1

لعبت الرّواية القِصَصيّة دوراً محورياً في تكوين وعينا وفهمنا للعالم الخارجيّ منذ فجر التّاريخ، فالقِصصُ هي نوافذٌ نرى من خلالها ماضينا الإنسانيّ، وتعكسُ شكلَ حاضرنا وتفتح لنا قنواتً عبر الزمن لتمنحنا القدرة على رؤية لمحاتٍ عن المستقبل، بل تأخذك أيضاً إلى عوالم جديدةٍ ومليئةٍ بالعجائب والغرائب وبعيدةً عن حدود الواقع والمنطق، فلا حدودَ للخيالِ الإنسانيّ.

كما أن لا حدود للتطوّر التقنيّ أيضاً، وهو يتسارع بوتيرةٍ عاليّةٍ في السنواتِ الأخيرة لدرجةٍ تجعلُك تشعر بأنّك غيرُ قادرٍ على اللحاقِ بها وفهمها أحياناً.

وحيث أنّ التقنيّة تؤثّر دوماً بالرّواية القصصّية وتتأثر بها، فإنّ تطورّها وتغيّرها يؤثّر بها أيضاً ويفتح أمامها الكثير من الأبواب نحو مجالاتٍ جديدة لم تصل إليها من قبل، ويمنحها القدرة على الانتشار بشكلٍ أوسع وأبعد في المكان والزّمان وبموثوقيّة أكثر.

سنحاول في هذا المقال التعّرف على تلك العلاقة بين الرواية القصصية والتقنية عبر العصور حتّى زمننا الحاضر، وكيف ستكون في المستقبل.

السّردُ الشّفهيّ للقصّة؛ بين الإيلياذة والآيتونز

ربّما كانت اللُّغة نفسها هي التقنية الأُولى التي فتحت المجال أمام الإنسان لرواية القصص، فالهَمْهَمات الأولى التي أطلقها أسلافنا القُدامى للتعبير عن جوعهم، أو لتنبيه بعضهم من خطرِ حيوانٍ مفترس قادم، تطورّت تدريجياً إلى نظامٍ لُغويّ معقّد، شكّل الأرضيّة الأُولى للرواية القصصيّة كما هي اليوم.

ولقرون تَلَتْ، كان السّرد الشّفهي للقصّة الأسلوب الأساسيّ لتناقلها بين الشّعوب وعبر الأزمان. فكانَ منها أعمالَ خالدةٍ كالإلياذة والتي بقيت قصيدةً شفهيةً يتناقلها النّاس لمدّة طويلة قبل أنّ تدوينها على الورق للمرّة الأُلى. حيث كان يتجمهر النّاس حول الشّاعر ليروي لهم ما في جعبته من قصصٍ وحكايا.

ومع الظّهور الأوّل للراديو في بداية القرن العشرين، وفّرت للناس إمكانيّة إستحضار الرُّواة والشعراء إلى منازلهم، وهو ما منح النّاس شعوراً بأنّ الراوي يسرد لهم القصّة عن لسانه بشكلٍ مباشر مما جعلها أكثر إقناعاً وفاعلية (ويُمكن القول أحياناً أنّها أصبحت مقنعةً للجمهور بما يزيد عن حدود المنطق). وفي يومنا هذا فإن أدوات تشغيل الملفّات الصوتية تطورت كثيراً كالبودكاست مثلاً التي أصبحت ظاهرةً عالمية.

فالشّعور بالتواصل والتوافق بين الراوي والمستمع ازداد بشكلٍ كبير مع تقدّم التكنولوجيا، لكنّ جوهر الرواية الشّفهية للقصّة بقي كما هو منذ آلاف السّنين.

السّرد البصريّ للقصة؛ من جدران الكهوف إلى جدران الفيسبوك

الصّورة أبلغ من ألفِ كلمةٍ بكلِّ تأكيد، فهي قادرة على تحفيز المشاعر الإنسانية بكلِّ جوانبها. وأوّل حضورٍ للسرّد القصصي البصري سُجّل على جدران الكهوف منذ ما يُقارب الـ 40,000 عامٍ قبل الميلاد. وفي الألفيّة الأولى قبل الميلاد ظهرت تقنيّاتٌ جديدةٌ كالمسارح العامّة ومسارح العرائس وغيرها، أسهمت بتحويل الرواية القصصيّة إلى عملية بصريّة بشكلٍ أكبر، فتدخّلت عناصر جديدة كأشكال الشّخصيّات وحركتها وطريقتها في الكلام وتعبيرها عن مشاعرها.

