التنين الصيني يزاحم كبار التقنية في العالم ويسعى للتفوق عليهم مستقبلاُ
0
الصراع الدائر بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية لا يتوقف عند شركة هواوي وبعض العقوبات الاقتصادية وحسب؛ بل يمتد إلى مجالاتٍ أبعد من ذلك بكثير. المجالات هذه غير معروفة لدى الجميع والأهم أنها غير محصورة في وقتنا الحاضر. نعم كما قرأت، التنافس الآن هو على من سوف يقود قطاع التكنولوجيا في المستقبل! فمن يفرض سيطرته على التقنيات المستقبلية سوف يأخذ العرش من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، والتنين الصيني هو المنافس الأقرب للخلافة. ولكن ما هي هذه التقنيات المستقبلية التي يتم التنافس عليها؟ وما هي استراتيجية الصين لبسط سيطرتها؟ وكيف سيكون المستقبل في ظل تفوق الصين؟
لو شوّقتك هذه الأسئلة وتريد إجاباتها بحق، إذاً تابع قراءة هذا المقال.

الموجة التقنية الرابعةالموجة التقنية الرابعة تفوق الصين

نحن نعاصر الآن زمناً مميزاً من ناحية التقدم التقني البشري، ولفهم ما يميز هذا الزمن عن غيره، يجب أن تعلم أولاً أننا نعيش حالياً الثورة التقنية الرابعة. حيث أنه مرَّ على البشر حتى الآن أربع موجات أو ثورات غيرت العالم وساهمت في الوصول إلى التقدم التقني الذي نعيشه الآن. فقد بدأت الموجة الرابعة مع فجر الألفية الثالثة ومعها ظهر الاختراع الذي يستخدمه الجميع كل يوم؛ الإنترنت! إن عنوان هذه الموجة هو التقدم التقني الهائل والسريع. ومن أهم اختراعات الموجة التقنية الرابعة هي الواقع المعزز، الطباعة ثلاثية الأبعاد، البيانات الضخمة، إنترنت الأشياء، جيل الاتصالات الخامس 5G، الحوسبة الكمومية، وأخيراً الذكاء الاصطناعي. نحن الآن نعيش ثورةً تقنية رائعة، ونختبر يومياً ما تنتجه ولا أحد يعلم إلى متى ستسمر ومتى ستبدأ الموجة التي بعدها.

إن من يتفوق في مجالات الموجة الرابعة سيمتلك الأحقية في قيادة العالم تقنياً مستقبلاً، مما يدفع الحكومات والشركات الكبرى إلى المنافسة بقوة الآن في مجالات الأبحاث والتطوير. ويظهر ذلك جليّاً في الصين من خلال الزيادة الكبيرة في التمويل المالي الذي وضعته الصين في خدمة الأبحاث والتطوير في تلك المجالات متفوقةً بذلك، بحسب آخر الإحصائيات، على اليابان ومقتربةً من الولايات المتحدة الأمريكية التي لطالما كانتا تحتلان المرتبتان الأولى والثانية.

هذه الزيادة في الانفاق المالي الهائل أدى إلى تفوق الصين وجعلها الأولى عالمياً في طلبات الحصول على براءات الاختراع في العام 2019 بنسبة وصلت إلى 40% من مجموع الطلبات الكلّية المقدمة من جميع دول العالم الأخرى، بحسب المنظمة العملية للملكية الفكرية. أوضح صور تفوق الصين الهائل على الجميع في براءات الاختراع كان من خلال شركة هواوي التي تمتلك أكبر عدد من براءات الاختراع في قطاع جيل الاتصالات الخامس 5G؛ الأمر الذي كان نقطة الخلافات الأكبر بين الولايات المتحدة والصين مؤخراً.

ولكن كل هذه المجالات التي تتفوق فيها الصين هو ما يَظهر، إن صح التعبير، على السطح فقط، ولكن هناك مجالٌ أعمق وأكثر خطورة تخطط الصين لأخذ زمام الأمور فيه قبل غيرها. هذا المجال هو “المعايير التقنية”، وإن تفوق الصين في هذا المجال سيتوّجها ملكة العالم تقنياً بحيث لا يعلو فوقها أحد.

