آداب التواصل الإلكتروني. نصائح لاستخدام المنصَّات الإجتماعية بشكل أفضل

3

كلما تفكرت في وسائل الإتصالات التي صنعها البشر في الأجيال الأخيرة، رأيت الجنس البشري ينحدر إلى هاوية عزلة اجتماعية رهيبة، واضطراباً شديداً في حكمه على ما حوله، ونزعة كبيرة إلى أنواع جديدة من المخدرات النفسية، وصنوفاً أخرى من البلاءات لا تتسع لها صفحة مقال واحدة.

ذلك أننا استخدمنا تلك الأدوات دون ضابط إنساني يحكمها، ربما لأنها ظهرت بشكل سريع ومتلاحق، فلم نستطع أن نتريث قليلاً لنؤصل لكل أداة وقتها واستخدامها وقوانينها، فاقتصرت قواعد الإستخدام على ما ما يضمن سلامة الآلة وبقاءها، وليس ما يضمن سلامة البشر وصحتهم وبقاءهم!

فكر في الأمر في شكل مقارنة بين علب حفظ الطعام مثلاً وبين وسائل الإتصال تلك، كم من الوقت استغرقنا لنعرف المادة المثلى لحفظ الطعام فيها؟ وأي طلاء يصلح لتبطين تلك المادة لئلا تتفاعل مع الطعام؟. كان دافعنا في ذلك هو الحرص على سلامتنا بالطبع.

وقل مثل ذلك في أي تقنية استخدمناها على مر العصور القديمة والحديثة، مثل السيارات وآنية الطهي ومصادر الطاقة وغيرها. لا يفرق بينها إلا المدة التي نستغرقها في اكتشاف الأسلوب الأمثل لاستخدام التقنية من أجل سلامتنا، وفق ما يتوفر من أدوات اختبار تلك الأدوات ووضع القواعد لها.

أما في أمر وسائل الإتصالات، خاصة الأخيرة منها في صورها الحالية من نوادٍ افتراضية ومنتديات ومجتمعات، وما تعمل عليه من حواسيب وأجهزة محمولة، فإن أغلب البشر تخطوا تلك المرحلة إلى صرف اهتمامهم إلى استخدام التقنية، دون النظر في عواقب استخدامها على المدى القريب أو البعيد، الجسدي أو النفسي، الفردي أو المجتمعي.

وصار ما يهمنا الآن هو إطالة أعمار مدخرات تلك الأجهزة لكي تعمل أطول فترة ممكنة، لكي نضمن بقاءنا في تلك المجتمعات. ونحن فيها الآن دون قواعد تحكمنا، وتقيد استخدامنا إلى الحد الذي يمنعنا من السقوط في فخ اكتئاب نفسي أو أذىً بدني أو تأخر دراسي أو إنتاجي. فلا نفيق إلا ونحن أمام حادثة من تلك الأنواع، وليتنا نقف معتبرين مما نراه، بل لطامتنا، فإن ضمائرنا قد تبلدت، إلى الحد الذي جعلنا نذبح أنفسنا بنفس سكين الضحية التي أمامنا، فلا يهمنا سوى المسارعة بنشر قصته، والحصول على ما كان يبغي هو الحصول عليه من إعجابات ومشاركات!!. شئ يشبه الحمى المجنونة والسعار المخيف.

والذي نبهني إلى ذلك أنني كنت أعزل نفسي كل حين بضعة أشهر من حساباتي الإجتماعية، كي يصفو ذهني وأسترد عافيتي النفسية، وأذكر نفسي بسبب وجودي في تلك الحياة وأصرف بصري من جديد إلى أولوياتي وأهدافي، فإذا لمست من نفسي انتكاسة أخرى سارعت بوضع خطة عزل جديدة تنتشلني مما أسقط فيه.

وهذا ما أراني الموقف على تلك الهيئة والصورة التي قدمتها لك في أول المقال، فلماذا منحنا تلك الأجهزة امتيازاً بالحفاظ عليها وعلى سلامتها دون أن نحصل منها على ضمانات بالحفاظ علينا وعلى صحتنا النفسية والبدنية والإجتماعية؟

وإني أريدك أن تنتبه جيداً إلى “أني لا أدعو” إلى العودة للكهوف وترك وسائلنا وأدواتنا، فإن هذا ضرب من الحماقة، وإنما أقصد أن نكون على علم ووعي بإرشادات السلامة الخاصة بتلك الأماكن والأدوات. وهي موجودة لدى أغلب شركاتها، مفروضاً عليهم تارةً ومقدماً بأريحية منهم تارة أخرى، لكننا كمستخدمين لا علم لأغلبنا بتلك الإرشادات.

