1

لو نظرتَ إلى الرّسم البياني لتطوّر الإنسان الحضاري بشكلٍ عام منذ فجرِ التّاريخ لوجدت أنّ خطّ سيره ليس ثابتاً أو منتظماً، بل متقطّعاً ومتغيّراً ويتقسّمُ إلى محطّاتٍ ومراحل محدّدة، وكلُّ عصرٍ يبدأُ باكتشافٍ أو ابتكارٍ أو تقنيّة جديدةٍ تُحدِثُ ثورةً في حياة البشر ونقلةً نوعيّة تُغيّر معها السّمات الحياتيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والعسكريّة للمجتمعاتِ البشريّة. من بين تلك الاكتشافات والاختراعات كانت اكتشافِ النّار وابتكار الفأس واختراع الطابعة والبارود والمحرّكات والكهرباء والإنترنت وغيرها من الأمثلة الكثيرة.

كما أنّك تُلاحظ أنّ الخطّ البيانيّ هذا يبدأُ بطيئاً في التغيّر ثم يتسارعُ تدريجياً، حتّى جُنَّ جُنونه في القرنين الماضيين مع بدءِ الثورات الصّناعية وأصبح متسارعاً لدرجةٍ تَشعُرُ أنّه يُسابق الإنسانَ نفسه ولم يعد هذا الإنسان قادراً على اللحاق بهِ. فترى أنّ الفجوةَ العلمية والتقنية قد اتّسعت كثيراً بين المجتمعات البشريّة والدوّل وأصبحَت مُقسّمةً إلى عالمٍ أوّل وثانٍ وثالثٍ ورابع. ورُبما تَصْدُقُ أفلامُ الخيال العمليّ بأنّه سيسبق الإنسانَ حقّاً ليكمل سيره المُتسارع مع الرّوبوتات والأجهزة الذكيّة التي بدأت تتفوّق على الإنسانِ ذكاءً وقدرةً في الكثير من المجالات.

هذا الانفجارُ التّقنيّ والعلميّ الذي نتحدّث عنه بدأ مع انطلاق الثّورة الصّناعيّة الأولى في بريطانيا مع نهاية القرن الثّامن عشر وبداية القرن التّاسع عشر، والتي غيّرت المجتمعات البشريّة ومدّنتها ورسمت ملامح الحضارة الإنسانيّة المُعاصرة بأبعادها الاقتصادية والتقنية والسياسية والاجتماعيّة. ثمّ ازدادت تسارعاً مع الثورة الصناعيّة الثانية الأميركية والثّالثة الرّقمية التي نعيش في ذروتها الآن، وظهرت ملامح الثورة الصناعية الرابعة وبدأت تتشكّل استناداً على الثّورة الرّقمية الثالثة.

فما هي هذه الثّورات الصّناعية؟ وكيف بدأت؟ وما هي التّقنيات الجديدة التي جلبتها أو تشكّلت من خلالها وكيف أثّرت على حياة الإنسان وكيف سيكون المستقبل؟ فلنتعرّف على كُلّ واحدةٍ منها ونجيب على هذه التساؤلات معاً.

الثّورة الصّناعية الأولى: الشّرارة التي أشعلت الانفجار التكنولوجي

بدأت الثّورة الصّناعية الأولى في بريطانيا العُظمى في منتصف القرن الثامن عشر، عندما كانت بريطانيا تقود التّجارة العالميّة وتتحكّم فيها بشكلٍ كبيرٍ من خلال مستعمراتها في أميركا الشّماليّة والكاريبي وآسيا وأفريقيا والمساحات الواسعة التي تحتلّها من العالم، فكانَ تقدّمها الاقتصاديّ والتّجاري من أهم العوامل التي دفعت بانطلاق الثّورة الصّناعيّة، وكان من أبرز ملامحها مكننة الصّناعة وتحوّل العمود الفقريّ للاقتصاد الاجتماعي من الزّراعة إلى الصّناعة. وبدأ استخراج الفحم الحجريّ ودارت المحرّكات البخاريّة لتولّد نوعاً جديداً من الطاقة التي سرّعت عجلة الإنتاج والصناعة والنّقل على السكك الحديديّة وازداد نموّ الاقتصاد.

يُمكن تحديد أربعة عوامل رئيسيّة أسهمت في إطلاق الثّورة الصّناعية الأولى وهي الرأسمالية والامبريالية واستخراج الفحم الحجريّ والدّفع الذي شكّلته الثورة الزراعية.

