0
كان للتحالف المؤسساتي بين الدولة والصناعة الخاصة تأثيرات على السياسة والاقتصاد والمجتمع، ولكن بطرق لا تتوافق مع أنماط السلوك المعترف بها المرتبطة بالحرب الحديثة. ربما كان هذا هو السبب وراء النظر إلى العلاقة بين الحرب والدولة منذ عام 1945 على أنها في تدهور. ومع ذلك، فإن الجدل المستمر حول وجود هيئة للتصنيع العسكري، وهو هيكل فظ باعتراف الجميع، دليل على بقاء العلاقة بين الحرب والدولة وتأثيرها الأوسع.

يمكن رؤية أوضح دليل على ذلك في الدور الذي لعبه البحث العسكري في إحداث وتسريع وتيرة الاختراع العلمي، والذي كان له دور فعال في إحداث تغيير اقتصادي وسياسي واجتماعي دراماتيكي في المجتمع الغربي المعاصر. والأهم من ذلك كله هو الوسائل غير العسكرية التي أنشأتها الأبحاث العسكرية والتي يتم استغلالها الآن من قبل كل من الدولة والجهات الفاعلة غير الحكومية. إذ مر البحث العلمي الغربي بدورة من الدفاع العسكري، إلى عالم التجارة، والعودة مرة أخرى.

وبالتالي، فإن التكنولوجيا ذات الأصول العسكرية، التي تنشأ من خلال عوالم واسعة من البحث والتطوير والتطبيق المدني، تساعد في تكوين اقتصادات ومجتمعات وثقافات عالية التقنية. ويتم الآن إعادة تخصيصها كأساس لبنى جديدة للسيطرة العسكرية والتتبع والمراقبة والقتل المُستهدَف.

حرب ما بعد الحداثة ومستقبل الدولة

كيف إذاً ستشكل التطورات المتوقعة في التكنولوجيا مستقبل الحرب والدولة؟ هذا سؤال يسبب الكثير من القلق في كل من الأوساط الأكاديمية ودوائر صنع السياسة. كما أن النقاشات حول مستقبل الحرب غالباً ما تعاني من كونها معقمة من الناحية التقنية، وتتجاهل السياسة وبالتالي تفتقر إلى سياق ذي مغزى. ونتيجةً لذلك، غالباً ما تعاني أدبيات «الحرب المستقبلية» من الاعتماد المفرط على نظرة عامة مبسطة للجيش الحاسم. التقنيات. وتُحل هذه المعضلة بطريقتين:

الأولى هو اتباع النصيحة التي قدمها عالم الاجتماع «مايكل مان»، الذي لاحظ أنه لا يمكن لأحد التنبؤ بدقة بمستقبل هياكل السلطة واسعة النطاق مثل الدولة؛ أكثر ما يمكن للمرء فعله هو تقديم سيناريوهات بديلة لما قد يحدث في ظل ظروف مختلفة، وفي بعض الحالات لترتيبها حسب الاحتمالية. اعتمد مركز «المفاهيم والعقيدة» في المملكة المتحدة هذا النهج ووضع سيناريوهات متعددة لدعم تحليله للمستقبل.

ثانياً، من الضروري توسيع العدسة التي يتم من خلالها عرض المستقبل وفهم السياق السياسي الذي ستوضع فيه التكنولوجيا والحرب والدولة.

في استكشاف العلاقة المستقبلية بين الحرب والدولة، والدور الذي تلعبه التكنولوجيا، نقدم هنا رؤيتان محتملتان. تستكشف الأولى استمرار الوضع الراهن وتمثل الإعداد الافتراضي للحكومات فيما يتعلق بالمستقبل. والثاني تتبع التوصية التي تنص أنه اختيار سيناريو، يُجدر اختيار رؤية تتحدى وتثير الجدل وتخرج من التفكير التقليدي.