  • اقرأ أيضاً: الثورات الصناعية غيرت حياة البشر جذرياً.. فكيف ستصبح حياتنا بعد الثورة الصناعية الرابعة؟

ولكن ما هي المعايير التقنية؟ وما هي فوائدها؟ما هي المعايير التقنية؟ وما هي فوائدها؟ تفوق الصين

إن المعايير التقنية موجودة حولنا في حياتنا اليومية في كل مكانٍ دون أن نشعر بها. فالمعايير التقنية هي أساس عملية “التوافق التشغيلي” التي تضمن اتصالاً موحداً ومشتركاً بين مختلف المنتجات من جميع الشركات دون تعقيدات بالنسبة للمستخدم. فالمعايير التقنية هي عبارة عن قواعد موحدة لجميع المنظومات التقنية.

وللتوضيح أكثر، على سبيل المثال تمكنك فإن المعايير التقنية من الاتصال بشبكة الواي فاي في منزلك أو في أي مكانٍ حول العالم بالطريقة نفسها، أو تمكنك مثلاً من وصل كيبل HDMI مع أي تلفاز مهما كان نوعه. إن التقنيات الجديدة لا تظهر للعلن فور اختراعها فهي تحتاج سنوات من التخطيط والتطوير، ليتم فيها إنشاء المعايير المشتركة من خلال التعاون بين الهيئات والخبراء والشركات.

هذا التعاون يضمن أن تكون المعايير موحدة قدر الإمكان، مما يضمن أن تعمل التقنية الجديدة بغض النظر عن مكان وجودك في العالم. باختصار إن المعايير التقنية هي حجر الأساس لأي تقنية جديدة سوف يتم تطويرها مستقبلاً.

إذاً ببساطة، تضمن المعايير التقنية أن المنتجات المختلفة من جميع الشركات ستعمل مع بعضها بسلاسة. إذا وضعت كل دولة أو شركة معاييرها الخاصة، فلن تتمكن التقنيات من العمل بسهولة مع المنتجات المصممة من قبل شركاتٍ أخرى أو العمل في أسواق دولٍ أخرى.

في الواقع، تسمح المعايير التقنية بتصميم المنتجات وإنتاجها على نطاق واسع واستخدامها في جميع أنحاء العالم. كما يمكن جني الأرباح من المعايير التقنية، فمن الممكن أن تحقق الجهة التي تنشئ تلك المعايير عوائداً اقتصادية. فعلى سبيل المثال، تقدم شركة جوجل نظام التشغيل أندرويد مفتوح المصدر ومتاح للجميع من أجل توحيد أنظمة الهواتف بغض النظر عن الشركة المصنعة للهاتف.

وبالرغم من ذلك يتوجب على الشركات دفع رسوم ترخيص لاستخدام نظام أندرويد. لا توجد طريقة معينة يتم بها إنشاء المعايير التقنية، فهي بشكلٍ عام، يتم تعيينها من قبل مجموعة من الشركات الخاصة الرائدة في الصناعة وكذلك من قبل جمعيات الصناعة الدولية. المعايير التقنية ليست مفيدة فقط لحل القضايا العملية المتعلقة بالتوافق التشغيلي، ولكن أيضاً لأنها تسرع الابتكار. عندما تستخدم الشركات معايير مفتوحة، فإنها لا تحتاج إلى تخصيص الموارد لتطوير معاييرها الخاصة، ويمكنها بدلاً من ذلك اتباع المعايير المعمول بها.

معايير الصين 2035معايير الصين 2035

دائماُ ما يصرح الخبراء التقنيون بأن الشركات العالمية تنقسم لثلاث مستويات، شركات المستوى الثالث والتي تُصنَّع المنتجات التقنية، وشركات المستوى الثاني التي تصمم تلك المنتجات، أما شركات المستوى الأول فتضع المعايير.

ولطالما كان تطوير المعايير التقنية محصوراً بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، ولكن هذا الأمر لن يدوم وخصوصاُ بعد إعلان الصين عن خطتها المسماة “معايير الصين 2035”. إن الخطة التي وضعتها تهدف إلى تفوق الصين وجعلها لاعباً أساسياً في الساحة الدولية في تكوين المعايير الخاصة بالتقنيات المستقبلية.

وفي إعلانها عن الخطة ذكرت الصين بأنها تركز بشكلٍ كبير على وضع معايير إنترنت الأشياء، الحوسبة السحابية، جيل الاتصالات الخامس 5G، والذكاء الاصطناعي. إن خطة معايير الصين 2035 لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتاج تتابع سلسلة من الإجراءات السابقة ضمن ما يعرف بخطة “صنع في الصين 2025” والتي هدفت لرفع الشركات التقنية الصينية من المستوى الثالث إلى المستوى الثاني لتصبح مصممة وصانعة في نفس الوقت. فقبل وضع المعايير العالمية، يجب أن تصبح الصين قادرة على تصميم وإنتاج منتجات عالية التقنية محليّاً مثل أشباه الموصلات، والتي لا تزال البلاد تعتمد إلى حدٍ كبير على الشركات الأجنبية في استيرادها.