الرأسماليّة كنظامٍ اقتصاديّ ساعد الأفراد الأثرياء للشروع في إطلاقِ مشاريعهم الخاصّة، وشكّلت النّواة الرئيسية الضرورية للتحوّل نحو الصّناعة، بعد أن كانت الحكومات تحتكر الاقتصادات القائمةً على التجارة فمنحت الرأسماليّة الأفراد حريّة إنشاء وإدارة أعمالهم ومشاريعهم الخاصّة. كانت تلك فكرةً ثوريّة في ذلك الوقت، وبدأ معها اقتصادٌ حُرّ تُديره عوامل العرض والطّلب والتّي سمّاها الاقتصاديّ الشهير آدم سميث بـ “الأيدي الخفيّة”. لذا أسهمت الرأسماليّة في إطلاق الثورة الصّناعية لأن الصناعة تتطلب إسهاماً واستثماراً كبيراً من الأفراد وأصحاب المال بدل حصرها في الحكومات.

الامبرياليّة والتوسّع الاستعماريّ بعد عصر الاستكشاف الذي سلكته دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال وألمانيا وبلجيكا لتشكيل إمبراطوريّات شاسعة من الأراضي المُحتلّة حول العالم كانت من أهم العوامل لإطلاق الثّورة الصناعية أيضاً. من خلال ما منحته لتلك الإمبراطوريّات من مصادرَ هامّة للموارد والمال والنّفوذ وما خلقته من أسواقَ عالمية كُبرى. فكانت تحصل من مستعمراتها على الموادّ الأوليّة التي تحتاجها المعامل الأوروبيّة للإنتاج البضائع، ثُمّ تُشحن تلك البضائع إلى إفريقيا مثلاً لُتستبدل بالعبيد، ليُشحنوا بدورهم إلى أميريكا الشّمالية والجنوبيّة لاستغلالهم في الزّراعة وإنتاجِ موادًّ جديدة كالقطن، واليي يُشحن أيضاً إلى أوروبا مرّةً أُخرى ليستخدم في صناعة النّسيج. هذه السيطرة العالمية للإمبراطوريّات الاستعماريّة شكّلت شبكةً اقتصاديّة كبيرة كانت دافعاً أساسيّاً لبدء دورة الإنتاج الصنّاعي الضّخم.

العامل الثّالث كان استخراج الفحم الحجريّ الذي كان أساسيّاً وجوهريّاً في الصّناعة. فهو كان الوقود الذي يُشغّل المحرّكات البخاريّة التي استعملت في القطارات والسفن والمعامل، هذه المحرّكات البخاريّة التي اخترعها توماس نيوكومين سهّلت الكثير من الأعمال حتّى عمليّة استخراج الفحم ذاتها حين استُعملت لضخّ المياه خارج مناجم الفحم.

العامل الأخير لانطلاق الثورة الصناعية كان الدّفع الذي قدّمته الثورة الزراعيّة التي بدأت بدورها في القرن السابع عشر واستمرّت جنباً إلى جنب مع الثّورة الصّناعية، وغيّرت معها تقنيات الزراعة وزادت من الملكيات الشخصيّة للأراضي الزراعيّة. فأدّت إلى انفجارٍ سكانيّ في الرّيف شكّل القوّة البشرية العاملة في المدن والبلدات الصّناعية.

أهمّ التقنيات التي ظهرت من رحم الثّورة الصّناعيّة الأولى

زادت أجهزة نسج القطن الميكانيكيّة التي تعمل على البخار أو الماء إنتاج العامل بحوالي 500 ضعف، والنّول الميكانيكي زاد من إنتاجية العامل بحدود الـ 40 ضعفاً، والمحلاج القطني الميكانيكي زاد من سرعة إزالة البذور من القطن بمعدّل 50 ضعفاً، هذه الإنجازات التقنية تنسحبُ أيضاً على صناعة النّسيج بشكلٍ عامٍ كالصّوف والكتّان.

القوّة البخاريّة المتولّدة من المحرّكات البخاريّة ساهمت بدورها في تطوير وسائط النقّل في البرّ والبحر وتشغيل المحرّكات وآلات المعامل وغيرها. كما أنّ الفحم المكتشف حديثاً أكثر إنتاجيّة من فحم “الكوك” وقلّل من الطاقة اللازمة في عمليّات التعدين وزاد من إنتاجيّتها. باختصار، شكّلت الثّورة الصناعية بداية ظهور الآلات والأجهزة الآلية الحركة كالمطاحن الآلية وآلات الحفر ومعامل النّسيج.