يشترك كلا النموذجين في شيء واحد؛ سوف يتأثران بما يمكن اعتباره الموجة التالية من التغيير التقني. يتضح هذا من خلال فكرة تطبيق نظرية «شومبيتر» للدورات الاقتصادية الطويلة التي ذُكرت في بداية المقال على الثورة الصناعية الرابعة. إذ تعتمد الثورة الصناعية الرابعة على الثورة الرقمية، التي بدأت في الستينيات، ولكنها تختلف عنها من حيث أنها تنطوي على إنترنت متنقل وأكثر انتشاراً، وأجهزة استشعار أصغر وأكثر قوة أصبحت أرخص، وذكاء اصطناعي قوي، وتعلم آلي. واستُخدم مصطلح «الذكاء الاصطناعي» لأول مرة في عام 1956 من قبل العالم الأمريكي جون مكارثي.

ووفقاً لتعريفه، فإن الذكاء الاصطناعي هو مجرد تطوير لأنظمة الكمبيوتر لأداء المهام التي تحتاج عموماً إلى الذكاء البشري، مثل التعرف على الكلام والإدراك البصري واتخاذ القرار. وفي الآونة الأخيرة، عرّف «ماكس تيغمارك» الذكاء الاصطناعي بأنه ذكاء غير بيولوجي يمتلك القدرة على إنجاز أي مهمة معقدة على الأقل مثل البشر.

  • اقرأ أيضاً: الثورات الصناعية غيرت حياة البشر جذرياً.. فكيف ستصبح حياتنا بعد الثورة الصناعية الرابعة؟

ويُدفع الارتفاع الأسي حالياً للذكاء الاصطناعي ثلاثة تطورات في عالم الحوسبة؛ الخوارزميات، وزيادة هائلة في قوة الحوسبة، والقدرة على معالجة كميات هائلة من البيانات. ما يعنيه هذا هو أن البشر يواجهون الآن تحديات من قبل الآلات في المجالات المعرفية والمادية للعمل.

كما التقنيات الرقمية التي تحتوي على أجهزة كمبيوتر وبرامج وشبكات في جوهرها ليست جديدة، ولكنها تمثل قطيعة مع الثورة الصناعية الثالثة بسبب مستوى التطور والتكامل داخلها وفيما بينها. وتعمل هذه التقنيات على تغيير المجتمعات والاقتصاد العالمي.

لا تتعلق الثورة الصناعية الرابعة بالآلات والأنظمة الذكية والمتصلة فقط. فهي مرتبط بمجالات أخرى من الابتكار العلمي تتراوح من تسلسل الجينات إلى تقنية النانو ومن مصادر الطاقة المتجددة إلى الحوسبة. إن اندماج هذه التقنيات وتفاعلها عبر المجالات المادية والرقمية والبيولوجية هو الذي يجعل الثورة الصناعية الرابعة مختلفة اختلافاً جوهرياً عن العصور السابقة.

تنتشر التقنيات الناشئة والابتكارات واسعة النطاق بسرعة أكبر وعلى نطاق أوسع من سابقاتها، كما لا تزال تتكشف في بعض أنحاء العالم. استغرق المغزل، العلامة المميزة للثورة الصناعية الأولى، 120 عاماً للانتشار خارج أوروبا؛ على النقيض من ذلك، تغلغل الإنترنت في العالم في أقل من عقد. باختصار، ليست تقنية واحدة محددة ولكن العدد الهائل من التقنيات والتفاعل بينها هو الذي يحدث تغييراً على هذا النطاق غير المسبوق الذي يمكن أن يوصف بالثورة. وماذا يعني هذا إذن بالنسبة للعلاقة بين الحرب والدولة؟

  • اقرأ أيضاً: كل ما تود معرفته عن مشروع “ذا لاين” في نيوم.. مدينة عربية مستقبلية متطورة بلا سيارات وشوارع

يتبنى النموذج الأول للمستقبل سيناريو «العمل كالمعتاد». في هذه النسخة من المستقبل، يظل منطق سياسة الحرب مركزاً على أمن الدولة، ويركّز على التهديدات القائمة على الدولة. يمكن تحديد الأسباب الرئيسية للحرب في فوضى النظام الدولي. إذ تحتفظ الدولة باحتكارها لاستخدام القوة لأن العوائق التي تحول دون دخول سوق الأسلحة لا تزال مرتفعة.

