.

من المخطط أن تنطلق رحلتان تجريبيتان للقمر في عام 2021 و2023 قبل أن تنطلق المهمة الأساسية في عام 2024. حيث تهدف ناسا لإقامة قاعدة بشرية ثابتة على سطح القمر يقيم فيها رواد الفضاء ويبقون فيها على اتصال دائم ومباشر وسريع مع الأرض من خلال نظم الاتصالات التي ستقوم نوكيا بتركيبها هناك. تُعد هذه خطوة مثالية لأنها سوف تكون بمثابة دراسة عملية نستطيع منها معرفة ما نحتاجه تماماً لتأمين الاتصالات لرحلات المريخ في المستقبل.

 

الإنترنت في المريخ.. هل هو حلم يمكن تحقيقه؟

تصفح الإنترنت من المريخ

بالرغم من الأبحاث الجادة التي تجري على قدمٍ وساق لإنتاج رؤية واضحة نستطيع من خلالها طمأنة المسافرين للمريخ بأنهم سيشعرون كما لو أنهم على الأرض عندما سيتصفحون الإنترنت؛ إلا أن هذا الموضوع يبدو صعب التحقيق في الوقت الحالي. ولكن من يعلم، فلربما سيقوم شخص مريخي خلال العقد القادم بقراءة هذا المقال وسيشاركه من خلال حساباته على التواصل الاجتماعي مع أصدقائه الأرضيين ليذكرهم ببعض عقبات الماضي التي تم تجاوزها.

0

شاركنا رأيك حول "تصفح الإنترنت من المريخ.. خيالٌ علمي أم واقعٌ سيعيشه المريخيون في المستقبل؟"