التقنيات التي ظهرت في الثورة الصناعية الاولى قبل الثورة الصناعية الرابعة

 

للثورة الصّناعيّة الأولى أهميّة كُبرى حيث يعتبر بعض المؤرّخين أنّها ما زالت مستمرّة حتّى يومنا هذا، وأنّ الثورات الثانية والثالثة ما هي إلّا جزء من هذه العمليّة ومراحل متقدّمة منها وجاءت بسببها، فيما يعتقد البعض الآخر أنّ الثورات الثانية والثالثة منفصلةٌ تماماً عن الأولى بأسبابها وظروفها. لكن المؤكّد أنّ الثورة الأُولى نقطة تحوّلٍ كُبرى في التاريخ البشري، غيّرت معها حياة الإنسان من كُلُّ جانب ورسمت معالم الحضارة الإنسانيّة الحديثة.

في هذا الفيديو يُمكنكم مشاهدة محركٍ بخاريّ من العام 1775 يعمل بعد أن أُعيد إحياؤه:

الكهرباء تنير الطريق أمام الثورة الصناعية الثانية

انطلقت الثّورة الصّناعيّة الثانية (أو الثورة الصّناعية الأميريكية) بين العام 1870 والـ 1914، وشكّلت منعطفاً جديداً وكبيراً في التقنيّة والمجتمع والحياة البشريّة عامةً، فظهرت صناعاتٌ جديدةٌ من إنتاج الفولاذ واستخراج النّفط وتوليد الكهرباء واختراع وسائل النّقل العامّة كالطائرات والسيّارات وغيرها. 

لم يُسهم توليد الكهرباء في إنارة البيوت والشوارع والمؤسّسات فحسب، بل سمح للإنسان باستثمار أوقات الليل وغيّر حياة النّاس وأعمالهم، وشكّل مصدراً جديداً للطاقة وفتح المجال أمّام عصرٍ جديدٍ من الأجهزة والاختراعات والصّناعات والحلول الجديدة فرأينا اختراع الهاتف على يد غراهام بِل، والمصابيح الكهربائيّة على يد توماس إيديسون وجوزيف سوان، وظهرت أوّل سكّة حديدٍ كهربائيّة في العام 1879 والسيّارات الكهربائيّة في العديد من المدن الأوروبيّة في العام 1900. وأرسل غوغليمو ماركوني أول إشارةٍِ لاسلكيّة في التاريخ عبر المحيط الأطلسي، ويُمكنكم أنّ تتخيلوا للحظةٍ حجم الأثر والمجالات التي فتحّتها كُلّ واحدةٍ من تلك الاختراعات.

الاختراع الثّوريّ الثّاني الذي أسهم في إطلاق الثورة الصّناعية الثانية هو محرّكات الإحتراق الدّاخلي؛ والذي ظهرَ أوّل مرة في العام 1878 لكنّه كان يعمل على الغاز والهواء في البداية مما منعه من الانتشار التجاري الكبير، لكنّ ظهور الوقود السائل من النّفط غيّر كلّ شيء. وظهرت على إثرها السيّارات والطائرات ومختلف وسائل النّقل الخاصة والعامة. 

الفولاذ استبدَل الحديد واحتلّ مكانه في أعمال البناء والآلات الصناعية وخطوط السّكك الحديديّة والسُّفُن وغيرها. فانخفضت الكلفة وزادت الإنتاجيّة.

دفعت الثّورة الصناعية الأميركية العجلة الإقتصاديّة إلى الأمام وسهّلت عمليات الأنتاج، وخلقت طبقةً من فاحشي الثراء والأغنياء، وطبقةٌ وُسطى ميسورة تشكّلت من العُمّال المهاجرين من الريف الأمريكي والبلدات الصغيرة نحو مراكز المُدن.

توماس إيديسون والمصباح الأول

الثّورة الصّناعيّة الثالثة ورقمنة العالم

تسمّى أيضاً الثّورة الرقمية، وشهدت الانتقال بالأجهزة الإلكترونيّة من العمل بتكنولوجيا الإشارة التناظريّة إلى التكنولوجيا الرّقمية (الأنظمة التناظريّة هي أنظمة ذات إشارة إلكترونيّة متغيّرة بشكلٍ مستمر، وعلى خلاف الرّقمية تعمل الإشارات التناظرية على مستويين فقط، وتمثّل العلاقة التناسبيّة بين الإشارة والتيّار الكهربائي أو الجهد الذي يمثّل تلك الإشارة).

