0

أتذكرُ آخر مرةٍ قُمت فيها بحلِّ عمليّة حسابيّة بنفسك؟ ربما منذ أيام المدرسة، أو متى كانت آخر مرةٍ اضطُرِرت فيها لحفظ رقم هاتف أحد أصدقائك غيباً؟ بل أكثر من ذلك؛ هل شعرتَ يوماً أنّ حصولك على معلومةٍ ما قد يُشكّل عائقاً أو قد يتطلّب منك جهداً عقليّاً أو جسديّاً في البحث والتّقصّي؟ بالطبع هناك حالاتٌ استثنائيّة -أحد أصدقائي يمتلك موهبة حفظ جميع أرقام الهاتف عن ظهر قلب- لكن بشكلٍ عام أخذت التكنولوجيا على عاتقها مهام َالبحث والتّقصّي والحصول على المعلومة مهما كان نوعها أو مصدرها نيابةً عنّا، حتّى أنّك إن أردت أن تتذكر حَدَثاً ما في الماضي أو ذكرى معينة أو شخصاً ما فالتكنولوجيا ستستحضر لك تلك الوجوه والذكريات لتُعيدَها وتعرُضُها أمَامك على الشّاشات فأصبحتْ ذاكرتك ومخيّلتك عاطلةً عن العمل.

تقولُ بعض الدّراساتِ أيضاً إن الألعاب والهواتف الذكيّة وغيرها تؤثّرُ سلباً على نموّ الأطفال عقليّاً واجتماعياً وتَبليهم بالتسطّح الفكري والسذاجة والكسل وتُخفّض من مستوى ذكائهم بشكلٍ عام.

فهل تؤثّر التكنولوجيا حقّاً على قدراتنا العقليّة ومستوى ذكائنا وتُصيب أدمغتنا بالكسل؟ أم هي بريئةٌ من هذه التهمة؟ 

بين الماضي والحاضر

لاستيضاحِ الفكرةَ أكثر، تعالوا لنعود معاً بذاكرتنا البشريّة إلى الخلف قليلاً (بالاعتماد على مخيّلتنا ودون أن نستخدم التكنولوجيا هذه المرّة) قبل مئتي عامٍ مثلاً، ولنفترض أنّ طبيباً أو كيميائيّاً أو باحثَ علمٍ ما في قريةٍ بعيدةٍ غابت عنه معلومةً ما ضروريّة في عمله أو بحثه، فسيضطرّ حينها إلى أن يُحضّر نفسه للسفر إلى أقرب مكتبةٍ يُمكن أن يجد فيها ضالّته وربّما كانت في العاصمة بعيداً مئات الكيلومترات، فإن وصل إليها سيتعيّن عليه أن يبحث بنفسه في مئاتِ الكُتبِ، بعضها نافعٍ وبعضها غير نافع. وقد يُضطرّ للبحث في أكثر من مكتبةٍ وفي أكثر من مدينة، وقد لا يُوفّق أبداً! هذا الرّحلة الشّاقة ستتطلب الكثير من الوقت والجُهد والمال وهي مهدّدةٌ بالفشل. 

أمّا اليوم، فما على هذا الباحث نفسه إلّا أن يُخرج هاتفه الذكيّ من جيبه وهو جالسٌ على الكرسيّ، ليسأل Siri أو Google Assistant السؤال شفهيّاً دون أن يُتعب نفسه بكتابَتِهِ، ليأتيَه الجواب إلى أيّ مكانٍ في العالم بدقّةٍ عالية خلال مدّة 0.01 ثانية فقط ومهما كان نوعُ السؤال! فلنُتعبْ مخيّلتنا قليلاً لنفكّر لوهلةٍ بالفارق الكبير بينهما.

