رأسمالية المراقبة
0

في عصر ثورة المعلوماتية لم يبق مكان لسرّية البيانات أو إخفاء الهوية. فسواء تتصفّح رسائل بريدك الإلكتروني، أو قمت بإنشاء حساب شخصي على إحدى منصّات التواصل الاجتماعي، فيسبوك، تويتر وغيرها لتصفّح ومشاركة آخر الأخبار والقضايا التي تهمك ورفع صور وفيديوهات لك ولأصدقائك، أو التسوق الإلكتروني من المتاجر الشهيرة مثل أمازون وعلي بابا. فأنت تحت منظومة رأسمالية المراقبة (Surveillance capitalism) التي تقوم بها كبرى شركات التكنولوجيا تجاه مستخدميها اليوم حول العالم.

من خلال هذه المنظومة تقوم الشركات التقنية بتطوير وتحسين أدائها في نشر الإعلانات أو بيع بيانات مستخدمي منتجاتها لأطرافٍ ثالثة؛ بالاستفادة من مراقبة سلوكهم وتفاعلهم داخل هذه المواقع -من دون أن تدفع فلسًا واحدًا- عن طريق تقنيات متقدّمة كالذكاء الاصطناعي والتعلّم العميق. وربما أيضًا مشاركة هذه البيانات مع الجهات الحكومية، طالما لا يوجد رادع قانوني أو أخلاقي يحد من توسّع أو نفوذ هذه الشركات.

رأسمالية المراقبة ما هي إلا وصفٌ لعملية يحرِّكها السوق العالمي الحديث، حيث تكون السلعة المعروضة هي بياناتك الشخصية أنت. من خلال المراقبة الجماعية على الإنترنت بواسطة الشركات التقنية التي تُزوِّد العالم بخدماتٍ مجّانية عبر الإنترنت، مثل مُحرِّك البحث الشهير جوجل، ومنصّات التواصل الاجتماعي وغيرها.

– ذا كونفرزيشن

رأسمالية المراقبة أصبحت في العلن

إنَّ سياسات رأسمالية المراقبة أصبحت تقام علنًا بين الشركات، حيث مع مطلعِ العام الجديد ازدادت حدِّة التوتر بين مارك زوكربيرج مؤسس ومدير فيسبوك وإيلون ماسك مؤسس ومدير تيسلا وسبيس إكس بسبب سياسة الخصوصية المثيرة للجدل من واتساب§ والتي في مضمونها المختصر جمع بياناتك في واتساب -تحديثات الحالات من الكتابات النصّية والصور والفيديوهات- وربطها مع حسابك الشخصيّ في فيسبوك، وإذا لم توافق على السياسة الجديدة لن تستطيع استخدام واتساب.

دعى إيلون فورًا في تغريدة له على تويتر لاستخدام برنامج المراسلة سيجنال الأكثر أمانًا وموثوقيةً كبديل لواتساب، وقد لبَّى نداء الدعوة ملايين الأشخاص الذين هجروا واتساب واستخدموا سيجنال، ونتيجةً لهذه الضغوطات رضخت واتساب أخيرًا لرأي المستخدمين وقامت بتأجيل سياسة الخصوصية لمدة ثلاثة أشهر، كما أوضحت أنَّه لن يتم حذف حسابات المستخدمين الذين لم يوافقوا على السياسة الجديدة.

دخلت فيسبوك§ أيضًا بِنهايات العام الماضي في مشاكل مع آبل بسبب قيام الأخيرة والتي تهتم بحماية خصوصية مستخدمي منتجاتها من إنشاء أداة تتبُّع في متجر آب ستور – App store يتيح للمستخدمين التحكُّم في السماح أو الرفض لمشاركة بياناتهم مع التطبيقات -المعتمدةِ على نشر الإعلانات المستهدفة- قبل تنزيلها من على المتجر، وهو ما اعتبرته فيسبوك احتكارًا في الربح من جهة آبل.

لكنَّ هذين المثالين، ليسا سوى قطرةِ ماءٍ في محيط مقارنةً بنهج وأساليب الشركات التكنولوجية في تطبيق رأسمالية المراقبة على المستخدمين والعملاء دون احاطتهم بالشفافية الكاملة في ذلك، أو تورُّطهم في قضايا أخلاقية وإنسانية تمسُّ المجتمعات حول العالم.