بدأت هذه الثّورة الرّقمية في النّصف الأخير من القرن العشرين ومازالت مستمرّةٌ حتّى اليوم، وحملت التكنولوجيا الرّقمية معها ابتكاراتٍ ثوريّة شكّلت النّواة الأساسيّة لتفجير الثوّرة الصناعيّة الثالثة؛ وهي المنطق الرّقمي والترانزستورات وشرائح الدارات المتكاملة (IC). هذه الابتكارات الجديدة فتحت الباب أمام العديد من الاختراعات والأجهزة الجديدة كالمعالجات الصغيرة والحواسيب وأدوات التسجيل وحفظ البيانات والاتصالات والأجهزة الخليوية والأهم من كل شيء: الإنترنت، لذا يُمكن القول أنّها أطلقت عصر المعلومات.

في أوائل التسعينات نجح “تيم بيرنرز لي” بربط جهازي حاسوبٍ لأول مرّة ليكون الشكّل الأول للشبكة العنكبوتيّة العالمية (www)، وقام “مارك أندريسين” بربط أول شبكةٍ داخليّة في شركة Mosaic. هذا الاختراع العظيم حوّل العالم إلى قريةٍ صغيرةٍ، وأصبحت المجتمعات البشريّة والاقتصادات العالميّة والدول مرتبطةٌ ببعضها البعض ارتباطاً وثيقاً وعضوياً فالإنترنت اليوم أصبح بمثابة الجهاز العصبيّ للحياة المعاصرة، وبالرغم من حداثة وجودة نسبيّاً إلا أنّنا لم نعد قادرين على أن نتخيّل حياتنا من دونه، كما هو الحال بالنسبة للكهرباء والمحرّكات داخلية الاختراق وغيرها. 

تيم بيرنرز لي و الثورة الصناعية الرابعة

إنّ رقمنة المعامل غيّر جوهر الصناعة كُليّاً وغيّرت من سياسات العمل، فالتقتيات الجديدة سهّلت عمليات الإنتاج وقللت تكاليفه بشكلٍ ملحوظ، وفتحت إمكانات الاتصالات الجديدة المجال أمام التبادلات الماليّة عالميّاً بين الأفراد والمؤسسات والدّول، كما أنّ سهولة التعاملات الماليّة هذه حفّزت الصّناعة للمزيد من الإنتاج وطرح العديد من الاختراعات التقنية في الأسواق.

شركات جديدة ضخمةٌ وإمبراطوريّات مالية عملاقة خرجت من قلب الثّورة الصّناعية الثالثة؛ كشركات صناعة الأجهزة الذكية وشركات تكنولوجيا المعلومات وشركات الإتصالات والإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي. لم يشهد التّاريخ نموّاً سريعاً كالذي حققته هذه الشّركات بفضل الثّورة الرّقمية.

الثّورة الرّقمية فتحت المجال أمام العديد من الابتكارات والاختراعات الجديدة التي مازالت قيد التطوير والعمل لترسم شكل المستقبل وتُطلق ثورةً صناعيّة جديدة مرتقبة، كالتكنولوجيا الحيويّة والطاقة الشمسيّة والتي مازالت بحاجة للمزيد من التطوير لتصبح فاعلةً كمصادر الطّاقة الأُخرى، وظهرت الطابعات الثّلاثيّة الأبعاد التي ستأخذ دوراً محوريّا في الصناعة. والرّوبوتات تطوّرت كثيراً وخاصةً في ألمانيا واليابان والولايات المتّحدة والصّين وستقوم بتشغيل المعامل كلّياً في المستقبل. تكنولوجيا النانو اقتربت من النّضج كثيراً وستلعب أدواراً رئيسية أيضاً. بالإضافة إلى الذكاء الاصطناعيّ وإنترنت الأشياء والواقع المعزّز والشبكات عالية السرعة القادمة. فهل بدأت الظروف تتهيّأ لانطلاق الثورة الصناعية الرابعة؟

الثورة الرقمية و الثورة الصناعية الرابعة

الثورة الصناعية الرابعة ومفهوم الإنسانيّة

نحن الذين شهدنا انطلاق الثورة الصناعيّة الثالثة نقف اليوم على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة مما يعكس التسارع الكبير لتطوّر الحضارة الإنسانيّة والتّقنيات العلمية في السنوات القليلة الماضية والذي تكلمنا عنه في بداية مقالنا.