الأمرُ حقّاً بحاجةٍ للوقوف عنده لأنّ التطوّر المتسارع للتكنولوجيا في السّنواتِ القليلة الماضية غيّر حياتنا جذريّاً ولم يترك لنا فرصةً للنظر والتفكير فيها. فحال هذا الباحث عن المعلومة قبل 200 عامٍ هي نفسها قبل 500 عامٍ وقبل 1000 و 3000 عامٍ من عمر البشريّة. فلآلاف السّنين بقيت أنماط حياة البشر متشابهةً إلى حدٍّ كبير بالمقارنة مع الثّورة التقنية في الأعوام القليلة الماضية. والـ 150 – 200 عام الماضية هي مدّةٌ قصيرةٌ جدّاً بالمقارنة مع عمر المجتمعات البشريّة. 

هذا التّسارع تزداد وتيرته بشكلٍ مخيفٍ وستستمرُّ التكنولجيا بالتطوّر لتأخذ المزيد من المهام نيابةً عن أدمغتنا وذاكرتنا ورُبّما حواسّنا أو حتّى مشاعرنا، ولا يُمكننا حتّى أن نتخيل كيف ستكون حياتنا في الـ 50 عاماً المقبلة فقط. 

شكل البحث عن المعلومة قبل تطور التكنولوجيا
البحث عن المعلومة قبل سنواتٍ قليلة

 

البحث عن المعلومة في العصور القديمة

الأمر يتعلّق بكيفية عمل عقولنا

في دراسةٍ أجرتها جامعة واترلو في كندا على 660 شخصاً، حيث تمّ إجراء عدة عمليات قياس للقوّة والمهارات العقلية تتدرّج بين التحليلية والنّظرية، ومنها اللغوية والحسابيّة. وطُلب منهم أن يشرحوا أنماط حياتهم مع هواتفهم الذكية واستعمالهم لها لربطها مع نتائج الاختبارات. وخَلُصَتْ تلك الدراسة إلى أنّ هناك رابط عكسيّ بين طول مدة استعمالك لهاتفك الذكيّ وكثرة اعتمادك عليه في حياتك اليومية وبين قدراتك التحليلية العقلية وإرادتك للتفكير بشكلٍ علميّ وتحليلي. يقول الدكتور “غوردون بينيكوك Gordon Pennycook“: 

“صحيحٌ بأنّ التكنولوجيا تخفّض من قدرتنا على التفكير بالاعتماد على أنفسنا وبشكلٍ مستقل، إلّا أنّ الأشخاص ذوي التفكير التحليلي أثناء بحثهم هم الأقل اعتماداً على الهواتف الذكية والتكنولوجيا بشكلٍ عام وهم يتذكرون الأشياء وأكثر قدرةً على حلّ المشكلات بأنفسهم.”

هذه الدّراسة تقول بأنّ الأمر لا يفرّق بين أذكياء وأغبياء، بل بأسلوب ونمط تفكيرهم وحياتهم ومدى انخراط التكنولوجيا فيها، فالتكنولوجيا تجعل من الإنسان أكثرَ كسلاً من أيّ وقتٍ مضى لأنّه ينظر إليها كامتداد لعقله. حتى أن الكثيرين من مستخدمي الهواتف الذكية والأجهزة التقنية يميلون للبحث عن المعلومات التي يعرفونها أساساً عبر الانترنت أو الأجهزة الذكية دون أن يبذلوا جهداً قليلاً للتفكير فيها.

يقول الباحث “ناثانيال بار Nathaniel Barr” أحد المشرفين على تلك الدراسة:

“أثبتت الدراسات لعقودٍ من الزّمن أنّ الإنسان ميّالٌ لعدم بذل الكثير من الجهد خلال بحثه عن الحلول للمشاكل، فعقولنا دائماً مصمّمة للبحث عن الطريق الأسهل والأقصر والأقل تكلفة، وبناءً عليه يبدو أنّ استعمالنا للتكنولوجيا والهواتف الذكية كامتداد لأدمغتنا سيزداد يوماً بعد يوم”.