حرب المستقبل .. أسلحة فتاكة وروبوتات

التكنولوجيا و الطائرة الروبوت
طائرة Tempest

بالإضافة إلى ذلك، تستمر الدولة في العمل بفعالية على استخراج الموارد اللازمة للحفاظ على شرعيتها وسلامة أراضيها. في هذا السياق، تبقى الدولة تسعى إلى تطوير التقنيات المتقدمة للدفاع ضد التهديدات التي تستهدف الدولة في الغالب. في هذا السيناريو، يتم تصور الحرب المستقبلية على أنها منافسة متكافئة بين القوات التقليدية في ساحة معركة مؤتمتة بشكل متزايد. وفي هذا الفضاء، سيتم تحييد البشر واستبدالهم في بعض الحالات بالذكاء الاصطناعي والروبوتات التي تتنافس مع أشكال فتاكة متزايدة من الأسلحة.

في هذه الرؤية للمستقبل، يتبع سعي الجيش للتكنولوجيا التالية نمطاً مألوفاً، وتستمر المخاطر وعدم اليقين في جعل تمويل الدولة ودعم السياسات لا غنى عنه لبحوث الدفاع. أحدث مثال على هذا النشاط هو وعد حكومة المملكة المتحدة بمشاركة شركة «British Aerospace» في تكلفة تمويل تطوير عارض تقني للجيل القادم من الطائرات المقاتلة. أبرزها «تيمبيست»، إذ يمكن لهذه المقاتلة أن تعمل إما كطائرة مأهولة أو بدون طيار؛ ستعتمد على الذكاء الاصطناعي وتوظف أسلحة طاقة موجهة.

ومن الأمثلة الأكبر على سيناريو الوضع الراهن إستراتيجية «الإزاحة الثالثة» التي تقودها أمريكا، وهي برنامج مصمم للحفاظ على التفوق العسكري التكنولوجي لأمريكا. وفي جوهر الإزاحة الثالثة، هناك نية لاستغلال التقدم في استقلالية الآلة، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والاتصالات الرقمية المحسّنة لتحسين واجهة الإنسان والآلة في ساحة المعركة المستقبلية. تستثمر الولايات المتحدة 18 مليار دولار أمريكي في إنشاء هذه القدرات، على الرغم من أنه ليس من الواضح تماماً استخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي في الجيش بعد.

  • اقرأ أيضاً: شركات عربية ناشئة تُشكل ملامح المستقبل الصناعي

الجميع يستعد لحروب الجيل الجديد

التكنولوجيا والحرب - روبوت عسكري صيني
روبوت صيني مسلح في مهمة استطلاعية خطرة

من المهم كذلك ملاحظة أن الدول غير الغربية تنتهج هذه السياسات أيضاً. المثال البارز هنا هو الصين. نموذجها الاقتصادي، الذي يعتمد على الرأسمالية التي ترعاها الدولة، يمكّنها من العمل في شراكة وثيقة مع شركات التكنولوجيا الصينية المملوكة للقطاع الخاص لتحقيق الاكتفاء الذاتي التكنولوجي على نطاق واسع في كل من التجارة والدفاع.

إذ نما الاستثمار في البحث والتطوير بنسبة 20% سنوياً منذ عام 1999 لدرجة أن الصين تنفق الآن 233 مليار دولار أمريكي سنوياً، وهو مبلغ يمثل 20% من إنفاق العالم على البحث والتطوير. وتركز على ثلاثة محاور رئيسية تتعلق بقدرتها على التحكم في الإنترنت؛ هي أشباه الموصلات والحوسبة الكمومية والذكاء الاصطناعي. وفي عام 2017، استحوذت الصين على 48% من إجمالي تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي، وتهدف حكومة بكين إلى أن تكون مركز الابتكار العالمي في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030.