تورُّط فيسبوك مع كامبريدج أنالاتيكا في فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية وخروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي

رأسمالية المراقبة
مارك زوكربيرج وهو يدلي بشهادته أمام لجنة مشتركة من أعضاء الكونجرس الأمريكي عام 2018 بسبب تورّط فيسبوك مع كامبريدج أنالاتيكا في اختراق الملايين من حسايات مستخدمي فيسبوك.

في خضم انتخابات الولايات المتَّحدة عام 2015 بين المرشّحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والمرشّح الجمهوري دونالد ترامب، تورّطت فيسبوك مع شركة كامبريدج أنالاتيكا البريطانية§ في حصد ملايين البيانات من مستخدمي فيسبوك بالترويج لحملة الدعاية الانتخابية لترامب والتي فاز بها في نهايةِ المطاف، كما ساهمت الشركة أيضًا في خروج بريطانيا من الاتِّحاد الأوروبي.

قامت كامبريدج أنالاتيكا برئاسة ألكسندر نيكس من بناء برنامج ذكاء اصطناعي يعتمد على التأثير على خيارات وقرارات المستخدمين عند الاقتراع، بناءً على معلومات بياناتهم المأخوذة من تطبيق موجود على فيسبوك يدعى “this is your digital life” قام بتطويره المبرمج والأستاذ بجامعة سانت بطرسبرغ الروسية ألكسندر كوغان الذي تعاون مع أنالاتيكا من خلال شركته البحثية Global Science Research.

في البداية تمَّ دفع مئات الآلاف من المستخدمين لإجراء اختبار الشخصية على فيسبوك بحجّة الاستخدام لأغراضٍ بحثية أكاديمية، كما استطاع التطبيق جمع معلومات عن أصدقاء المُتقدّمين للاختبار، ليؤدي في النهاية إلى جمع ملايين البيانات من مستخدمي فيسبوك بلغ عددهم أكثر من 50 مليون حساب حول العالم أغلبها من الولايات المتّحدة، حيث يُعد أكبر اختراق تاريخي لبيانات مستخدمي فيسبوك.

بسبب هذه البيانات المُخترقة وتطبيقًا لقاعدة رأسمالية المراقبة دفعت حملة ترامب أموالًا طائلة لكامبريدج أنالاتيكا، للتأثير على قرارات الناخب الأمريكي وهو ما رجَّح كِفّة فوز ترامب على كلينتون. قامت الحكومة الأمريكية بإجراءِ تحقيقٍ موسّع في قضية انتهاكات بيانات مستخدمي فيسبوك الأمريكيّين، حيث تمَّ استدعاء مدير فيسبوك مارك زوكربيرج للإدلاء بشهادته أمام الكونجرس، وأعلنت أنالاتيكا إفلاسها بشكلٍ رسمي تهرّبًا من التحقيقات أو مُقاضاتها ماليًا.

الصين تتورّط مع شركات تقنية محلّية في تطوير أدوات تستخدم لاضطّهاد وقمع مسلمي الإيغور

رأسمالية المراقبة
تُعاني أقلّية الإيغور المسلمة في الصين من جرائم قمع واضطهاد إنساني منذ عقود على يد السلطات الحكومية الصينية.

تظهر تداعيات رأسمالية المراقبة أكثر في القضايا الإنسانية ومنع الحرّيات داخل الصين. في مطلع شهر ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي أظهر تقرير استقصائي قامت به منظّمة الأبحاث IPVM وشاركته صحيفة الواشنطن بوست§ الأمريكية أنَّ شركة هواوي الصينية العملاقة تختبر أنظمة برمجيات للتعرّف على الوجوه لاستخدامها ضد مسلمي الإيغور، حيث ترسل إنذارات عاجلة إلى السلطات الصينية فور التعرّف عليهم تماشيًا مع سياسات القمع الاستبدادي ضد هذه الأقلّية المسلمة.

قامت IPVM بمشاركة وثيقة تظهر عليها علامات توقيع من مسؤولي هواوي، وتعاونت معها شركة ناشئة محلية في بكين تُدعى Megvii لاختبار أنظمة كاميرات مُزوّدة بالذكاء الاصطناعي لمسح وجوه الحشود الكبيرة بالأماكن العامة والتمكّن من تقدير العمر وتحديد الجنس والعرق لكلِّ شخص. وبعد دعوة الواشنطن بوست وIPVM لهواوي التعليق على هذا الأمر، أزالت الأخيرة المستند فورًا من على موقعها.

