لماذا تقوم المجتمعات منخفضة الدخل ببناء شبكة الإنترنت الخاصة بها؟

2

بعد سنوات من التطور واتجاه معظم جوانب الحياة العملية نحو الأتمتة، وأن تصبح كل الأعمال متصلة بـ شبكة الإنترنت، أصبح من الصعب تخيل حياتنا اليومية من دون إشارة الشبكة الصغيرة تلك على أجهزتنا، بل قد نصاب بالهلع إن ظهرت وبجانبها علامة تعجب!

فما بالك أنّه لا تزال هنالك مجتمعات لا تملك اتصالًا خاصًا بشبكة الإنترنت. أنا لا أتحدث عن غابات الأمازون أو قبائل المايا … في الواقع هذه المجتمعات في قلب الحضارة … هنالك مئات المجتمعات في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها لا تمتلك اتصالًا بشبكة الإنترنت!

 

مجتمعات تبني شبكتها الخاصة
تبين هذه الصورة المجتمعات التي تقوم ببناء الشبكة الخاصة بها.

لنأخذ على سبيل المثال مدينة ديترويت الأمريكية، منذ سنوات طويله ومدينة ديترويت في الولايات المتحدة الأمريكية تحت الضوء كمدينة الملصقات الخاصة بالتطور الحضاري. قصص كثيرة رويت كيف أنّ علامات تجارية مثل: (Shinola) تقوم بإدارة التراث الصناعي لهذه المدينة، وكيف أنّ متمدنين شجعان يقومون بتحويل أرض هذه المدينة الجرداء لمزارع مستدامة ومساكن متاحة للجميع، أمران اعتياديان في هذه المدينة.

لكن الشيء الذي يتم تجاهله في قصصهم تلك، هو أنّ العديد من سكان ديترويت لا يزالون يفتقدون لخدمة أساسية هي: إمكانية الوصول للإنترنت. حوالي 40% من سكان هذه المدينة لا يملكون اتصالًا واسع النطاق، الأمر الذي يعد مشكلهً حيث أنّ المصادر والموارد المعتمدة في عملها على الشبكه العنكبوتية (كالصرافة، التعليم، وحتى الإحصاء السكاني) في تزايد كبير.

حالها حال العديد من المدن الأخرى، فإنّ التاريخ الاقتصادي لمدينة ديترويت هو جزء من الشيء الذي  أعاق إمكانية تواجد شبكة الإنترنت، حيث أنّ شركات الاتصال عادةً تتجاهل الأحياء والمدن منخفضة الدخل، والأُسر ذات الدخل الأدنى والتي تشكل 20% من الطيف الاقتصادي، وهي خمس مرات عرضة لافتقاد الإنترنت من الأُسر الموجودة في قمة الطيف الاقتصادي، وفي 2017 التحالف الوطني للاندماج الرقمي (NDIA) وصفت تجاهل شركة American  Telephone and Telegraph  (AT&T) للأحياء الفقيرة في الأحياء الملونة التابعة لكليفيلاند بـ “digital redlining” أو “التفرقة الرقمية”، كما أنّ التحالف قال أنّ هناك شركات لا تتوسع داخل هذه الأجزاء من المدينة؛ لأنها لا تعود عليها بالمنفعة المادية المرجوة!!

في ظل هذا الوضع، التحالف الوطني للاندماج الرقمي (NDIA) قام بخلق حاجة ضرورية للمدن والمجتمعات المحلية عبر البلاد للتأكد أنّ الإنترنت الجيد متاح للجميع، بغض النظر عن القرارات المأخوذة من قبل شركات الاتصال العظمى.

تخطو مبادرة الإنترنت المنصف (Equitable Internet Initiative EII) في ديترويت باتجاه تلبية حاجة المدينة للإنترنت. في عام 2016 أطلق مشروع ديترويت للتكنولوجيا المجتمعية (Detroit Community Technology Project DCTP) – مشروع غير ربحي أسس عام 2014 لتدريب منظمات المجتمع على إنشاء نقاط وصول إلى الإنترنت على مستوى الحي – أطلقت (EII)  لزيادة إمكانية الوصول للإنترنت في ثلاثة أحياء تعاني نقصًا في الخدمات في المدينة، ولتثقيف أفراد المجتمع الذين يستفيدون من الإنترنت عن كيفية تركيبه وإدارته.