في هذا السيناريو، إذًا، يمكن للدولة حصاد وصقل مجموعة من التقنيات الجديدة التي يولدها القطاع الخاص بدلاً من القطاع العام بطريقة تحافظ على احتكارها لاستخدام القوة. وفي الوقت نفسه، يتعزز هذا الاحتكار بسبب تعقيد هذه القدرات والتحديات التي تُطرح لاستخدامها في العمليات، والتي تتطلب قوى جيدة التدريب والمهنية. ستستمر الشركات العسكرية الخاصة، لكن وجودها سيعتمد على قدرتها على الاعتماد على هذه المجموعة من الأفراد المدربين الذين أنشأتهم الدولة لتعبئة مؤسساتهم، مما يعني أنها ستدعم، ولن تتحدى، دور الدولة كمزود للأمن.

في السيناريو الثاني للمستقبل، يعكس منطق سياسة الحرب صورة أكثر قتامة. في هذا الوضع، يكون الصراع نتاجاً لليأس الناجم عن الندرة، والتي تحدث على نطاق عالمي. والأهم من ذلك، أن أسباب الحرب تكمن داخل الدول وكذلك بينها. في هذه الأزمة متعددة الأوجه، يؤدي التغيير التكنولوجي إلى إضعاف الدولة بدلاً من تقويتها وتقويض قدرتها على التعامل مع تسونامي من المشاكل التي تجتاحها.

بدأ الجدل حول وجهة النظر هذه حول منطق السياسة المستقبلية للحرب في عام 1972 بنشر كتاب مثير للجدل بشكل كبير بعنوان «حدود النمو». استكشف تأثير النمو السكاني والتصنيع والتلوث ونقص الموارد والزراعة على النظام الاقتصادي العالمي. كان استنتاجه الرئيسي هو أن النمو السكاني سيخلق طلباً نهماً على السلع، متجاوزاً قاعدة الموارد المحدودة للكوكب.

إن جهود الإنسانية لمعالجة هذا الاختلال في التوازن في العرض والطلب من خلال زيادة الإنتاجية ستكون هزيمة ذاتية وتسبب مجموعة من المشاكل البيئية. وعلى الرغم من مرور الوقت منذ ظهوره لأول مرة، فقد وضع هذا الكتاب موضوعات مرتبطة صراحةً بمجموعة القضايا الأمنية التي نواجهها اليوم.

علاوةً على ذلك، زعمت دراسة أجرتها جامعة ملبورن في عام 2014 أن العالم ربما لا يزال كذلك. يتحرك على طول المسار الذي تم رسمه في عام 1972، ويمكن أن يحدث هذا الانهيار الاقتصادي والبيئي قبل عام 2070.

تشير الاتجاهات الحالية إلى احتمال حدوث أزمة بيئية بالتوازي مع أزمة اقتصادية محتملة. ومن المفارقات أن مصدر هذا المأزق يكمن في المشاكل المحتملة الناتجة عن الثورة الصناعية الرابعة.

الذكاء الاصطناعي يسرق وظائف البشر

التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي يسرق وظائف البشر

وكما هو حال الجيش، يقترب العمل أيضاً بسرعة من وقت يمكن فيه للذكاء الآلي أداء العديد من الوظائف التي كان يقوم بها البشر حتى الآن في مجموعة من المهن. كما كان الابتكار مفيداً بشكلٍ كبير في تلك المهن التي اعتمدت على العمل البدني، مما سمح بتطوير أشكال جديدة من النشاط الاقتصادي والتوظيف بناءً على القدرات الإدراكية البشرية. ومع ذلك، فإن هذه الميزة النسبية المعرفية مهددة الآن، مثل خوارزميات الكمبيوتر وصلوا إلى نقطة يمكنهم فيها التفوق على البشر في العديد من الوظائف.