لذا فمن الضّروري أن نفهم تأثير الأجهزة الذكية والتقنية على سيكولوجية الإنسان وأسلوب تفكيره قبل أن تندمج تلك التكنولوجيا أكثر فأكثر في حياتنا حتّى نصل إلى مكان لن نستطع فيه أن نتذكر كيف كانت من دونها. أو ربّما قد فات الأوان حقّاً.

من آثار التكنولوجيا فقدان الذاكرة الرّقمي "Digital amnesia" والذاكرة التبادُليّة "Transactive Memory"

فقدان الذاكرة الرّقمي “Digital amnesia” والذاكرة التبادُليّة “Transactive Memory

تُفيد الأدلّة أننّا ميالون لعدم تذكّر الأشياء عندما نعلم علم اليقين أنّها محفوظة في مكانٍ ما على الإنترنت أو الغيمة الرقمية (كـ Google Drive و One Drive و iCloud وغيرها) أو في أحد أجهزتنا الذكية. حيث تتخذ أدمغتنا هذا الخيار بالنسيان دون وعينا، فعمليّة حفظ الأشياء في الذاكرة لم تعد كما كانت سابقاً.

مختبر Kaspersky للأمن المعلوماتي قام بدراسة هذه الظاهرة وأطلق عليها “فقدان الذاكرة الرقمي”، والسبّب يكمن في أنّنا قلّما نقوم باستحضار تلك الذكريات أو المعلومات من ذاكرتنا، بل نبحث عنها دائماً على أجهزتنا، وأدمغتنا ترسّخ المعلومة في الذّاكرة أكثر في كُلِّ مرّةٍ نستحضر فيها تلك المعلومة، وبنفس العملية تنسى (أو تحذف) تلك التي لا نستحضرها مع مرور الوقت.

لكنّ الملفت أنّ أدمغتنا لا تحفظ المعلومة بشكلٍ راسخٍ ودائمٍ في ذاكرتنا عندما نبحث عنها بشكلٍ متكرّر في الإنترنت بالطريقة ذاتها، فالتكرار هنا لا ينفع كما في الحالة العاديّة.

الأشخاص الذين أقيمت عليهم الدراسة يحفظون أماكن تواجد المجلّدات التي وجدوا فيها المعلومة المطلوبة على الحاسوب بدقّة عالية أكثر من تذكّرهم للمعلومة ذاتها.

هذه الظاهرة ما هي إلّا شكلٌ من أشكال “الذاكرة التبادليّة” التي حدّدها أخصّائيّ علم النفس “دانيال ويغنر Daniel Wegner” في Harvard Magazine عام 1985، حيث يتشارك النّاس الذكريات والمعلومات بشكلٍ تبادليّ فتتوزّع بينهم ويكون لكٍّ حصّته أو اختصاصه، فدماغك لا يُتعب نفسه بحفظ أسماء الأدوية الصّعبة لأنّه يعلم أنّ تلك المعلومة محفوظة عند الصيّدلاني ومتوفّرة لاستحضارها متى أراد، أو أنّك لا تحفظ مواعيد أعياد ميلاد أقاربك لأنّ زوجتك تتكفّل بالمهمة والأمثلة كثيرةٌ في حياتنا ولا شأن للتكنولوجيا بها.

يقول ويغنر:

أصبح الانترنت جزء من هذه الذاكرة الاجتماعية التبادلية ومن هذا النّظام بعد أن نال ثقتنا كمصدرٍ للمعلومات.

التركيز على مهامٍ أُخرى

الباحثة “تريسي آلواي Tracy P Alloway” في دراسة أجرتها على مئات الأشخاص لمعرفة أثر التكنولوجيا على طريقة حفظ ومعالجة عقولنا للمعلومات، من خلال المقارنة بين الأشخاص الكثيري الاستخدام للهواتف الذكية والإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وأولئك الذي يقضون حياتهم بعيداً عنها. والخلاصةُ كانت واضحةً؛ تؤثّر التكنولوجيا بكلّ تأكيد على آلية عمل أدمغتنا.