وإن خَطوْتَ قليلاً للأمام ستجد كم أنّ التقنيّة تلعبُ دوراً أساسيّاً في تطوّير الرواية القصصيّة. فخلال القرن التاسع عشر ظهرت الكاميرا وأجهزة عرض الأفلام المصوّرة لتمنح المشاهدين القدرة على رؤية الصّور المتحركة لأول مرة، فأدخلت الرواية القصصية إلى عصرٍ جديد. وفي القرن العشرين، ساعدت أدوات عرض الفيديو كالأفلام والتلفاز وأفلام الأنيميشن الرُّواة لتوسيع نطاق وحجم رواياتهم، وعلى خلق شخصيّاتٍ وسيناريوهاتٍ يستحيل تقديمها أو تشكيلها في عرضٍ حي.

أمّا مع توفّر الهواتف الذكية وخدمات البثّ أصبحت الرواية المرئيّة أكثر وصولاً إلى المشاهدين من أيّ وقتٍ مضى، وكلّ شخصٍ منّا اليوم قادر على صنعِ قصّة مرئيّة أو نشرها أو مشاهدتها بأيّ لحظةٍ ومن أيّ مكان.

لكنّ في النّهاية تبقى الدوافع لخلق عالمٍ جديدٍ للآخرين ليعيشوا فيه ويتفاعلوا معه وسرد الروايات وتخليد الاحداث ونقل الأخبار هي التي دفعت بالإنسانِ لرسم تلك الصور البدائيّة على كهوف الجدران، وهي ذاتها أيضاً التي تدفعه لصناعة الروايات القصصية المرئيّة بأشكالها المختلفة وتقنياتها المتطوّرة اليوم.

القصّة المكتوبة؛ على الألواح الطينيّة والحواسيب اللوحية

بالرغم من استحالة تقفّي أثرَ أوّلُ عملٍ أدبيّ مكتوب، لكن اللوح السّومري ذي الكتابات المسماريّة المحفورة عليه يُعدُّ من أقدمها. وعندما أصبحت الكلمات المكتوبة أكثر أنتشاراً وشيوعاً ظهرت معها الأعمال الكلاسيكيّة الأولى كملحمة جلجامش مثلا فكانت عاملاً مساعداً على انتشارها وبقائها حتّى يومنا هذا.

تدريجيّاً، تطورت الكتابة من الألواح الطينيّة إلى أشكال أخفّ وأسهل كورق البُردَى والجلود والورق كما نعرفة اليوم، فأصبحت الكتابة أسهل ولكنّ نسخها وانتشارها ما زال معقّداً وصعباً.

في العام 1439 وضع الصّائغ الألمَانيّ “جوهانيس غاتينبرغ” اختراعاً غيّر وجه البشريّة؛ وهي الآلة الطابعة القابلة للحركة، فغيّرت معها الرواية القصصّة تغييراً جذريّاً. فالطابعة فتحت المجال أمام عملية إنتاج الأعمال المكتوبة لتكون أسرع وأرخص، وبأعدادٍ أكبر. وهي لم تُسهم بنشر العلم والمعرفة عالمياً وحسب، بل منحت رواةُ القِصص الإمكانية لنشر أعمالهم إلى جمهور أكبر وأوسع بكثير.

مع قدوم الحواسيب في منتصف القرن العشرين، جاءت معه إمكانيّة النّشر الأدبيّ رقميّاً، مما جعل الوصول إلى القصص المكتوبة أكثر سهولةً أيضاً. وفي أواخر العام 90 من القرن العشرين أصبحنا نرى مواقع إنترنت كـ “Blogger” و “LiveJournal” تمنح أي شخصٍ في أيّ مكان يمتلك أتصالاً بالإنترنت فرصةً لنشر أعمالهم أمام العالم أجمع.

الهواتف الذّكية والأجهزة اللوحية الرقمية سهّلت من عمليّة كتابة وقراءة الروايات أكثر فأكثر، كما فتحت المجال امامنا للوصول إلى مكتباتٍ عالميّة ضخمةٍ في أي مكانٍ من العالم من خلال لمسة واحدة على الشاشة.

السّردُ التَّفاعُليّ للقصة

الرّواية التفاعلية هي فنّ سرد القِصص بميّزاتٍ تفاعليّة تقنيّة واجتماعيّة وتعاونيّة لتمنحنا محتوىً  قابلٍ للتغيّر والتّكيّف مع السّلوكيّات المتغيّرة والجديدة للبيئات المجتمعيّة سريعة التغيّر وكثيرة التنوّع.

