الرؤية بالأشعة السينية
0

في غضون ثوانٍ بعد الوصول إلى المدينة يمكن أن تسبّب الزلازل دماراً هائلاً، حيث تنهار المنازل وتتحوّل الأبراج الشاهقة إلى أنقاض ويُدفَن الناس والحيوانات تحتها، وفي أعقاب هذه الحوادث تبحث فرق الطوارئ بشدة عن أي علامة للحياة في ما كان في السابق منزلاً أو مكتباً، ومع ذلك في معظم الأحيان يحفرون في الأماكن الخاطئة ويهدرون وقتاً ثميناً كان كافياً لإنقاذ أحدهم لو قاموا بالبحث في المكان الصحيح.

تخيل لو تمكّن رجال الإنقاذ من رؤية الحطام لتحديد الناجين تحت الأنقاض وقياس علاماتهم الحيوية وحتى التقاط صور للضحايا، في الحقيقة نقترب بسرعةٍ من تحقيق ذلك باستخدام تقنية الرادار الشفافة، فالإصدارات المبكرة من هذه التقنية التي تشير إلى وجود شخصٍ ما في غرفة ما تم استخدامها لعدة سنوات بالفعل، ويمكن للبعض قياس العلامات الحيوية، وإن كان ذلك في ظل ظروفٍ أفضل من الركام بقليل.

قاب قوسين أو أدنى من الرؤية خلف الجدران

الرؤية عبر الجدران

يستخدم باحثو ومهندسو الاتصالات والتصوير الكهرومغناطيسي أجهزة كمبيوتر سريعة وخوارزميات جديدة وأجهزة إرسال واستقبال للرادار تجمع كمياتٍ كبيرة من البيانات لتحقيق شيءٍ أقرب ما يكون إلى الرؤية بالأشعة السينية التي نشاهدها في أعمال الخيال العلمي، بفضل وجود هذه التقنية من الممكن تحديد عدد الأشخاص الموجودين خلف جدارٍ أو حاجز ومكان وجودهم وما هي العناصر التي قد يحملونها، وفي الاستخدامات الشرطية أو العسكرية من الممكن تحديد نوع الدروع الواقية للبدن التي قد يرتدونها.

ستكون هذه الرادارات الشفّافة قادرة أيضاً على تتبّع حركات الأفراد ومعدّلات ضربات القلب والتنفس، ويمكن أيضاً استخدام هذه التقنية لتحديد مخطّط المبنى بالكامل من مسافةٍ بعيدة، وصولاً إلى موقع الأنابيب والأسلاك داخل الجدران، واكتشاف الأسلحة المخفية والأفخاخ المتفجّرة، كانت تقنية الرؤية من خلال الجدران قيد التطوير منذ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كوسيلة لاستبدال ثقوب الحفر عبر الجدران للتجسس، وهناك عدد قليل من المنتجات التجارية في السوق اليوم مثل رادارات «Range-R»، التي يستخدمها ضباط إنفاذ القانون في بعض البلدان لتتبّع الحركة خلف الجدران.

اقرأ أيضًا:  ألعاب بدأت بأسلوب شيّق جدًا ولكن لم يُكتَب لها النجاح في النهاية!

آلية عمل الرادار

الرادار

ترمز كلمة «رادار» إلى الكشف والمدى اللاسلكي الراديوي وذلك باستخدام موجات الراديو حيث يرسل الرادار إشارةً تنتقل بسرعة الضوء، إذا اصطدمت الإشارة بجسم ما مثل طائرة على سبيل المثال فإنها تنعكس مرةً أخرى باتجاه جهاز الاستقبال ويظهر نتيجةً لذلك صدى في شاشة الرادار بعد تأخير زمني معيّن يمكن بعد ذلك استخدام هذا الصدى لتقدير موقع الكائن.

في عام 1842 وصف الفيزيائي النمساوي «كريستيان دوبلر»، ظاهرةً تُعرف الآن باسم «تأثير دوبلر» (أو تحول دوبلر) حيث يرتبط التغيير في تردّد الإشارة بسرعة واتجاه مصدرها، في حالة دوبلر الأصلية كانت تلك الإشارة ضوءاً من نظامٍ نجمي ثنائي، وهذا مشابهٌ للنغمة المتغيّرة لصفارة الإنذار حيث تتسارع سيارة الطوارئ نحوك وتتجاوزك ثم تتحرك بعيداً، يستخدم رادار دوبلر هذا التأثير لمقارنة ترددات الإشارات المُرسلة والمنعكسة لتحديد اتجاه وسرعة الأجسام المتحركة مثل العواصف الرعدية والسيارات المسرعة.

يمكن استخدام تأثير دوبلر للكشف عن الحركات الصغيرة بما في ذلك ضربات القلب وحركة الصدر المرتبطة بالتنفس، في هذه الأمثلة يرسل رادار دوبلر إشارةً إلى جسم الإنسان وتختلف الإشارة المنعكسة بناءً على ما إذا كان الشخص يستنشق الهواء أو يزفره أو حتى بناءً على معدّل ضربات قلب الشخص، ممّا يسمح بقياس هذه العلامات الحيوية بدقة بفضل هذه التقنية.