أوّل من أطلق التّسمية هو “كلاوس شواب” رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي في العام 2015 في مقالةٍ نُشرت في مجلّة “فورين أفّيرز”، ثمّ كان عنوان المؤتمر السّنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس عام 2016 “التّحكّم في الثورة الصناعية الرابعة” لترسّخ هذا المفهوم عالمياً.

هذه الثّورة الجديدة -بالرغم من أنّها اتخذت من الثورة الرّقمية أساساً لها- ستكون مختلفةٌ كليّاً عن الثورات الثلاث السّابقة، لأنها ستدفعنا لإعادة النّظر بأفكارنا ومفهومنا للإنسانيّة بحدِّ ذاتها. فهي ستغيّر بشكلٍ كبير ومتسارع أنماط حياتنا وعملنا وعلاقاتنا مع بعضنا البعض بما تحمله من الأنظمة الفيزيائيّة-الرّقمية وإنترنت الأشياء وإنترنت الأنظمة والعديد من الابتكارات، وحيث ستطبّق التقنيّات الذكيّة في المعامل ومجالات العمل وستتفاعل الآلات المتّصلة مع بعضها البعض لتراقب بنفسها خطوط الإنتاج وتتخذ القرارات بشكلٍ مستقل. ستؤثّر هذه الثّورة التكنولوجيّة في كلّ مجالات الحياة والاختصاصات والصّناعات والاقتصادات بطبيعة الحال بشكلٍ غير محدود وسرعةٍ غير متوقّعة. 

العديد من التقنيات الجديدة سترسم ملامح العصر الجديد مع انطلاق الثورة الصناعية الرابعة وسترتكز بشكلٍ أساسيّ على الذكاء الاصطناعي والتعديل الجينيّ والواقع المعزز والروبوتات والطباعة الثلاثيّة الأبعاد والمعامل الذكيّة والحسّاسات الذكية وغيرها، لكنّ المشهد الأكثر إثارةً سيكون اندماج الإنسان مع الآلة، وتعزيز قدرات الإنسان بالذكاء الاصطناعي والحسّاسات لتدخل إلى جسده وتندمج معه وتصبح جزءاً منه، في ذات الوقت الذي يتطوّر فيه الذكاء الاصطناعي وإدراك الآلة لنفسها والآلات الأخرى من حولها أو المتّصلة بالشبكة وتفاعلها مع بعضها فتصغر الفجوة بين الإنسان والآلة بشكلٍ كبير، وتغيّر بشكلٍ جذري أساليب وأدوات الابتكار والتبادل الحضاري والقيم الإنسانيّة، وستعيد تحديد مفهوم الإنسان.

 ما زالت معظم هذه التّقنيات قيد التطوير والبحث في مراحلها الأولى وستحتاج إلى سنواتٍ وربّما عقود حتى تنضج وتصبح فاعلةً لتطلق الثورة الصناعية الرابعة وبضع سنواتٍ هو فترةٌ قصيرةٌ جدّاً بالنسبة لعمر الحضارة الإنسانيّة وتواتر تغيّراتها تاريخيّاً، لكن في ظلّ هذه التغييرات الجذريّة القادمة لا بُدَّ لنا من أن نعمل على التحكّم بمسار هذا المستقبل بحيث نضع الإنسان والقيم الإنسانيّة أولاً، وألّا نسمح لهذه الثّورة التقنيّة والصّناعية القادمة من أن تفقدنا جوهرنا الإنساني والروح الإنسانيّة، وأن تكون عاملَ دفعٍ وتطوير في خدمة الوجه الأجمل للطبيعة الإنسانيّة والمتمثّلة في الإبداع والعواطف والقيم الإنسانية.

ما رأيكم أنتم؟ كيف سيكون العالم في ظلِّ الثّورة الصناعيّة القادمة؟ وما هي التقنيات الجديدة التي  تعتقدون أنها ستظهر قريباً؟ وهل حقّاً ستُهدّد حقّاً إنسانيّتنا؟

الثورة الصناعية الرابعة

 

1

شاركنا رأيك حول "الثورات الصناعية غيرت حياة البشر جذرياً.. فكيف ستصبح حياتنا بعد الثورة الصناعية الرابعة؟"