لكن الأمر ليس سلبياً بالضّرورة، فالأشخاص الذين اعتادوا على التكنولوجيا في حياتهم اليومية كانوا أكثر قدرةً على التعامل مع تعدّد المعلومات وتغيّرها بشكلٍ سريع وتوزيع المهام، وفي المقابل؛ الأشخاص البعيدين عن التقنية في حياتهم اليوميّة كانوا أكثر نجاحاً في التركيز على هدفٍ واحدٍ في نفس الوقت.

وفي حياتنا المعاصرة فإّن تعدّدية المهام والقدرة على توزيع الجهود والتوفيق بينها من تعدّ من أساسيات العمل، والتكنولوجيا هنا تعطينا الأفضلية، أمّا الطريقة القديمة في العمل من خلال تذكّر الأشياء والمعلومات والاعتماد كلياً على الذاكرة لم تعد ضروريّة في ظلّ وجود غوغل بين أيدينا والتقنية بشكلٍ عام، بل أصبح التركيز في قدراتك على معالجة تلك المعلومات وإيجاد الأدوات التقنية المناسبة للتعامل معها بشكلٍ أفضل وأكثر فاعلية.

لذا يجب علينا معرفة كيفية استعمال تلك المعلومات المتاحة أمامنا عبر التكنولوجيا، وهنا التركيز على “الذاكرة النشطة” وهي الذاكرة التي نستعملها لمعالجة تلك المعلومات. فهي قدرةٌ نحتاجها لربط الخطوط بين المعلومات الكثيرة المُتاحة والانتقال سريعاً بين مهمّةٍ وأُخرى والتعامل مع التدفّق متعدد المصادر لتلك المعلومات.

التكنولوجيا الحديثة تسهل من حياتنا

الخلاصة:

هل تؤثّر التكنولوجيا سلباً على عقولنا وتصيبها بالكسل والخمول؟ الجواب هو نعم في نطاقٍ محدّدٍ وضيّق لم نعد بحاجته أصلاً أو لم يعد نافعاً في ظروف الحياة المعاصرة ومتطلباتها. لكن الإجابة هنا ناقصة وظالمة للتكنولوجيا كقولك “لا إله” دون أن تُكمل العبارة بـِ “إلّا الله”.

فأدمغتنا هي التي تتكيّف مع وجود التكنولوجيا كما فعلت لآلاف السنين، وتترك لها مهام الحفظ والحساب واستحضار المعلومات وغيرها لتركّز هي على مهامٍ أُخرى فتصبح أكثر فاعلية وإنتاجيّة. ككيفية النّجاحِ بشكلٍ أفضل في بيئة العمل وإيجاد الأفكار الخلاقة والوصول إلى الحلول والنتائج بالاستناد إلى ما يتوفّر لديها من معلوماتٍ مخزّنة على الأجهزة الحاسوبية أو الإنترنت، فهي تتعامل معها كامتداد لها وذاكرتها، وتستغلّها لتتطوّر وتصبح أكثر فاعلية وعمليّة وكلُّ ذلك دون وعينا.

فهل من الحكمة مقاومة الأسلوب الجديد لعمل أدمغتنا وكيفية تبنّيها وتلقُّفها للعالم الرقمي والتقني؟ بالطبع لا، بل علينا التفكير في هذا التطوّر والتغيير المتسارع في أنماط حياتنا وفهمه جيّداً ومحاولة الاستفادة منه إلى أقصى حد، وهي مهمّة صعبة لأنّنا ما زلنا نجهل الكثير عن أدمغتنا وقدراتها وآلية عملها من جهة، ولاستحالة معرفة الاتجاه الذي يذهب إليه التطوّر التكنولوجي الكبير والمتسارع بوتيرةٍ عالية من جهةٍ أُخرى.

 

0

شاركنا رأيك حول "هل تُصيب التكنولوجيا عقولنا بالكسل والخمول حقّاً؟"