بالرغم من أنّ المدينة كانت قد بدأت باستعادة نشاطها، أدركت ديانا نوسيرا مديرة مشروع  (DCTP) أنّ الترميم يتم بطريقة غير عادلة بين أحياء مدينة ديترويت، حيث أنّ العديد من الأحياء الفقيرة كانت لاتزال خارج ملفات التطوير الاقتصادي، وقام مشروع ديترويت للتكنولوجيا المجتمعية (DCTP بإطلاق مبادرة الإنترنت المنصف (EII) في عام 2016 من أجل إشراك المجتمعات المحلية في جميع أنحاء البلاد في إمكانية الوصول للإنترنت، واستخدامه في دفع عجلة التغيير.

بتمويل أولي من شركة Allied Media Projects، بالإضافة لمبلغ قدره 60.000 دولار تم كسبها في تحديات المجتمعات الشبكية (Networked Society challenges) التابع لشركة موزيلا، قامت مبادرة الإنترنت المنصف (EII) بتدريب 45 مقيمًا من ثلاثة أحياء (جنوب شرق ديترويت، السوق المركزي، الطف الشمالي) على تركيب البنى التحتية للإنترنت، كما قامت EII بشراء خمس سنوات من إنترنت جيجابت (تصل سرعته لـ 0001 ميغا بت في الثانية، ويتم إيصاله عبر الألياف الضوئية) من مزود الخدمة المحلي (Rocket fiber)، لكن قدوم مزود الخدمة إلى المدينة وتركيبه في البنى المحلية التحتية للإنترنت لم يكن كافيًا على حد قول نوسيرا!

مع ذلك عملت نوسيرا وفريق (EII) مع المتدربين من المجتمع المحلي، المتعهدين الرقميين (Digital Stewards) كما يطلق عليهم، على تثبيت هوائي كبير على أسطح ثلاثة من المراكز الاجتماعية في المدينة باستخدام التكنولوجيا اللاسلكية نقطة لنقطة، حيث تقوم هذه الهوائيات ببث الإنترنت إلى عشرات من البيوت المجاورة.

بهذا الخصوص، فإنّ مبادرة EII مشابهة لشبكات متعددة مثل: شبكة NYC Mesh – مزود خدمة إنترنت محلي في مدينة نيويورك – تتزايد شعبية هذه الشبكات في أعقاب قرار لجنة الاتصالات الفيدرالية (FFC) بدحر حماية الحيادية أي أنّ النت يجب أن يكون متاحًا للجميع؛ لأنّ أفراد  المجتمع هم من قرروا شروط الخدمة، وإضافةً إلى اهتمام مبادرة (EII) بخدمة الإنترنت فإنّها أيضًا تهتم بتقدم وتطور التعليم والمجتمع.

تقول نوسيرا: “غالبًا ما يكون الإنترنت عبارةً عن نموذج Top-down، حيث أنّ المعلومات المتعلقة بالمكان الذي تذهب إليه هذه التكنولوجيا لا يتم تتداولها، مما يبقي الناس جاهلين بما يحدث، أردنا الجمع بين الشبكات اللاسلكية ذات الجودة العالية، والتنظيم عالي المستوى”.

جزء من هذا التنظيم برنامج Next Gen Apps التابع لمبادرة (EII)، هذا البرنامج الذي يقوم بتدريب مراهقين على تطوير الويب. قام الشبان في هذا البرنامج بتصميم أدوات مجتمعية مثل: منصة تحليل بيانات التلوث وخريطة لموارد المجتمع، كلاهما تم استضافتهما على الشبكة الداخلية لمبادرة (EII)، كما سيعمل المتعهدون الرقميون Digital Stewards مع مزودي الطاقة الشمسية المحليين على تثبيت ألواح شمسية على الهوائيات لجعل الشبكة أكثر مرونةً في مواجهة مشكلة انقطاع التيار الكهربائي.

قال ميهان جياسوريا، مدير تحدي WINS التابع لموزيلا، أنّ النموذج التابع لمبادرة (EII) قد قام بتحقيق كل ما كان مطلوبًا في التحدي: الاستدامة، القدرة على تحمل التكاليف، الإنجاز التقني، وإشراك المجتمع، كل ما سبق كان لابد من تواجده في المشروع ليتجاوز التحدي. لكن مبادرة (EII) قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، إضافةً إلى كل تلك الأشياء كانت الشبكة التي سوف تقود إلى استقرار طويل المدى لبرنامج التعليم والإشراف”.

تأمل نوسيرا أن تتغلب قوة EII في النهاية على الثغرات التي خلفها مزودو خدمة الإنترنت العاديين، وتقول: “بحلول عام 2019، نريد أن تنخفض أعداد غير المتصلين بالإنترنت، والتي تقدر نسبتهم بـ 40% إلى النصف! “.

 

2

شاركنا رأيك حول "لماذا تقوم المجتمعات منخفضة الدخل ببناء شبكة الإنترنت الخاصة بها؟"

أضف تعليقًا