  • اقرأ أيضاً: هل يعتبر الذكاء الاصطناعي صديقًا لمصممي المواقع الإلكترونية أم عدوًا لهم ويسرق وظائفهم؟

فمن المتوقع في شؤوننا الاقتصادية والسياسية أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إحداث ثورة. توقع تقرير لشركة «PriceWaterhouseCooper» أن 38% من جميع الوظائف في الولايات المتحدة معرضة لخطر كبير من الأتمتة بحلول أوائل 2030. معظم هذه الوظائف روتينية مثل سائقي الرافعات الشوكية وعمال المصانع والصرافين في تجارة التجزئة وصناعات الخدمات الأخرى.

ويدعم هذا التحليل المحبط تقدير بنك إنجلترا بأن ما يصل إلى 15 مليون وظيفة معرضة للخطر في المملكة المتحدة من الروبوتات المتطورة، وأن خسارتها ستعمل على توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

كما في الماضي، ستكون القطاعات الأكثر تأثراً بهذا التغيير هي القطاعات الاقتصادية الأقل قوة في المجتمع؛ العمالة القديمة وغير الماهرة وغير المنظمة. إذ تمكنت الطبقات الإدارية والمهنية حتى الآن من استخدام مناصبهم الاقتصادية والسياسية لحماية أنفسهم من أسوأ آثار مثل هذه الأزمات. لكن الفرق الكبير في هذه الثورة هو أن الذكاء الاصطناعي يهدد المهن التقليدية للطبقة الوسطى كذلك. أي ستكون أي مهمة يمكن القيام بها عن طريق تطبيق خوارزميات البحث عن الأنماط ضعيفة. وهذا يشمل البنوك والتمويل والمحاماة وحتى التعليم.

جادل بعض الباحثين بأن البشر يحتاجون إلى اللمسة الشخصية في حياتهم اليومية، وبالتالي يضمن البشر بذلك مكاناً في سوق العمل. لكن للأسف، يتحدى البعض الآخر حتى هذا الرأي، من منطلق أن الآلات يمكن أن تحاكي التعاطف من خلال مراقبة ضغط الدم والمؤشرات المادية الأخرى في التفاعلات بين الذكاء الاصطناعي والبشر.

ويدعم هذا الرأي تقرير صادر عن صحيفة «وول ستريت». ففي تحقيقاتهم حول استخدام الذكاء الاصطناعي في توفير العلاج النفسي، وجدوا أن الناس يفضلون العلاج الذي يقدمه الذكاء الاصطناعي على وجه التحديد، لأنه آلة، وبالتالي لم يشعروا بالحكم عليهم. يمكن أيضاً تهيئة النظام ليلائم تفضيلات الأشخاص، وإنشاء صورة ثلاثية الأبعاد يتم إنشاؤها بواسطة الكمبيوتر تكون مريحة ومطمئنة.

التكنولوجيا والبشر

من القيود الكبيرة على تقنيات الذكاء الاصطناعي والآلة أنها لا تستطيع حالياً محاكاة براعة البشر في التعامل مع الأشياء الحساسة، وهذا يترك دوراً للبشر في مكان العمل. ومع ذلك، ينظر العلماء إلى استخدام الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الآلات كوسيلة لمعالجة النقص الحاد في العمالة الذي يعاني منه قطاع قطف الفاكهة؛ ويشمل ذلك تطوير آلات قادرة على تحديد الفاكهة الناضجة للقطف، والقيام بذلك بطريقة لا تضر بالمنتج أثناء الانتقاء أو المعالجة أو التوزيع. بالنظر إلى هذه التطورات، فإن توقع الباحثون بمستقبلٍ مظلم للبشر في مكان العمل أمرٌ منطقي. وومن المرجح أن تؤدي البطالة الجماعية على نطاقٍ غير مسبوق إلى العنف وعدم الاستقرار.

مزيد من الأدلة لدعم السيناريو المحبط الموضح هنا يقدمها الرئيس السابق لشركة «Google China»، الدكتور «كاي فو لي»، وهو رجل لديه عقود من الخبرة في عالم الذكاء الاصطناعي. ومن وجهة نظره، فإن الذكاء الاصطناعي سيقضي على مليارات الوظائف صعوداً وهبوطاً في السلم الاقتصادي.