كيف يمكن أن تمر إشارة الرادار عبر الجدران؟

الرادار الشفاف

حالها كحال الهواتف المحمولة حيث تستخدم الرادارات الموجات الكهرومغناطيسية، عندما تصطدم الموجة بجدران صلبة مثل الحوائط الجافة أو الجدران الخشبية ينعكس جزءٌ منها على السطح لكن البقية تنتقل عبر الحائط خاصةً عند ترددات الراديو المنخفضة نسبياً، ويمكن أن تنعكس الموجة المرسلة بالكامل إذا اصطدمت بجسمٍ معدني أو حتى بشري لأن المحتوى المائي العالي لجسم الإنسان يجعلها شديدة الانعكاس.

اقرأ أيضًا: لا تقترب كثيرًا ولا تبتعد أيضًا… كيف تؤثر منصّات التواصل الاجتماعي على السلوك البشري؟

إذا كان مستقبل الرادار حساساً بدرجة كافية -أكثر حساسيةً من أجهزة استقبال الرادار العادية- فيمكنه التقاط الإشارات التي تنعكس مرةً أخرى عبر الحائط، وباستخدام تقنيات معالجة الإشارات الراسخة يمكن تصفية الانعكاسات من الأجسام الثابتة مثل الجدران والأثاث مما يسمح بعزل الإشارة الي تهم الراصد مثل موقع الشخص المُراقَب.

تحويل البيانات إلى صور

تحويل البيانات إلى صور

كانت تقنية الرادار عبر تاريخها محدودةً في قدرتها على المساعدة في إدارة الكوارث وإنفاذ القانون، لأنها لم تكن لديها قوة أو سرعة حسابية كافية لتصفية ضوضاء الخلفية من البيئات المعقدة مثل أوراق الشجر أو الركام وإنتاج صور حيّة، أما اليوم يمكن لأجهزة استشعار الرادار في كثيرٍ من الأحيان جمع ومعالجة كميات كبيرة من البيانات -حتى في البيئات القاسية- وإنشاء صور عالية الدقة للأهداف، وباستخدام خوارزميات معقدة يمكنها عرض البيانات في الوقت الفعلي تقريباً، حيث يتطلب ذلك معالجات كمبيوتر فائقة السرعة للتعامل بكفاءة مع هذه الكميات الضخمة من البيانات، وداراتٍ واسعة النطاق يمكنها نقل البيانات بسرعة لتحسين دقة الصور.

من المُرجّح أن تساعد التطوّرات الأخيرة في تقنية الموجات الملليمترية اللاسلكية، من «5G» إلى «+5G» وما بعدها، في تطوير هذه التقنية وتوفير صور عالية الدقة من خلال عرض ذو نطاقٍ أوسع، ستعمل التكنولوجيا اللاسلكية أيضاً على تسريع أوقات معالجة البيانات لأنها تقلّل من زمن الوصول وتساهم في تخفيض الزمن بين إرسال البيانات واستقبالها.

يطوّر مختبر جامعة تينيسي للتكنولوجيا طرقاً سريعةً لتمييز الخصائص الكهربائية للجدران عن بُعد، ممّا يساعد في معايرة موجات الرادار وتطوير الهوائيات لجعل الموجات تمر بسهولةٍ أكبر عبر الجدار وتجعل الجدار شفّافاً للأمواج فعلياً، كما يعمل الباحثون هناك على تطوير نظام البرامج والأجهزة لإجراء تحليلات البيانات الضخمة لأنظمة الرادار في الوقت الفعلي تقريباً.

إلكترونيات أفضل تعني رادارات محمولة

الرادار المحمول

تكون أنظمة الرادار ذات التردّدات المنخفضة المطلوبة عادةً للرؤية من خلال الجدران ضخمة بسبب الحجم الكبير للهوائي، إذ يتوافق الطول الموجي للإشارات الكهرومغناطيسية مع حجم الهوائي لكن دفع العلماء بتقنية الرادار الشفافة إلى تردداتٍ أعلى من أجل بناء أنظمة أصغر وأكثر قابلية للحمل، بالإضافة إلى توفير أداة لخدمات الطوارئ وإنفاذ القانون والجيش يمكن أيضاً استخدام هذه التقنية لمراقبة كبار السن وقراءة العلامات الحيوية للمرضى المصابين بأمراض معدية مثل «Covid-19» من خارج غرفة المستشفى.

اقرأ ايضًا: ميزات تيليجرام… أهم 20 ميزة ستندم إن لم تعتمد عليها منذ اليوم!

إحدى المؤشرات على إمكانات الرادار الشفافة المرتقبة هي تلبيتها معايير إحدى مطالب الجيش الأمريكي، إذ يبحثون عن تقنية يمكنها إنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد للمباني وشاغليها في الوقت الفعلي تقريباً، حتى أنهم يبحثون عن رادار يمكنه الرؤية من خلال الجدار لإنشاء صور لوجوه الأشخاص تكون دقيقةً بما يكفي لأنظمة التعرّف على الوجه للتعرف على الأشخاص خلف الجدار، سواء تمكن الباحثون من تطوير رادار شفّاف بما يكفي لتمييز الأشخاص من خلال وجوههم أم لا، فمن المرجح أن تنتقل التكنولوجيا إلى ما هو أبعد من النقاط الملونة على الشاشة، لتمنح مستخدميها شيئاً أشبه بالقوى الخارقة.

0

شاركنا رأيك حول "كومبيوترات فائقة وشبكات الجيل الخامس ورادار يخترق الجدران.. أجهزة تجعل «الرؤية بالأشعة السينية» أمراً واقعاً"