مشروع قانون إنترنت جديد
0

عندما يقرأ البعض كلمة “مشرّع”، وزد على ذلك “أوروبي”، وفوقها كلمة “قانون”، لا وبل سيكون الحديث عن مسودة قرار جديد فيما يتعلق باستخدام الإنترنت وهو قانون الإنترنت الجديد للاتحاد الأوروبي، فلربما تكون هذه الوصفة المثالية للنوم في أقل من خمس دقائق. أتفهم ذلك تماماً، ولكن ربما هذه المسودة ستغير شكل الانترنت في العالم بأسره إذا ما استطاعوا جعلها ملزمة. هذه المسودة تتفرع لقسمين هما:

-“Digital Services Act” أو “قانون الخدمات الرقمية”، والذي على حد قولهم، ستجعل الخدمات الرقمية أكثر أماناً والبيئة الرقمية أكثر انفتاحاً، بما يتناسب مع المعايير الأوروبية لذلك.

-“Digital Markets Act” أو “قانون الأسواق الرقمية”، والذي يظنون أنه ستجعل البيئة الرقمية أكثر أماناً وسيفتح فرصاً جديدة لتقديم خدمات رقمية أكثر أماناً لأي مستخدم سيكون موجوداً في أوروبا، عبر مجموعة من الإجراءات المفروضة على الكبار في هذا المضمار.

 قانون الانترنت الجديد الأوروبي
مثال عن سبب عرض بعض الإعلانات على فيسبوك

شفافية أكبر تجاه المستخدمين:

لن أقوم بشرح كل ما جاء في هذه المسودة، بل سأقوم بإلقاء الضوء على ما أظنه أهم ما جاء فيها، ففي “قانون الخدمات الرقمية” تأتي نقطة مهمة للغاية وهي: (سأقوم بترجمة مقتضبة لها)

“إجراءات شفافية واسعة الطيف، تتضمن ما يخص الإعلانات عبر الشبكة وما يتعلق بالخوارزميات المستخدمة في عملية ترويج الإعلانات المخصصة للمستخدمين”.

هذا يعني بشكل أو بآخر إلزام كل مقدمي الخدمات الرقمية بأن يكونوا شفافين للغاية فيما يتعلق بسبب ظهور إعلان معين على شاشتك مثلاً عندما تقوم بتصفح موقعٍ إلكتروني ما، ولماذا تم استهدافك أنت من بين الجميع ليظهر لك ذلك الإعلان. يمكنك رؤية هذا الأمر على منصة “فيسبوك” عن سبب رؤية إعلان ما تحديداً، أو على منصة “يوتيوب” عندما يتم الترويج لمقطع فيديو مقترح أمامك، ولكن لك أن تتخيل هذا الأمر فرض عين على جميع ما تراه أمامك من إعلانات عبر أي تطبيق أو منصة تستخدمها، أليس كذلك؟

 قانون الإنترنت الجديد للاتحاد الأوروبي
مثال عن سبب وجود اقتراح ما كي يشاهده المستخدم على منصة يوتيوب

محتوى المستخدمين في أمان:

بالإضافة لذلك، تنص المسودة على:

“وقاية للمستخدمين الذين تم حذف المحتوى الخاص بهم من قبل المنصات بشكل غير متعمد”

هذا يعني بشكل أو بآخر ميكانيكية معينة ستفرض على جميع المنصات لتتيح المستخدمين الاعتراض على حذف أي محتوى خاص بهم بشكل غير مبرر، وإجبار تلك المنصات في حال لم تقدم أي سبب مقنع على إعادة ما تمت إزالته مجدداً إليها.

من هم "حراس البوابات الإلكترونية"؟

ثالث نقطة مهمة برأيي هي:

“المنصات التي تصل إلى أكثر من 10% من عدد سكان الاتحاد الأوروبي (حوالي 45 مليون مستخدم) سيتم اعتبارها منصة منهجية بطبعها، وستكون هنالك إجراءات وقوانين إضافية على تلك المنصات للالتزام بها”.

قد يعني هذا أن “الكبار” في عالم الإنترنت ستكون عليهم إجراءات إضافية وقوانين أكثر صرامة يقرها المشرع الأوروبي لضمان النزاهة في التعامل مع المستخدمين، وهذا ما أظنه أهم ما جاء في هذا القسم من مسودة القانون الجديد المتعلق بالخدمات الإلكترونية.

مسؤولية كبيرة على عاتق اللاعبين “الكبار”:

فيما يتعلق “قانون الأسواق الإلكترونية”، فالتركيز الأكبر يكون حول ما سموه اصطلاحاً “حراس البوابات الرقمية”؛ أي جهة أو سياسة تتحكم في كيفية وصول الشخص إلى محتوى ما جزئياً أو كلياً، فربما ترفض هذه الجهة عملية الوصول هذه، أو تتحكم فيما يتم عرضه، أو تقوم بتأخير هذا الوصول بشكل أو بآخر ضمن معايير معينة خاصة بهذه الجهات. هذا يعني أنه في حال كانت “جهة” ما تحكم الخناق على سوق معين أو خدمة معينة فلربما لن تكون قادرة على أن تكون بذات السطوة في المستقبل القريب.