يجادل معتنقو الرأي المعاكس لهذا الرأي أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى خلق وظائف جديدة ومهن جديدة. ولكن الأدلة لا تدعم هذا الإدعاء. إذا نظرنا إلى الوراء على مدى القرن الماضي، فإن الواضح هو أن الغالبية العظمى من المهن اليوم تسبق ثورة الكمبيوتر. الأهم من ذلك، أن الوظائف الجديدة التي أنشأتها أجهزة الكمبيوتر لم تولد عدداً هائلاً من الشواغر.

آليات مواجهة الدولة تحديات المستقبل

قد تحدد ثلاثة عوامل مدى جودة تعامل الدولة مع هذه التحديات؛ أولها سرعة وشدة التحول الذي نحن على وشك تجربته. ثانيها، ما إذا كانت المشكلة مؤقتة أو يحتمل أن تستمر. وثالثها، ما إذا كانت الموارد متاحة للدولة للتخفيف من أسوأ آثار هذه التغييرات.

في الماضي، استخدمت الحكومات الغربية مجموعة من السياسات للتعامل مع حالات الركود، أو ندرة الموارد كما حدث في السبعينيات مع النفط. ومع ذلك، فإن استجابات سياسات الاقتصاد الكلي هذه عملت على افتراض أن مثل هذه الأزمات كانت مؤقتة، وأن النمو الاقتصادي سوف يستأنف ويعود إلى طبيعته بسرعة إذا تم اتخاذ التدابير الصحيحة. في المقابل، تحدث الأزمة البيئية وثورة الذكاء الاصطناعي بسرعة، وسيكون كلاهما من السمات الدائمة للحياة الاقتصادية والسياسية.

وستتطلب هذه الثورة الأخيرة تغييراً جذرياً في موقفنا تجاه العمل والترفيه، مع التركيز على الأخير. كما يُعتقد أننا سنحتاج إلى إعادة توزيع الثروة على نطاق واسع. في حالة عدم وجود عمل، قد تلجأ الحكومة إلى توفير دخل أساسي لكل شخص بالغ، بالإضافة إلى أموال للتعليم والتدريب. يمكن أن تأتي الإيرادات لتمويل مثل هذا المخطط من الزيادات الضريبية على التلوث والسلوكيات الاجتماعية السلبية الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أيضاً فرض الضرائب على الملكية الفكرية، التي ستصبح مصدراً مهماً للثروة.التكنولوجيا والصين

في هذه النسخة من المستقبل، سيكون الجانب الأساسي للتفاعل بين التكنولوجيا والحرب هو التحدي الذي يواجه احتفاظ الدولة باحتكار العنف. تم تقديم توقعات حول نهاية احتكار الدولة لاستخدام القوة من قبل، لكن المسار الحالي للتغير التكنولوجي يجعل هذا التهديد أكثر منطقية، ويقرّبه جنرالان في جيش التحرير الشعبي الصيني، «تشياو لانج» و «وانغ شيانغ سوي». إذ تم تصور دراستهما في كتاب «الحرب غير المقيدة» بشكل أساسي في سياق حرب مستقبلية بين الولايات المتحدة والصين، وبالتالي تم تطوير تفكيرهما في إطار الصراع القائم على الدولة.

ومع ذلك، فإن أطروحتهم المركزية ذات صلة هنا لأنهم اعتقدوا أن العالم كان يعيش في عصر غير مسبوق من حيث سرعة واتساع الابتكار التكنولوجي. لقد جادلوا بأن هناك العديد من التقنيات الأساسية الناشئة بحيث يصعب التنبؤ بكيفية دمجها، أو ما هو تأثير هذه المجموعات من الناحية العسكرية والسياسية.

