0

واحدة من أصعب المشاكل في مجال التمويل في الوقت الحالي هي معرفة القيمة الاقتصادية الحقيقية للعملات الرقمية المشفرة. وقد زاد هذا الأمر تعقيداً مؤخراً.

بالنسبة للعديد من مستثمري العملات الرقمية، تستند قيمة «بيتكوين» إلى حقيقة أنها نادرة بشكل مصطنع. يعني وضع سقف صارم على “تعدين” عملات جديدة أنه سيكون هناك 21 مليون بيتكوين فقط. وعلى عكس العملات الوطنية الورقية؛ مثل اليورو والدولار، فإن معدل إصدار عملة البيتكوين الجديدة يتباطأ بمرور الوقت بفضل التنصيف Halving.

أما «Dogecoin»؛ وهي عملة مشفرة تأخذ اسمها وشعارها من ميم «Shiba Inu» الذي كان شائعاً منذ عدة سنوات، ليس لها غطاء. تم إطلاقها في عام 2013، ويوجد الآن حوالي 113 مليار Dogecoin، مع ما يصل إلى خمسة مليارات وحدة جديدة يتم طرحها كل عام.

ولكن كيف يمكن لعملة ذات عرض غير محدود على ما يبدو أن يكون لها أي قيمة على الإطلاق؟ ولماذا ارتفع سعر «Dogecoin» فجأة بأكثر من 800% في 24 ساعة في 29 يناير/كانون الثاني المنصرم؟

في وقت نشر المقال، كانت قيمة «Dogecoin» السوقية كاملةً تبلغ حوالي سبعة مليارات في سوق تداول العملات الرقمية.

دوج كوين.. نكتة طويلة الأمد جُلبت إلى الحياة

دوج كوين ناسكار

دوج كوين «Dogecoin» هي واحدة من “العملات البديلة” الأصلية؛ أي العملات المشفرة التي تم إصدارها في السنوات القليلة بعد أن أطلق «ساتوشي ناكاموتو» البيتكوين لأول مرة.

ومن منظور تقني، فإن «Dogecoin» ليست مبتكرة للغاية. مثل العديد من العملات الرقمية البديلة، فهي تستند إلى شفرة المصدر الأصلية لعملة البيتكوين. أو بشكل أكثر تقنيةً، تعتمد على منصة «لايت كوين»، والتي تعتمد بدورها على بيتكوين. ولكن مع بعض التعديلات الصغيرة مثل المعاملات الأسرع وإزالة سقف التوريد. لكن «Dogecoin» أكثر إثارة للاهتمام عند رؤيتها من خلال عدسة ثقافية.

تم إنشاء العملة المشفرة من قبل مهندسي البرمجيات «بيلي ماركوس« و «جاكسون بالمر». لقد ربطوها بميم «Doge» جزئياً لكي تكون مضحكة، ولكن أيضاً لإبعادها عن سمعة بيتكوين المشكوك فيها آنذاك كعملة للمعاملات غير المشروعة.

أما الآن، تجاوزت دوج كوين «Dogecoin» جميع العملات المشتقة المبكرة تقريباً، وأصبح لديها مجتمع مزدهر من المستثمرين. ففي عام 2014، قام مالكو «Dogecoin» برعاية الفريق الجامايكي «Bobsled». بعد فترة وجيزة ، قاموا برعاية سائق من متسابقي «ناسكار»؛ أحد أكثر سباقات السيارات إثارةً في الولايات المتحدة.

كما أن «إيلون ماسك»؛ أغنى رجل في العالم، من بين المدافعين البارزين عن العملة المشفرة. في ديسمبر من العام الماضي، أدت سلسلة تغريدات من ماسك إلى ارتفاع سعر Dogecoin بشكلٍ جنوني.

جماعية القطيع ترعب الأسواق المالية

دوج كوين hold gamestop reddit

يسوّق مرتادوا موقع ريديت لعملة دوج كوين Dogecoin كعملة عالمية جديدة. كما شارك «ماسك» نفس النظرة قبل أسابيع. وقال في حديثه على تطبيق «Clubhouse»: “تم صنع Dogecoin كمزحة للسخرية من العملات المشفرة، لكن القدر يحب السخرية. والنتيجة الأكثر إثارة للسخرية هي أن تصبح Dogecoin عملة الأرض في المستقبل”.