كلام في صميم الاحتكار

من الجدير بالذكر أنه لم يتم تحديد ما يجعل أي جهة أو منصة “حارس بوابة”، ولكن تم التنويه إلى أن جميع محركات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعية، وكل مقدمي خدمات الوساطة الرقمية على أنهم “حراس بوابات”. كل ما تم ذكره سيكون هدفاً لمجموعة قوانين وإجراءات صارمة ستضمن أنهم يتصرفون بشكل عادل تجاه جميع المستخدمين، مثل:

“منع عدد من الإجراءات غير العادلة بتاتاً، مثل منع المستخدم من إلغاء تنصيب أي برامج أو تطبيقات تم تنصيبها بشكل مسبق”.

وزد على ذلك أنه يتوجب على “حراس البوابات” أولئك أن “يسمحوا بالبرمجيات المقدمة من طرف ثالث أن تعمل وتتوافق بشكل جيد مع الخدمات الخاصة بكل منهم”.

كل هذه العبارات تبدو غامضة نسبياً رغم كونها تصريحات جريئة، ولكن ربما لدي بعض الأمثلة عما سيعنيه هذا الأمر في حال لو تم تطبيقه:

 قانون الإنترنت الجديد للاتحاد الأوروبي
تطبيقات بديلة لما اعتدنا عليه

قرارات “اللعب النظيف”:

كمثال: سيتم إجبار “فيسبوك” على السماح لأي جهة أو مطور كي يقوم بإصدار تطبيق أو تطبيق ويب يتمتع بكامل مزايا التطبيقات التي يقدمها “فيسبوك”، مثل “واتساب” و”إنستغرام” و”ماسنجر” وهلم جراً.

وكمثال آخر: ربما سيتم إجبار “غوغل” على إتاحة واجهات برمجة تطبيقات لـ “غوغل درايف” لتتمكن من نقل ملفاتك التي قمت برفعها سابقاً إلى خدمة تخزين سحابية أخرى بكل سهولة إذا أردت ذلك.

وكمثال أخير: قد يتم إجبار “مايكروسوفت” على السماح للمتصفحات الأخرى باستخدام خدمة “Microsoft Teams” بدون أن تضطر لاستخدام “Edge”، فقط لأنهم يحاولون الترويج لذلك المتصفح.

هنالك العديد من الأمثلة الأخرى التي قد تخطر ببال أي منا، ولكن المهم هو أنه حالما تم اعتبار جهة أو منصة ما على أنها “حارس بوابة إلكترونية”، فسيتم إجبارها على التصرف بنزاهة وفتح كل مصادرها وخدماتها وبياناتها لأي منافس محتمل حتى يقوم هؤلاء المنافسون باستخدام هذه البيانات والخدمات ومنع أي احتكار محتمل.

؟ قانون الإنترنت الجديد للاتحاد الأوروبي
هل ستكون ضربة قاصمة لغوغل درايف

مشروع قرار على أضواء تجربة سابقة:

يذكر أن المشرع الأوروبي قام بشيء مماثل فيما يتعلق بالتعاملات البنكية ونظم الدفع الإلكترونية، فأجبروا البنوك حينها على السماح لتطبيقات من طرف ثالث أو أي أدوات محاسبية إلكترونية بالولوج لأي حساب شخصي خاص بالمستخدمين حسب رغبتهم، مما أتاح المجال لأي شركة ناشئة ترغب في تطوير تطبيقات مالية بهذا الخصوص بأن تفعل ذلك بدون منغصات، وعلى ما يبدو فهم يرغبون بفعل التجربة ذاتها على ما يتم احتكاره حالياً.

كل ما تم ذكره هو مجرد مسودة قرار، فمن يعلم حقاً ما إذا كان سيتم تمرير هذا القرار وجعله نافذا أم لا، وكم من قانون أو قرار تم تمريره وجاء بنتائج مغايرة للهدف الذي تم وضعه من أجله.

بغض النظر عن كل ذلك، فمشروع القرار هذا يبدو واعداً وصادماً ربما لـ “حيتان” هذه الصناعة، وقد يغير شكلها بالكامل في أوروبا فيما لو تم العمل به بشكل جدي. تطبيق هذا القرار في أوروبا قد يكون أكبر تغيير يشهده الإنترنت منذ أمد بعيد، بما أن إجبار المستخدمين على التصرف بشكل معين للاستفادة من خدمات معينة وحبسهم ضمن أقفاص معينة هو ما يغذي وينمي ويجعل الكبار في هذا المجال أكبر وأكبر، ويسحق أي منافسة قد يفكر بها أي كان تجاههم، فمن المتوقع أن يحارب “الحيتان” مشروع هذا القرار بضراوة شديدة لأنه يضرب الأسلوب الذي جعلهم كباراً بالأصل، وفي حال تم تمرير القرار، ظني أن بعضهم سيفكر بشكل جاد في التخلي عن السوق الأوروبية بشكل عام.

ما رأيكم بمشروع القرار هذا؟ هل هو عادل لنا كمستخدمين؟ وهل تظن أن المشرع الأوروبي قادر على القيام بمثل هذه الخطوة الجريئة بتمرير القرار وجعله نافذاً؟ أم أن لحراس البوابات الإلكترونية الكبار رأي آخر؟ شاركونا بتعليقاتكم.

0

شاركنا رأيك حول "قانون الإنترنت الجديد للاتحاد الأوروبي الذي قد يغيّر شكل الإنترنت في العالم"