إن التطورات في التكنولوجيا الحيوية، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا النانو، وبالطبع ثورة المعلومات تخلق فرصاً وطرقاً جديدة لمهاجمة الدول الأخرى. من الملاحظات المهمة التي وردت في الحرب غير المقيدة أن التقنيات الجديدة، التي يمكن استخدامها كأسلحة، أصبحت جزءاً من حياتنا اليومية العادية. باختصار، حدد الجنرالان مجموعة من الوسائل غير العسكرية التي هي من الناحية الفنية خارج سيطرة الدولة، والتي قد تسمح للاعب أضعف بمحاربة خصم أكثر قوة وهزيمته.

التكنولوجيا والحرب

لقد أثبتت السنوات العشرين التي مرت منذ أول نشر لكتاب «الحرب غير المقيدة» بصيرة المؤلفين فيما يتعلق بما يعتبر أنواعاً جديدة من النزاعات اليوم. على سبيل المثال، بدا أن ما أطلقوا عليه «حرب الإرهاب الخارقة» قد أتى ثماره في أحداث 11 سبتمبر. يمكننا أن نرى كيف استغلت الجهات الحكومية وغير الحكومية التقنيات اليومية الناشئة التي تتحدى الدول القومية القوية. مثل الطريقة التي استخدمت بها الجماعات المتطرفة وسائل التواصل الاجتماعي كسلاح في جهودها لإضعاف أولئك الذين يعارضونها. في الواقع، زعم تنظيم الدولة الإسلامية أن أسلحة وسائل الإعلام يمكن أن تكون أقوى من القنابل الذرية!.

يُعتقد أن روسيا تعتمد بشكل متزايد على الوسائل غير العسكرية لتحدي الغرب. ليس من المستغرب أن تتزايد الأدلة على أنها أثرت على نتيجة الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016. هذا النوع من النشاط هو الآن سمة ثابتة لطيف الصراع وتمارسه مجموعة متنوعة من الدول.

وفي أغسطس/آب 2018، أغلق فيسبوك أكثر من 600 حساباً وصفحةً مزيفين لهم صلات بمنظمات حكومية روسية وإيرانية. في كلتا الحالتين، يبدو أن الهدف كان التأثير على السياسة الداخلية في المملكة المتحدة والولايات المتحدة والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية. وتم تحديد أربع حملات، نشأت ثلاثٌ منها في إيران. ومع وجود أكثر من ملياري حساب للشرطة على فيسبوك، يُخشى أن تستمر هذه الممارسة.

تكنولوجيا الحرب لم تعد حكراً على الدول

الطباعة ثلاثية الابعاد طباعة سلاح التكنولوجيا العسكرية

إن انخفاض تكلفة العديد من التقنيات المستخدمة في كل من القطاعين الدفاعي والمدني يجعلها في متناول الدول الضعيفة والجهات الفاعلة العنيفة من غير الدول.

يمكن رؤية مثال ممتاز لهذا الاتجاه في مجال البيولوجيا التركيبية؛ وهو مجال جديد يجمع بين قوة الحوسبة والبيولوجيا في تصميم وهندسة أجزاء وأجهزة وأنظمة بيولوجية جديدة وإعادة تصميم الأجزاء الموجودة لأغراض أخرى. ففي عام 2003، أكمل مشروع الجينوم البشري أول تسلسل كامل للحمض النووي البشري. استغرق الإنجاز الناجح لهذا المشروع عشر سنوات وكان نتيجة عمل تم إنجازه في أكثر من 160 مختبراً، شارك فيه عدة آلاف من العلماء وكلف عدة مليارات من الدولارات.

أصبح من الممكن الآن شراء جهاز تسلسل الحمض النووي بعدة آلاف من الدولارات وتسلسل جينوم الشخص في أقل من أربع وعشرين ساعة. في الواقع، انخفضت تكاليف التسلسل بشكل حاد لدرجة أن الصناعة لم تعد مربحة في العالم المتقدم وهي تتم الآن بشكل أساسي داخل الصين.

