وسائل التواصل الاجتماعي
0

لطالما كانت الصحافة على مدى تاريخها هي السلطة الرابعة للبشرية في مفهوم الدولة الحديثة، لكن مع تنوّع وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي خلال العقدين الماضيين، أصبحنا نستخدمها اليوم في شتى مجالات حياتنا العملية والترفيهية ومتابعة القضايا والأحداث العالمية. الأمر الذي جعل قوة الصحافة كسلطةٍ حاسمة في التأثير على مجريات القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها تتضاءل مع قوة وسائل التواصل الاجتماعي، وفي اعتقادي الشخصي أنَّ الأخيرة نفوذها ذاهب إلى الازدياد أكثر، حيث لا يوجد رقيب أو حسيب للسيطرة عليها.

شهِد العالم خلال العقد الماضي الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية الساخنة، والتي كانت لمنصتي فيسبوك وتويتر دورًا في التأثير على مجرياتها بصورة كبيرة، بل وصل الأمر قبل أسبوع أن يتم إغلاق حسابات التواصل الاجتماعي للرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب في حادثة لم يسبق لها مثيل في تاريخ رؤساء الولايات المتّحدة!

أبرز القضايا والأحداث العالمية التي تأثرت بوسائل التواصل الاجتماعي

تختلف أسباب ودوافع منصات التواصل الاجتماعي في التأثير على أي قضية عن الأخرى، لكن العامل المشترك هو بما يصب في مصلحتها أولًا، وفيما يلي بعضًا من أبرز هذه القضايا والأحداث العالمية التي كان لفيسبوك وتويتر وغيرهما دورًا في تحريكها أو قلب موازينها.

خسارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لأهمّ حساباته في مواقع الشبكات الاجتماعية بعد اقتحام مبنى الكابيتول

اقتحام الكابيتول - وسائل التواصل الاجتماعي
مؤيدي ترامب وهم يحاولون اقتحام مبني الكونجرس الأمريكي.

ما لبث أن طلَّ علينا العام الجديد حاملًا معه البشريات في بدء التطعيم العالمي باللقاحات المضادة لفيروس كوفيد-19، سرعان ما تناقلت وسائل الإعلام العالمية§ في ليلة الأربعاء السادس من يناير/كانون الثاني ببثٍ مباشر وصادم لاقتحام المئات من مؤيدي ترامب من اليمين المتشدّد مبنى الكونجرس الأمريكي بمسماه الشهير الكابيتول والواقع في العاصمة واشنطن، وذلك بعد خطابه الذي شجّع فيه مؤيديه علانيةً لاقتحام المبنى.

ألقى هذا الحادث بظلاله المخيّبة للآمال على الساحة السياسية حول العالم، حيث عرّضت الديمقراطية الأمريكية لصفعةٍ قوية نظرًا لأنَّ الحادثة لم يسبق لها مثيل على مدى تاريخ الولايات المتّحدة. وقد وصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحادثة:

أنّها تسيء إلى الديمقراطية العالمية.

وكان تفاعل ترامب في تغريداته بعد الحادثة عبر منصته المفضلة تويتر، هو الإصرار على مواصلة تمجيد العنف والأخبار المضللة بكافة حسابات وسائل التواصل الاجتماعي الخاصة به.

دخلت وسائل التواصل الاجتماعي في محكٍ صعب جدًا أمام سمعتها حول العالم، فقامت تويتر بتجميد حسابه لحوالي 14 ساعة مع وضع شروط تقييد لعدم تكرار تغريدات العنف والكراهية مجددًا وإلا سيتم إغلاق الحساب.

كما قامت فيسبوك بتجميد حسابيه على منصتيّ فيسبوك وإنستجرام مؤقتًا، وفعلت العديد من منصات وسائل التواصل الاجتماعي الأمر نفسه مع حساباته الأخرى.