أي أن دعوتي الحقيقية أن تقرر مناهج لتعليم الجيل الحالي والنشء الجديد الطرائق المثلى للتعامل مع تلك الأدوات، ويكون لها آدابها وقوانينها، تماماً كما فعلنا قديماً مع الجيل السابق حين كنا نتعلم أن نخفض صوت التلفاز مثلاً حين يحتاج أحدهم إلى الراحة من باب الأدب، وليس أن نخبره بأن يترك الغرفة إن شاء!!

وفي هذا المقال سأحاول ذكر بعض تلك الآداب التي ينبغي علينا مراعاتها أثناء استخدامنا لتلك التقنيات، كنواة لما أريده من إنشاء منهج واضح لآداب استخدام تلك الشبكات فيما بعد، سواءاً تيسر لي إضافة أجزاءاً أخرى فيما بعد في هيئة مقالات، أو دفع هذا المقال لأحدهم أن يبدأ التأصيل لمنهج مماثل.

دعنا الآن نتعرض لبعض تلك آداب التواصل الاجتماعي بشكل مباشر ومختصر:

وجادلهم بالتي هي أحسن

وجادلهم بالتي هي أحسن

أحياناً يجانب بعض الناس سبيل الموعظة الحسنة، ويحتدون في النقد وتنطلق ألسنتهم بغية تعرية المنصوح وإظهاره أمام الناس بصورة الجاهل الأحمق، متعمدين أحياناً وجرياً على عادتهم أحياناً أخرى. والحق أنهم في الحالتين مأمورين بحسن النصيحة، فإن تعمد إظهار النقص لدى من تنصحه في أول نصيحتك مع بيان تفوقك عليه، لا يزيده إلا نفوراً وإعراضاً.

وإذا رأيت أحدهم قد اتخذ ذلك الأسلوب معك، فأحسن الظن به، فقد لا يكون قد انتبه إلى أسلوب حديثه، أو قد لا يظنه جارحاً من الأساس،  فاتبع نفس الخطوات التي كنت لتتبعها إذا ما كان صاحب الرأي ماثلاً أمامك، وتوقع أنه أسن منك، فتعرض وجهة نظرك في أدب ولطف، وأنت مأمور بحسن النصيحة على كل حال، وليكن قصدك من الأمر الوصول إلى الحق واتباعه، وليس الإنتصار لهوى النفس، وإذا ما لمست من الناصح سوء أدب واضح أو جراً إلى جدل عقيم، فاكبح شهوة الرد لديك، لئلا تنساق إلى معركة غير محمودة العاقبة.

أما إن اضطررت إليها دفاعاً عن مبدأ أو حق مهضوم، فذكر من تخاطبه كل حين بهدفك من الحديث والنقاش، فهذا يعيد توجيه كلامكما من ناحية إلى الحق، ويرشد القارئ العام الذي يقرأ تلك التعليقات إلى أصل المسألة المطروحة أمامه، فإن أحداً لن يكلف نفسه عناء قراءة سبعين تعليقاً كل منهم لديه ثلاثة أو أربعة ردود رجاء أن يخرج بنتيجة، بل ما سيرد إلى ذهنه أن هؤلاء أحمقين يتصارعان.

انتبه! قبل أن ترد ..

انتبه-قبل-أن-ترد - آداب التواصل الاجتماعي

كتب أحدهم مرة على مقال نشر لي قبل زمن تعليقاً أثار حفيظتي، فقد رأيت فيه ميلاً عن الإنصاف، وهممت أن أشتد عليه في الرد وأقطع عليه سبيل الإفلات بحجة أو عذر، فقد أوتيت منطقاً، وكان الحق إلى جانبي!.

لكني توقفت قليلاً ثم عدلت عن ذلك، وقلت لنفسي أنا لا أعرف الرجل!، ويحتمل أن يكون قد كتب ذلك الرد تحت تأثير عارض ما، فلربما لديه مشكلة أهمته وأثرت على حكمه، فإن كثيراً منا يخرجه الغضب عن أخلاقه، وتعميه غشاوة العاطفة عن رؤية الصواب.

فذهبت إلى حسابه لعلي أجد بعض البيانات عنه وعن أسلوب تفكيره، فإن حسابات الناس على الشبكات الإجتماعية هذه الأيام غالباً ما تعبر عن هوياتهم الحقيقية. ورأيت ما توقعته، فقد اكتشفت أن والده توفي قبل أيام!، فلابد إذاً أن يؤثر ذلك على مزاجه وأسلوب حديثة.

وهكذا، فلا تدري فيم يفكر ذلك الذي يكتب لك على منشورك أو مقالك، ولا كيف حاله من حالك، ولا عمره ولا خلفيته المعرفية أو الثقافية، فلا ترد عليه بنفس الأسلوب الذي ترد به على صديقك الذي تعلم خباياه.