مثالٌ آخر على التهديد المحتمل الذي يشكله هذا العلم الجديد؛ في عام 2005، قلق العلماء بشأن إمكانية حدوث جائحة إنفلونزا أخرى، وأعادوا تكوين فيروس الإنفلونزا الإسبانية الذي قتل خلال عام 1918 وبعده 50 مليون شخص في غضون عامين. في عام 2011، استخدم العلماء هذه التقنيات للتلاعب بفيروس إنفلونزا الطيور «H5N1» وخلق نوعاً مختلفاً يمكن أن ينتشر من الطيور إلى الأنواع البشرية.

يُخشى أن يكون العائق التقني للدخول إلى هذا المجال منخفضاً بما يكفي الآن بحيث يمكن استغلاله لأغراض شائنة من قبل الأفراد أو الجماعات. وتم التعبير عن نفس المخاوف بالضبط بشأن المجال الرقمي. إذ تمنح القوة الإلكترونية للشباب الصغار نوع القدرة التي كانت تقتصر على القوى العظمى في السابق. وفي المستقبل، قد نتمكن حتى من صنع أسلحة عبر طابعات ثلاثية الأبعاد. فمن الناحية النظرية، من الممكن بناء مسدس أو حتى بندقية هجومية بهذه التكنولوجيا.

تحتاج أكثر من مجرد تكنولوجيا للحرب القادمة

دودة ستكسنت التكنولوجيا في الحروب

ومع ذلك، قبل أن نستنتج أن الدولة على وشك الانهيار، علينا أن نتذكر أن هذه التقنيات لا تزال في مرحلة النضج. لذلك، ما إذا كان التقدم في المجال السيبراني سيؤدي إلى تقويض أو تعزيز سلطة الدولة أم لا يبقى نقطة خلاف. فإن شن هجوم ناجح ضد دولة أخرى عبر هذه الوسيلة يمكن أن يكون مكلفاً للغاية.

كان فيروس الكمبيوتر «Stuxnet»، الذي تم استخدامه لمهاجمة البرنامج النووي الإيراني، عبارة عن برنامج معقد للغاية طوره فريق من المتخصصين على مدار فترة طويلة. يتطلب الإدخال الناجح لهذا الفيروس في الأنظمة أيضاً معلومات استخباراتية عالية الجودة حول البرنامج النووي الإيراني. وبالتالي، فإن نجاح الهجوم السيبراني يعتمد على مزيج من القدرات، وليس فقط تطوير فيروس، وفي الوقت الحالي، فإن هذا يمنح الدول ميزة كبيرة.

يمكن توضيح نقطة مماثلة في حالة الطباعة ثلاثية الأبعاد؛ عليك أن تفعل أكثر من مجرد تنزيل الكود لطباعة السلاح. تحتاج أيضاً إلى الوصول إلى برامج تصميم معقدة ومكلفة بمساعدة الكمبيوتر وطابعة ثلاثية الأبعاد معدنية عالية الجودة قادرة على استخدام الفولاذ أو الألومنيوم أو النيكل. وتبلغ تكلفة هذه الآلة أكثر من 100 ألف دولار أمريكي، أي ما يقرب من 60 ضعف سعر الطابعة ثلاثية الأبعاد القياسية التي تستخدم البلاستيك. وقد تم استخدام هذا الأخير لطباعة البنادق البلاستيكية، ولكن ثبت أنها غير موثوقة ومن المحتمل أن تنفجر في يد المستخدم.

أخيراً، ستسمح التكنولوجيا أيضاً للدول بمحاولة مواجهة التهديدات الداخلية لسلطتها. إذ أن هناك اتجاهاً مهماً في الحرب على الإرهاب يتمثل في التباين بين التطبيقات المدنية والعسكرية للتقنيات التي تتعامل مع التحكم والمراقبة والاتصالات والمحاكاة والاستهداف. وزادت القدرة على السيطرة عبر التقنيات التي تهدف إلى تقديم خدمة بشكلٍ كبير من فرص إجراء المراقبة الإلكترونية لمجموعة من الأغراض الأخرى، مثل مواقف السيارات.

 

0

شاركنا رأيك حول "كيف ما زالت تساهم التكنولوجيا في تغيير شكل الحروب بين الدول؟ – الجزء الثاني"