رأسمالية المراقبة
تُظهر الوثيقة المسرّبة عشرات الوظائف لنظام التعرّف على الوجه من بينها كلمة إنذار الإيغور كما موضح بالمستطيل الأحمر، التقطت الصورة بواسطة فريق أراجيك.

كما أنَّ عملاق التجارة الإلكتروني في آسيا متجر علي بابا، تورّط§ مع الحكومة الصينية أيضًا في تطوير برنامج مراقبة لمساعدة منصّات الويب في الصين على مراقبة المحتوى الرقمي، مثل اكتشاف أقلّية الإيغور وتتبُّع أنشطتهم وشبهات الإرهاب والمواد الإباحية وغيرها من التفاصيل المدرجة ضمن فئات العلم الأحمر للحزب الشيوعي الحاكم والتبليغ عنها.

الجدير بالذكر، أنَّ شركة هواوي تحتل المركز الثاني في قائمة أكبر الشركات المصنِّعة للهواتف الذكية في العالم وتُباع منتجاتها في أكثر من 170 دولة، وقد أدرجتها حكومة ترامب في عام 2019 ضمن اللائحة التجارية المحظور التعامل معها داخل الولايات المتَّحدة وانضمّت إلى القائمة حديثًا شركة شاومي من حيث الاستثمار فيها وتمويلها.

تورّط موظّفي سناب شات في اختراق حسابات المستخدمين

مثال أخير عن رأسمالية المراقبة يعود لمنتصف عام 2019، عندما أساءَ موظّفي شركة سناب استخدام أداة خاصة تدعى SnapLion التي تتيح لهم الوصول إلى مواقع وأرقام وعناوين البريد الإلكتروني وتحديثات حالات المستخدمين للتجسّس§ عليهم. ادّعت سناب أنَّ هذه الأداة تُساعد في تطوير وترقية الخدمات للمستخدمين، لكن ليس من المستبعد استخدام الشركة بيانات المستخدمين لخدمة المُعلنين أو بيعها لأطراف ثالثة مثل سلطات إنفاذ القانون.

وعلى الرغم من أنَّ سناب شات اتخذت ضوابط صارمة بحق موظّفيها المُتورّطين في الحادثة تفاديًا لتكرار حدوث عمليات تجسّس مشابهة في المستقبل، فإنَّ هذه الحادثة وغيرها من الأمثلة التي أسلفنا ذكرها سلّطت الضوء على أنَّه من دون توفير الشركات الحماية اللازمة لبيانات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، فيمكن أن تقع بالأيدي الخطأ ويحدث ما لا يحمد عُقَبَاه نتيجة التجسّس على خصوصياتهم.

هل أصبحت رأسمالية المراقبة تشكّل سياسة وثقافة العالم؟

يتضح من خلال تناول بعض الأمثلة لممارسات رأسمالية المراقبة من قِبل شركات التكنولوجيا حول العالم ومشاركتها مع الحكومات أو أيِّ أطراف أخرى ثالثة، أنَّ العالم الرقمي الذي اعتقد الناس أنّه هو الملجأ الحقيقي للتعبير عن حرّية آرائهم وانتقاد الأنظمة الاستبدادية من الداخل، أصبح ذلك من الماضي.

ما لم تقم الدول القائدة والتي تتفاخر بالديمقراطية وحرية الرأي والتعبير كالاتًّحاد الأوروبي والولايات المتّحدة وكندا وغيرها؛ بوضع حدٍ وقوانين رادعة لوقف ممارسات الكثير من هذه الدول والشركات التكنولوجية التي تتعاون معها، لا مجرد خطابات رنّانة فقط تظهر بطانها خلاف ذلك، فستعود السوداوية إلى العالم مُجدّدًا بثوب رأسمالية المراقبة.

وما مساهمة شركة كامبريدج أنالاتيكا في فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية 2015، إلا دليلٌ دامغ أنَّ الفوضوية العالمية ستطال الجميع ولن ترحم أحدًا.

0

شاركنا رأيك حول "رأسمالية المراقبة: عندما تصبح بياناتك الشخصية سلعة تبيعها وتشتريها شركات التكنولوجيا والحكومات"