وأنا أستطيع أيضاً!

وأنا أيضاً

إذا نشر أحد ما صورة التقطها، فلا تضع في التعليقات على تلك الصورة ما التقطته أنت من صور!، فإنه لم يضعها ابتغاء منافسة، ولا يحتاج أن يعرف أنك أفضل منه في التقاط الصور، ولا يحتاج العالم أن يعرف أنك أمهر منه في التقاط الصور أيضاً، وتكثر تلك الحالة مع الذين يلتقطون صوراً للطبيعة من حولهم، وإن مثل ذلك كصاحبك الذي يشكو إليك همّا طاف به، فترد عليه أنت بأن لديك همّ أكبر منه!، حسناً عرفنا أنك الصنديد الذي لا تنكسر له شوكة، هلا خففت عن صاحبك الآن بعض ما يجد؟

وأولى بك في هذا الموقف إن أبيت إلا نشر صورك، أن تنشرها على حسابك الخاص، وإن كان بينك وبين ذلك الشخص رابط في الموقع فسيراها على الأغلب، ولأنه يهتم بنفس المجال، فهناك فرصة كبيرة أن يتفاعل مع ما تنشره. لكن إن لم يفعل، فصدقني لن يغير الأمر إغراق التعليقات لديه بصورك لجذب اهتمامه.

وإن كان أحد لا تعرفه وليس بينكما رابطة، فتستطيع الإشارة إليه في منشورك لكي يراها، وإن قلت أنه ربما يمنع أن يشير إليه أحد في منشور ما، لأقولن لك صدقني حينها هو في شغل عما تود لفت انتباهه إليه.

لا تنشر هذا!

لا تنشر هذا

شاهد فضيحة فلان، شاهد هذا وذاك، انظر ماذا فعل فلان، انظر ماذا يقول فلان على فلان! هذا نموذج عام لما يراه المرء في تلك المجتمعات، فقط .. لا تنشر تلك الفضائح، لا تكن نَمّاماً ولا مشيع فاحشة بين الناس، ولا تنقل كل ما ترى إلى من حولك، فكفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع، وليكن ديدنك في ذلك إماتة الباطل عند بابك، لا تسمح له بالمرور منك إلى غيرك، وسد على نفسك الباب بالخيارات المعلقة بكل منشور، فبإمكانك أن تقلل من رؤية منشورات بعينها أو إلغاء متابعة حسابات لا تريد أن ترى منها.

وأيضاً، لا تنشر صور الكوارث والمصائب، وفيديوهات القتلى والجرحى، كالذي يسير في الناس يصيح بينهم: كيف تنامون وإخوتكم يذبحون في المكان الفلاني!، وكيف يغمض لك عين وأهل البلد الفلاني يموتون جوعاً، إلخ …

دعنا نقيم تلك الفقرة مرة أخرى لأهميتها، إغاثة الملهوف ونجدته حق على من يستطيعه في الجاهلية قبل الإسلام، لكن الجعجعة في كل نادٍ ووادٍ ليل نهار تبلد الحس وتقتل العزيمة، فيعود الصائح والمشاهد آخر النهار ليناما ملء أجفانهما، وما قدما خطوة لإنقاذ ما دار يومهما حوله، ولا تُنشر تلك الصور إلا للجهات التي لديها القدرة على تغيير الواقعة، وهذه الجهات لديها مقرات تعتمد أخبار تلك الحوادث منها، وتعمل على إيصال المساعدات لهم.

ولا تُنشر الصور والبيانات على العامة إلا لبيان غائب، أو لجمع أموال أو لغير ذلك، أما استغلالها في مواقف البطولة الكاذبة، والفدائية الجوفاء فهو سكين أخرى تقتل بها ذلك الذي تنشر قصته، وليعلم من يرى تلك المشاهد أن إعجابك ومشاركاتك لتلك الأشياء لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم إلا في مثل تلك الحالات التي ذكرتها قبل قليل، وأنها وصمة عار عليك إذا ما رآها ولدك بعد عدة أعوام، ليقول لك أكل ما استطعته يا أبت أن تنشر تلك الصورة؟ ألم تقدم مالاً؟ ألم تنجد أحداً؟

 أمك ثم أمك، ثم أمك!، ثم أبوك!!

أمك ثم أمك - آداب التواصل الاجتماعي

قبل عدة أعوام أثناء سيري في إحدى المدن رأيت امرأة وابنتيها يجلسون في حديقة معاً، ويبدو أنهم قد خرجوا لقضاء بعض حاجاتهم أو للتنزه، ولفت نظري تلك المرأة الكبيرة وهي مشيحة بوجهها في ضجر واضح عن ابنتيها، بينما الفتاتين منكبتان على شاشتين صغيرتين أمامهما، قد انحنت رؤوسهما وتسمرت عيونهما على تلك الشاشة، ولا يبدو عليهما أنهما يشعران بوجود أمهما من الأساس.