يعتبر قادة الحكومة الصينية عموماً أن الصين فوتت فرص عالية الأهمية لتشكيل معايير لمنتجات عالمية مثل الهواتف الذكية. وعلى هذا النحو، يؤكد صانعو السياسة على أهمية تفوق الصين مستقبلاً واشتراكها في صناعة المعايير التقنية في المجالات التي يرون أنها ستقود الثورة التقنية القادمة. ولكن قبل وضع المعايير العالمية، يجب تطبيق المعايير محلياً. فمن المفترض أن تعطي الحكومة المركزية الأولوية لتنسيق المعايير في جميع أنحاء البلاد قبل أن تحول أنظارها إلى العالمية.

من يضع المعايير يجني المكاسبمن يضع المعايير يجني المكاسب

نظراً لأن معظم حقوق ملكية المعايير التقنية هي مملوكة لصالح شركات غير صينية، فإن الصين تعتبر ثاني أكبر دافع لرسوم التراخيص في العالم. تسعى الصين إلى عكس هذه العلاقة، فهي تريد التحول من الدفع إلى التلقي مقابل رسوم تشغيل المعايير. لكن هذا لا يعني أن الصين ستتخلى عن الشركات الأجنبية تماماً، فطالما تعتبر الشركات الأجنبية رائدة في مجال التكنولوجيا، ستظل مؤثرة في وضع المعايير وسيتم التعامل معها من قبل الشركات الصينية.

بجانب العوائد الاقتصادية، تسمح المعايير الموضوعة من قبل طرفٍ ما بالتحكم بالبيانات التي تمر عبرها. فكلما ساهمت الصين بوضع المزيد من المعايير، كلما كانت المزيد من البيانات المتعلقة بتلك المعايير خاضعة لقوانين الصين ومراقبتها. الأمر الذي يجعل الصين لاعباً أساسياً على الساحة التقنية وهذا ما تتم محاربته بضراوة من قبل كل دول العالم بقيادة الولايات المتحدة. فقد رأينا ذلك السيناريو واضحاً في حرب الجيل الخامس من الاتصالات والتخوف من وصول البيانات للحكومة الصينية عبر شركة هواوي!

ما زال هناك تحديات كبيرة أمام الصينما زال هناك تحديات كبيرة

بالرغم من الخطة الطموحة التي تسعى الصين لتطبيقها، إلا أنها ما زال أمامها الكثير من العقبات التي يجب تجاوزها حتى تصبح هي من تضع القواعد لا أن تتبعها. فما زال كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي يملكان السيطرة الأكبر في ساحة المعايير التقنية، وذلك يعود إلى ضخامة عدد وحجم الشركات والخبرات التي يملكونها، وفهمهم العميق لعملية وضع المعايير والقواعد لإنتاج أفضل المعايير بجودة عالية ودقة كبيرة في جميع المجالات التقنية.

لذلك حتى يتم تفوق الصين على الكل يجب عليها إنشاء شركات تقنية من المستوى الأول تستطيع بها المنافسة في جميع المجالات. يجب على الشركات الصينية أن تكون الأفضل والأقوى حتى تضع المعايير. ببساطة يتوجب على الصين استنساخ شركة هواوي العديد من المرات حتى تبسط سيطرتها على كل قطاعات التقنية المستقبلية.

وحتى مع علوِّ التنين الصيني ومقارعته لبقية دول العالم، هذا لا يعني بالضرورة أن نرى فائزاً واحداً في هذه الحرب يفرض سيطرته المطلقة دون غيره. بل من الممكن أن نرى العالم ينقسم لمعسكرين، أحدهما يتبع المعايير الصينية والآخر يتبع المعايير العالمية. وفي حال حدوث هذا السيناريو، برأيك أيّةُ معاييرٍ سنتبع نحن العرب بالأخص في منطقة الشرق الأوسط؟!

 

0

شاركنا رأيك حول "التنين الصيني يزاحم كبار التقنية في العالم ويسعى للتفوق عليهم مستقبلاً"