فنحن جميعاً عندما نطلب من جمهورنا أن ينقر أو يسحب للأعلى أو يذهب إلى رابطٍ ما، أو ليتعاون مع مشروعٍ تفاعليّ ما أو ليتبع قصّة مجزّأةٍ على عدّة منصّاتٍ مختلفة نسعى للتفاعل معه.

تأثير المجال التّفاعلي على الرواية القصّصية متعدّد الأوجه والاشكال كما عمليّة التفاعل نفسها، ويُمكن ملاحظة هذا الأثر في شكلِ القصّة كما في المضمون. وعلى الأُدباء والمبدعين الذين يتوجّب عليهم تغيير طريقة تفكيرهم وكتابتهم وتعاونهم في هذا المضمار.

هذا النّوع من السّرد القصصي يزداد نموّاً يوماً بعد يوم وتتعدّد أنواعه:

الكُتب التّفاعلية:

وهي أكثر الأنماط شيوعاً للرواية التّفاعلية، حيث يُمكن أن يتألف الكتاب من عدّة مقدّماتٍ مختلفة بحيث تتغيّر القصّة تبعاً للمدخل الذي تختاره. يُمكّنك هذا الأمر من اختيار الاتجاه الذي تريد أن تذهب إليه القصّة في كلّ مرة.

القصّة الدوريّة:

وهي القصص التي يتعدّد روُاتها، فيكون كلّ قسم من القصّة من تأليف كاتبٍ مختلف. أحد أمثلتها رواية Good Omens  لـ Neil Gaiman و Terry Pratchett.

القصّة التفاعليّة الرّقمية:

والتي تدمج مجموعة من الأدوات كالصوت والموسيقى والصّور الثابتة منها والمتحرّكة والنّصوص المكتوبة والرُّسومات والفيديوهات. حيث يتعاون التصميم الصوري والإخراج الرقمي والسرد القصصي التقليدي معاً لخلق تجربة مميزة للجمهور مع القصّة. وهذه أمثلة عنها:

الأفلام التفاعلية

إحدى حلقات مسلسل Black Mirror التلفزيوني للكاتب Charlie Brooker تحت عنوان Bandersnatch هي حلقة تفاعلية؛ حيث يُطلب من المشاهد اختيار الخطوة التالية التي يعتقد أّن على الشخصيّة الرئيسية القيام بها، وكلّ اختيار يقود إلى أحداثٍ جديدة وقصّة مختلفة، حتّى أنّ طول الحلقة يتغير بين 40 دقيقة و90 دقيقة حسب الطريق الذي تسلكه أحداث القصة.

ألعاب الفيديو:

أحد أفضل الأمثلة عن القصة التفاعلية هي ألعاب الفيديو، فالألعاب تتواصل مع لاعبيها من خلال الحوارات، والخطابات والسيناروهات المختلفة، حيث تتعدّد فصول ومراحل والنّهايات المحتملة للقصة تبعاً للطريق الذي يسلكه اللاعب في اللعبة. حتّى أنّ ألعاب الفيديو أصبحت اليوم نوعٌ أساسي من أنواع الأدب كما الشّعر والرواية والمسرح.

هذه الأنواع الجديدة التفاعلية من السرد القصصي تعيد تحديد دور الكاتب وموقعه من القصّة، وتتطلب منه توسيع مهاراته وقدراته ومجالات معرفته. منها ما يُسميه Chris Crawford “التفّكير بالطرف الآخر”؛ وهي قدرة المؤّلف على التنبّؤ حوافز وردات فعل القارئ حين يضعه أمام الاختيار خلال سرد القصّة.

 

السرّد القصصَي التّفاعُلي في الواقع الافتراضي والواقع المُعَزَّز

في الشّكل التقليدي للسّرد القصصي يكون هناكٍ راوٍ يروي قصّته للقارئ أو المستمع أو المشاهد. أمّا في الواقع الافتراضي VR والواقع المُعزّز AR على العكس تماماً، لن تكون أنت عبارةً عن متلقٍّ فقط؛ فكما يقول المُخرج Chris Milk:

في المستقبل ستكون أنت الشّخصيّة الرئيسيّة في القصة، وستكون محور أحداثها”.

وبالرّغم من أنّ الواقع الافتراضيّ حديث الولادة وما زال في مهده، لكنّ Abigail Posner رئيس قسم التّخطيط في في Google Zoo يعتقد بأنّها ستغيّر مفهومها كُليّاً من “سرد القصّة” إلى “عَيش القصّة”.