ويتكرر هذا المشهد كثيراً من حولك إن أمعنت النظر، ففي بدء الإجازة الدراسية وعودة الطلاب من جامعاتهم، توقف بينهم برهة وهم جلوس حول أمهم التي انتظرت إيابهم من دراستهم، لترى السعادة في عين تلك المسكينة بأبنائها من حولها، بينما بنوها وبناتها لاهون في حواسيبهم وهواتفهم!!. لقد وقعت عيني على هذا المنظر من قبل، وتاكد أنه منظر يقطّع القلب الحي ويفتت الكبد.

وأوجه حديثي هنا إلى فئة الشباب خاصة، فصلة رحمك أولى لك من صلة أناس لا تعرفهم، لا تكن كالذي يعق أمه وأباه ويطيع صديقه!، وصلة رحمك أيتها الفتاة أولى لك من إحناء رأسك لشاشة هاتف طول النهار، وهي الباقية لك حين تنفذ مدخرة هاتفك أو تنقطع الكهرباء عن حاسوبك.

هنا شرفة منزلك، وليست غرفة نومك!

يجب أن تدرك بوضوح شديد أن وجود هاتفك في غرفة نومك لا يعني أن تنشر منشورات وصوراً لا يصح إظهارها أمام العامة، فمشكلات المنازل المستورة عن الناس لا يصح إرسالها إلى صفحات تنشرها على الملأ، أو نشرها على حسابك الشخصي حتى!، فلا حاجة بالناس إلى فضل الحديث من فضائح غيرهم ومشاكلهم، اللهم إلا أن تستخدم في دراسة اجتماعية لحل مشكلة عامة، وهذه المواقع ليست بمحل ذلك، فيحسن بك تجنبها.

ليس اتِّباعاً!، بل متابعة.

تنتشر هذه الثقافة بشكل خاص في فيس بوك عن غيره، وأظن أنها تكثر بين العرب، فكلمة Follow تستخدم في سياق متابعة الأخبار وآثار الطريق مثلاً، وتستخدم أيضاً في سياق الإتباع للبشر الذي يستلزم الطاعة.

ولعل هذا يأنفه البعض إذا أخذ الكلمة على معنى الإتِّباع، ويستنكف أن ينظر لنفسه أن يتبع فلاناً أو علانا، فيرسل إليه طلب صداقة، وهو لا يعرفه، ولا يفكر في زيادة معرفته به، فقد يظل عاماً دون أن يكلمه بكلمة!، فأي صداقة تلك؟!، لكنه يلجأ إليها لحفظ ماء وجهه أن يقال اتَّبع فلاناً، ويزيد الطين بلة بعض المواقع مثل موقع مسلم فيس، حيث يضع آثار أقدام كصورة رمزية لزر المتابعة، فيقول الرائي لها في نفسه “اه!، كنت أعرف أنها تعني متابعة!”.

لكنها في الحقيقة لا تعدو كونها متابعة أخبار لحساب ما، فقد يكون ذلك صاحب ذلك الحساب خصماً لك أو منافساً في السوق، أو حتى عدواً لك، ألن ترغب حينها في متابعة أخباره لكي تأمن مكره؟ أو يترك بعضهم ذلك الزر من أجل السمعة الكاذبة، فيستخدمها ليقول أنه صديق للممثل الفلاني للهيئة الفلانية مثلاً، وكل ذلك عندي من أمراض القلب التي على المرء أن يجتنبها ما استطاع، ولتعلم أننا نفرق في فهمنا لمعنى المتابعة والإتباع، وإن اتفقا في المعنى في بعض الأحيان.

الخلاصة

لعلك تعلم كما أعلم تماماً أن فكرة مثل هذا المقال لن يسعها ربما كتاب كامل، فربما يحسن أن أتوقف هنا بعدما أريتك المبدأ العام لما أود التأصيل له، وتستطيع اكتشاف الأمثلة الكثيرة التي كنت أود قولها هنا والتي ربما لم أدركها بنفسي، بقليل من الملاحظة لما تجده في تلك الشبكات إذا اعتبرت ما قلته هنا في هذا المقال. على أني لن أدخر وسعاً في تفصيل جزء آخر إن تيسر ذلك بإذن الله.

3

شاركنا رأيك حول "آداب التواصل الإلكتروني. نصائح لاستخدام المنصَّات الإجتماعية بشكل أفضل"