لكن نظرًا لتعنّت ترامب لم يعر اهتمامًا لشروط تحذيرات تويتر الأخيرة، الأمر الذي جعلت الشركة تغلق منصته المفضلة لحين تنصيب جو بايدن الفائز حديثًا بالانتخابات الأمريكية بشكلٍ رسمي، أو ربما سيستمر الإغلاق إلى أجلٍ غير مسمى في سابقة تاريخية لم يسبق لها مثيل مع حسابات وسائل التواصل الاجتماعي للرؤساء الأمريكيين السابقين له.

مقتل الأمريكي جورج فلويد وتضامن منصات التواصل الاجتماعي مع حركة حياة السود مهمة

متظاهرون أمريكيّون يحملون صورة جورج فلويد وشعارات تندّد بالعنصرية تجاه أصحاب ذوي البشرة السمراء والمطالبة بالعدالة.

توفي المواطن الأمريكي من أصل أفريقي جورج فلويد في 25 مايو/أيار من العام الماضي بمدينة مينابوليس الأمريكية بعد أن قام أحد أفراد الشرطة من البيض بالضغط بركبته على عنق فلويد لمدة 9 دقائق متواصلة وهو ملقى على الأرض ويداه مكبّلتان، على الرغم من طلب الأخير المساعدة من أفراد الشرطة الآخرين وقوله: “لا أستطيع التنفس” حتى فارق الحياة، وقد تمَّ توثيق ذلك المشهد بمقاطع فيديو عديدة من قبل المارة ورفعها على منصات وسائل التواصل الاجتماعي فورًا.

بعد ساعاتٍ فقط من مقتله، شهدت المدن الأمريكية احتجاجات عنيفة واسعة النطاق لم يسبق لها مثيل بكافة أطياف الشعب الأمريكي وصلت صداها إلى البيت الأبيض، للتنديد بوحشية الشرطة الأمريكية والعنصرية تجاه أصحاب ذوي البشرة السمراء. وتحوّلت مقولتيّ “لا أستطيع التنفس” و”حركة حياة السود مهمة” إلى هاشتاغات عالمية في فيسبوك وتويتر وغيرهما؛ تداولها العديد من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، وألهمت في خروج آلاف الأشخاص إلى التظاهرات في بلدانٍ عدة§ مثل المملكة المتّحدة وألمانيا ونيوزيلندا وكندا وغيرهم للتنديد بالعنصرية والمطالبة بالعدالة.

هذه الحادثة لم تكن الأولى من نوعها؛ فمئات الأشخاص سنويًا حول العالم من أصحاب ذوي البشرة السمراء أو الأقلّيات الأخرى يقتلون بدمٍ بارد على أيدي الشرطة والأمن في دول مختلفة، لكن بسبب التوثيق الكامل للحظات الأخيرة قبل مقتل جورج فرويد بمقطع فيديو ومشاركته على نطاقٍ واسع بالولايات المتّحدة وحول العالم، ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي بإظهار التضامن والدعم الكبير لهذه الحادثة، وقامت العديد منها بنشر بياناتٍ رسمية تندّد بالعنف والعنصرية تجاه أصحاب ذوي البشرة السمراء والأقلّيات.

  • اقرأ أيضًا: لماذا قتل جورج فلويد؟

ثورة الربيع العربي وتأثرها بمنصات التواصل الاجتماعي في تغيير مجريات أحداثها

متظاهرون مصريّون في شوارع مدينة القاهرة للمطالبة بتنحّي الرئيس الأسبق حسني مبارك.

في ديسمبر/كانون الأول من عام 2010 اندلعت بالمنطقة العربية -شمال أفريقيا والشرق الأوسط- أول شرارة لثورة الربيع العربي§في تونس، وسرعان ما انتشرت في العديد من الدول العربية الأخرى مثل مصر وسوريا وليبيا والجزائر واليمن السودان؛ بسبب الأنظمة الاستبدادية وتردي الظروف الاقتصادية في تلك المنطقة.