لكن من الأفضل التفكير في «Dogecoin» على أنها منتج ثقافي، وليست أصلاً مالياً. الحقيقة هي أن قلة من مستخدمي العملات المشفرة يعتبرونها استثماراً جاداً أو يلجأون لاستخدامها في المعاملات العادية. إذ أنه بدلاً من ذلك، فإن امتلاك Dogecoin يعني المشاركة في ثقافة. حيث يشتريها الناس لأنه من المضحك امتلاكها، وهي ممتعة بطبيعتها وتأتي مع تجربة مجتمعية مرحبة وممتعة.

إذا بدأنا في التفكير في العملة المشفرة كمنتج ثقافي، فإن قفزة الشهر الماضي المفاجئة في سعر Dogecoin أمر منطقي. إذ جاء هذا التعزيز بعد أن تمكن مجتمع مرتكز على «ميم» من رفع سعر سهم شركة «GameStop» لتجارة ألعاب الفيديو بالتجزئة من 20 دولاراً أمريكياً إلى 350 دولاراً في أيامٍ قليلة. إذ كان سلوك القطيع هذا مختلفاً عن أي شيء شوهد من قبل، وقد أخاف الأسواق المالية العالمية.

أحد الجوانب المثيرة للاهتمام بشكل خاص في منتدى موقع ريديت «r/WallStreetBets»؛ الذي نسّق الهجوم على صندوق التحوط الذي راهن بشكلٍ فعال على انخفاض سعر سهم GameStop، كان عدد المستخدمين الذين استمتعوا بالتجربة. وليس من المستغرب أن يكون النشاط المحيط بـ Dogecoin له نفس المظهر والهدف؛ تم تصميمه ليكون ممتعاً منذ البداية.

«دوج»: أيقونة على الإنترنت

دوج كوين dogecoin stokes

يشارك بعض الأشخاص في الأسواق المالية كشكل من أشكال الاستهلاك، بمعنى الترفيه والتسلية وتجربة المجتمع، تمامًا كما يفعلون للاستثمار. ومن الصعب تقييم الأصول الثقافية مثل Dogecoin بشكل منهجي عند مقارنتها بالأصول المالية، إذ يشبه الأمر تماماً عدم وجود نظرية أساسية لتسعير الفن.

بحكم التعريف تقريباً، سيتقلب الطلب على هذه العملة المبنية على «ميم» بشكٍل كبير، مثل ثقافة الإنترنت نفسها، مما يحول الفقاعات الثقافية إلى فقاعات مالية. إذ تسمّيها أستاذة المعهد الملكي للتكنولوجيا في ملبورن وعالمة التشفير الإثنوغرافي «إيلي ريني» بـ “البنى التحتية المرحة“.

من خلال مراقبة Dogecoin عن كثب، يمكننا تعلم الكثير عن التفاعل بين التكنولوجيا والثقافة والاقتصاد. وعلاوةً على ذلك، فإن العملات المشفرة متنوعة بشكل غير عادي. بعضها مصمم لمدفوعات صغيرة أو لتكون ذات قيمة مرنة. بينما يحمي بعضها الآخر الخصوصية المالية أو يعمل كرمز داخلي لإدارة العقود الذكية أو سلاسل التوريد أو شبكات الكهرباء.

وتحت مظلة العملات المشفرة، تبدو بيتكوين ودوج كوين متماثلتين تماماً. يختلف الكود البرمجي بينهما في عدد قليل من التعليمات فقط. لكن وظائفهما الاقتصادية معاكسة تماماً تقريباً. فالبيتكوين هو نوع من “الذهب الرقمي” الذي يتم تبنّيه كوسيلة تحوّط آمنة ضد عدم اليقين السياسي والاقتصادي. أما من ناحية أخرى، فإن Dogecoin عبارة عن صورة ميمية يضيفها الأشخاص إلى محفظتهم الرقمية لأنهم يعتقدون أنها مضحكة.

لكن في ظل اقتصاد رقمي مفتوح، تستطيع الميمز تحريك الأسواق.

 

0

شاركنا رأيك حول "دوج كوين: كيف تحولت الميمز من فكاهة على الإنترنت إلى محرّك للأسواق العالمية"