يتمّ تصوير المشاهد بكاميرا 360 درجة، ويتمّ دمج أو خلق العالم الافتراضي حاسوبياً، حيث يُمكنك مشاهدة القصّة من عدّة زوايا وبسيناريوهاتٍ مختلفة، كما يُمكن أن تكون أنت بطل القصّة حيث يمكنك المشي في المكان والتفاعل مع الأشخاص والأشياء من داخل القصّة في عالمٍ أفتراضيّ كليّاً أو مُعزّز.

 

نشرة الطّقس بالواقع المُعزز من قناة THE WEATHER CHANNEL

فوائد التقنية على السّرد القصصي:

التقنية لا تغيّر جوهر السّرد القصصي أو أهدافه ولا تهدّد وجوده، فالرواية اليوم -وبالرغم من الكثير من التقنيات والأدوات المتاحة والمستجدّة على السّرد القصصي- تتشابه في العديد من النقاط مع تلك التي وجدت منذ فجر التاريخ. بل أنّ التقنيات المتاحة اليوم تُسهم في تعزيزها ونشرها على نطاقٍ أوسع.

والأكثر من ذلك فإن تلك التقنيات تمنح المبدعين الفرصة لطرح أفكاراً جديدة، فالفنّ والعلم (أو التقدم التقني) خطّان متوازيان يتفاعلان مع بعضهما البعض، والفنّ يتأثر بالتقنية لأنّ الفنانين يعشقون التجربة والمغامرة واستغلال كلّ أداةٍ جديدة متاحة.

تُساعد التقنية المتقدمة على الإحاطة بالقصّة بكلِّ تأكيد، فالحواسيب المحمولة تحلّ محل الآلة الكاتبة، والتي بدورها جاءت لتكون بديلاً عن القلم. فتحت الكاميرا باباً جديداً للقصة البصرية، ومعها جاءت المؤثرات البصريّة الحديثة، كلّ تلك الأدوات فتحت لنا مجالات لتجسيد وإخراج كلّ ما يجول في خيالنا، والخيال هو الأساس وهو المنطلق وبدونه لن يكون هناك قصّة ولا سرد قصصي مهما امتلكنا من تقنيات.

السّرد القصصي في المستقبل

أتعلمون أنّ حجم ما يتمُّ رفعه على موقع يوتيوب في شهرٍ واحد يفوق ما تمّ بثّه على أكبر ثلاث شبكاتٍ تلفزيونية في الـ 60 عاماً الماضية!

في ظلّ هذا الواقع، على رُواة القصص بذل الكثير من الجهد ليكنوا جزءاً من هذا الكمّ الهائل من التدفّق المعلوماتي، بأن يتعلّموا كيفيّة الاستفادة منه ودفع المتلقّي ليكون جزءاً من عمليّة سرد القصّة.

أشكال القصّة -المتعدّدة الأدوات أو التقنيات- المستجدّة ما زالت قيد التطّور، وألعاب الفيديو مثلاً تَلعَبُ دوراً ريادياً في هذا المجال بما تُقدّمه من تجربة غنيّة تسمح للمتلقّي أو اللاعب أن يختار طريقه في القصّة وأن يكون هو محور أحداث القصّة من خلال ما تمتلكه القصّة التي تُبنى عليها اللعبة من أدواتٍ وتقنياتٍ متعددة.

الواقع الافتراضي أيضاً يفتح المجال أمامنا لتغيير تجربتنا مع القصص والسرد القصصي كليّاً. فنحن ما زلنا نستكشف إمكانيّات نظّارات غوغل Google Glass وخوذة مايكروسوف Microsoft HoloLens للواقع المعزّز وغيرها، والمجالات التي يُمكن أن تفتحها أمامنا. ونحن اليوم نعيش التأثير الكبير لتقنيات الهواتف الذكية والتي غيّرت كيفيّة تفاعلنا مع العالم من حولنا جذريّاً، فيمكنكم أن تتخيلوا كيف سيكون عالمنا وحياتنا مع قدوم الواقع الافتراضي والمُعزّز.

هي فرصةٌ متاحةٌ أمامنا، لتغيير السّرد القصصي إلى واقع نعيشه في حياتنا. إنّه العصر الذّهبي للمواهب المبدعة والخلاقة لتستفيد من التقنيات الجديدة والفرص والأدوات التي تمنحهنا إياها.

1

شاركنا رأيك حول "دور التكنولوجيا وأثرُها على السرد القصصي تاريخياً"