على الرغم من القمع المفرط تجاه المتظاهرين من قِبل هذه الأنظمة وبسط سيطرتها على وسائل الإعلام المحلية، إلا أنه مع عصر الإنترنت ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح تكميم الأفواه يكاد يكون أمرًا بالغ الصعوبة إن لم يدخل في باب المستحيلات، مما سمح لمنصتيّ فيسبوك وتويتر في حشد الدعم المتزايد لقضية الديمقراطية والحرّيات في العالم العربي.

يتفق أو يختلف الكثيرون حول مدى نجاح ثورة الربيع العربي، لكن الدور الكبير الذي ساهمت بها وسائل التواصل الاجتماعي من خلال توثيق ومشاركة أحداث التظاهرات والقمع المفرط بالصور والفيديوهات، جعلت وسائل الإعلام العالمية تتفاعل معها بصورةٍ غير مسبوقة ولولاها لم تكتسب هذه الثورات الزخم والتأييد العالمي الكبير.

وقد جعلت بعض الدول مثل الإمارات العربية المتّحدة في الآونة الأخيرة، تتخوّف من تكرار مثل هذه الأحداث مرةً أخرى مستقبلًا، وتفعّل برامج الرقابة الإلكترونية على أنشطة المواطنين في وسائل التواصل الاجتماعي للحد من حرية الرأي والتعبير.

آلية تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمعات حول العالم

عزّزت وسائل التواصل الاجتماعي من تسريع وحشد الحركات الاجتماعية وخلق نقاشات فكرية حرة، كما غيرت الهوية الجماعية ودور القادة في الحركات الاجتماعية، وفيما يلي بعض المعلومات حول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي§ في المجتمعات حول العالم.

وسائل التواصل الاجتماعي بديل لوسائل الإعلام التقليدية والرأي العام

قبل عصر التكنولوجيا كان الأشخاص يجتمعون في المقاهي والنوادي والأماكن العامة لمناقشة القضايا الفكرية والأحداث العامة المتنوّعة، ومع ظهور وسائل الإعلام التقليدية مثل التلفزيون والراديو، تمَّ الحد من هذه التفاعلات بنموذج أحادي الاتجاه حيث تتحكّم مفاصل الدول في تدفق المعلومات بها. إلا أنه مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قلَّ تأثير إعلام الدولة في الرأي العام واعتمدت الحركات الاجتماعية على هذه المنصات.

إعادة بناء الهويّات بين أفراد المجتمع

على الرغم من أنَّ الدور الرئيسي لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي ينحصر في مشاركة وتداول المعلومات حول القضايا والأحداث وتنظيم الحركات الاجتماعية، لكنها ساهمت أيضًا -كمنصات اجتماعية افتراضية- في بناء الهويّات ومشاركة المشاعر الجماعية بدلًا عن الاحتجاجات التقليدية التي يقوم بها القادة والنشطاء السياسيين، حيث أصبحت أقل اهتمامًا بالهوية وتركيزها على المصالح.

غيّرت من مفهوم القادة الاجتماعيين التقليديين

لعب القادة الاجتماعيون أدوارًا مهمة في التاريخ للحشد والتنظيم لتحقيق أهداف وتطلّعات الحركات الاجتماعية مثل إيميلين بانكهورست مؤسسة رابطة الامتياز النسائية في إنجلترا عام 1889، ومارتن لوثر كينج قائد حركة الحقوق المدنية لأصحاب ذوي البشرة السمراء في الولايات.

لكن مع عصر الثورة المعلوماتية قلّلت منصات وسائل التواصل الاجتماعي من أهمية وجود قادة حقيقيّين على أرض الواقع، حيث أصبحت الحركات الاجتماعية تعتمد على مستويات متعدّدة من القيادة والنشطاء لنقل أفكارهم داخل هذه المنصات، وهو ما اعتمد عليه الرئيس دونالد ترامب وحزبه الجمهوري في حملته الانتخابية الأمريكية عام 2016 ولعبت منصة فيسبوك دورًا غير مباشر في فوزه بالانتخابات.

إحصائيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتّحدة وحول العالم

وسائل التواصل الاجتماعي
مجموعة من منصات التواصل الاجتماعي.
  • تأثيرها في مجتمعات العالم: ربع سكان العالم§ يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي لتصفّح الأخبار والأحداث والقضايا، بينما يستخدمها 80% من المواطنين الأمريكيّين داخل الولايات المتّحدة.
  • تأثيرها في السياسة: تقول دراسة§ من مركز بيو للأبحاث – Pew Research center أنَّ خُمس البالغين الأمريكيّين يحصلون على الأخبار السياسية بشكلٍ أساسي من وسائل التواصل الاجتماعي وتقول الدراسة إنهم أكثر عرضةً للأخبار الزائفة والمضلّلة مقارنةً بنظرائهم الآخرين الذي يتحصّلون على الأخبار السياسية من مصادر أخرى.
  • الأمريكان لديهم نظرة سلبية تجاه وسائل التواصل الاجتماعي: وفقًا لدراسة أخرى§، فإنَّ حوالي 64% من البالغين في الولايات المتّحدة يؤكّدون أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير سلبي بالطريقة التي تسير بها الأحدث والقضايا في بلادهم اليوم.
  • الرقابة على وجهات النظر السياسية: يقول معظم الأمريكيّين إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تفرض رقابة§ عليهم في وجهات النظر السياسية، ويدّعي الجمهوريون أنَّ شركات التكنولوجيا العملاقة تفضّل آراء الليبراليّين على المحافظين.

إحصائيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تعود أرقام وإحصائيات هذا التقرير§ إلى عام 2019 من جامعة أوريغون الأمريكية، واعتمد التقرير على مشاركة القصص والاتجاهات والأبحاث حول استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  • تضاعف انتشار وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف المحمولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليصل إلى نسبة 44%.
  • يستخدم 9 من بين كل 10 شباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منصة وسائل تواصل اجتماعي واحدة على الأقل يوميًا.
  • لدى فيسبوك أكثر من 187 مليون مستخدم نشط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • تعد مصر الأكثر استخدامًا لمنصة فيسبوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعدد 38 مليون مستخدم نشط يوميًا و40 مليون مستخدم نشط شهريًا.
  • أزال فيسبوك عام 2019 مجموع حوالي 259 حساب مستخدم و105 صفحة و5 مجموعات و4 أحداث من منصة فيسبوك، بينما 17 حسابًا من منصة إنستجرام للارتباط بأنشطة مشبوهة في مصر والإمارات العربية المتّحدة.
  • المملكة العربية السعودية وتركيا تحتلان المركز الخامس والسادس على التوالي لأكثر الدول استخدامًا لمنصة تويتر حول العالم، بعدد 10 ملايين مستخدم نشط في السعودية و8.3 مليون مستخدم نشط في تركيا.

يتضح من خلال أرقام الإحصائيات حول استخدام منصات التواصل الاجتماعي وتدخّلها في الأحداث بل قلب موازين بعض القضايا بأكملها في العالم، بأنها أصبحت تلعب دورًا مؤثرًا في صناعة الرأي العام ودعم ما يتماشى مع مصالحها ورفض كل ما يتعارض مع سياساتها. ونتيجةً لتراخي وضعف تشريعات الأنظمة الحكومية للحد من نفوذها وطموحاتها، فليس من المستبعد أن تصبح هذه الشركات في المستقبل صانعة القرار الأول في نظم أحكام الدول.

0

شاركنا رأيك حول "من الربيع العربي إلى إسكات ترامب.. قوة وسائل التواصل الاجتماعي في تحريك القضايا أو قلب موازين القوى والسلطة حول العالم"