مخيّم للاجئين يستخدم تقنية سلسلة الكتل Blockchain… ماذا يعني ذلك؟

سلسلة الكتل
3

كثيرةٌ هي الأخبار الّتي تكلمت عن اللاجئين في السنوات الأخيرة، وليست الأخبار الّتي تحدثت سلسلة الكتل <<بلوك تشين>> بأقل عدد. لذلك، كانت مسألة وقت قبل أن نرى خبرًا يجمع هاتين الكلمتين معًا أخيرًا. لكن ما وراء هذا الخبر أكبر بكثير من أن يكون مجرد خبر عابر تمر عليه مرور الكرام؛ لأنّه بكل بساطة يتكلم عن تجربة فريدة ربما سترسم مستقبل هذا العالم الذي نعيش فيه.

اقرأ أيضًا: عشر عملات رقمية غير مشهورة قد تحمل الرايةَ بعد بيتكوين

اللاجئون وسلسلة الكتل

هو مخيّم كغيره من المخيمات الّتي احتضنت اللاجئين بعد أن اضطروا لمغادرة بيوتهم ومدنهم. يقع هذا المخيم على بعد حوالي عشرة كيلومترات من الحدود السورية، في الأراضي الأردنيّة، ويحتوي على 75 ألف شخص، إنّه مخيّم الزعتري.

يخرج بسّام، وهو أحد المقيمين في الزعتري، ذات يوم ليتسوّق حاجياته من محل البقالة القريب، وبعد أن ينتهي من التسوّق، ويصل إلى مرحلة دفع النقود، فإنّه لا يدفع نقدًا أو ببطاقة ائتمان، وإنما يرفع رأسه ليواجه صندوقًا أسودًا وينظر إلى المرآة والكاميرا الّتي في وسطها. بعد لحظات، تظهر صورة من عين بسام على شاشة الصراف، يجمع بسام حاجياته، ومن ثمّ يعود إلى حياته الطبيعية.

هذا ليس خيالًا علميًّا بل واقع تمّ تطبيقه في الزعتري، حيث تمثّل زيارة بسام لمحل البقالة أحد الاستخدامات الأولى لسلسلة الكتل في مجال المساعدات الجماعية، ومن خلال قزحية عينه، أكّد بسام هويته بمقارنتها مع قاعدة بيانات تملكها الأمم المتحدة، ومن ثمّ تمّ اقتطاع الأموال من حساب بسّام العائلي الّذي يُحفظ باستخدام تقنية الإيثيرويوم الّتي تعتمد بدورها على تقنية الكتل الّتي يستخدمها برنامج الأغذية العالمي (WFP)، ليسدّد فاتورة بسام.

تطبيق نظام الدفع
النظام المستخدم للدفع بواسطة قزحية العين.

بدأ المشروع في أوائل عام 2017؛ ليساعد برنامج الأغذية العالمي في توزيع المساعدات لأكثر من 100 ألف لاجِئ سوري في الأردن، ومن المتوقع أنّه بحلول نهاية هذا العام، سيغطي البرنامج جميع اللاجئين البالغ عددهم 500 ألف في البلاد. إذا نجح المشروع، فقد يسرّع في نهاية المطاف اعتماد تقنيات سلسلة الكتل في وكالات الأمم المتحدة الأُخرى، ومن ثمّ خارجها.

لماذا سلسلة الكتل؟!

يُساعد برنامج الأغذية العالمي على إطعام 80 مليون شخص في جميع أنحاء العالم، ومنذ 2009 غيّرت المنظمة من طريقة عملها، فبدلًا من توصيل الغذاء بشكل مباشر، أصبحت تعتمد على تحويل الأموال إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الغذاء.

يمكن لهذه الطريقة الجديدة إطعام المزيد من الناس، وتحسين الاقتصادات المحلية، وزيادة الشفافية. لكنها في ذات الوقت تنطوي على سلبية كبيرة للغاية، وهي الاضطرار إلى العمل مع البنوك المحلية أو الإقليمية، وهو أمر كارثي بالنسبة لبرنامج الأغذية العالمي، الذي قام بتحويل ما يزيد عن 1.3 مليار دولار في عام 2017، ولك أن تتخيل حجم الأموال الّتي دُفعت كرسوم للبنوك لتحويل الأموال، حيث كان بالإمكان لهذه الأموال أن تذهب إلى ملايين الوجبات لإطعام المحتاجين، بدلًا من ملء جيوب الأغنياء المستفيدين من عمل البنوك.

هنا تتجلّى الحاجة لتقنية سلسلة الكتل، والّتي من الممكن أن تؤمن نقل الأموال دون دفع أموال كبيرة للبنوك، ويمكن القول أنّ النتائج المبكرة لبرنامج سلسلة الكتل استطاعت تخفيض 98 في المئة من قيمة الرسوم. يعني ذلك أنّ مليون دولار مثلًا كانت تُدفع كرسوم ستصبح 20 ألف دولار فقط، وستوفر الأمم المتحدة ما يقارب 980 ألف دولار ستذهب لإطعام المحتاجين. هل وصلت الصورة؟

امتلك هويتك الرقمية

لا تلعب تقنية سلسلة الكتل دورًا محوريًّا في توفير النقود فقط، بل ستحل هذه التقنية مشكلةً أكثر خطورةً، وهي مشكلة مركزية في أي أزمة إنسانية. نتكلم هنا عن الوثائق الحكومية، فكيف يمكن أن تصل الأموال للمحتاجين لها إن لم يملكوا هويات شخصية أو حسابات بنكية، فهذه الأشياء هي متطلبات أساسية في كل التعاملات تقريبًا.

لن يظل سكّان الزعتري فيه للأبد، ويومًا ما سيخرج قاطنوه إلى الحياة مرةً أُخرى، ولك أن تتخيّل ماذا سيواجه هؤلاء دون أوراق ثبوتية. لكن يُمكن حل هذه المشكلة مع سلسلة الكتل بشكل نهائي، فبالاعتماد على سلسلة الكتل سيملك كل شخص ما يسمى بالمحفظة الرقمية المليئة بتاريخ معاملات الشخص المالية، وبالإضافة إلى بطاقة هويته، وقدرة على الوصول إلى الحسابات المالية، وكل ذلك مرتبط من خلال النظام القائم على سلسلة الكتل.

فمع مثل هذه المحفظة، سيصبح أي شخص قادر على الدخول إلى الاقتصاد العالمي بسهولة أكبر. سيكون لديه مكان حساب بنكي مسبق يسمح لصاحب العمل إيداع راتبه فيه، وكذلك يمكن للبنك المركزي في أي دولة أن يرى التاريخ الائتماني، ويمكن لموظفي الحدود أو الهجرة التحقق من الهوية الرقمية بشكل مباشر، وهي الهوية الّتي ستكون مصدقةً من الأمم المتحدة والحكومة الأردنية، ولكن أهم ما يميّزها أنّها لا يمكن أن تضيع، أو أن تشرب من ماء البحر.

الهوية الرقمية
ارتباط وثيق بين سلسلة الكتل وبين الهوية الرقمية.

مثل هذا السجل (الّذي يحوي الهوية الرقمية والحسابات البنكية وغيرها)، والمخزّن ربما على هاتف محمول، يمكن أن يسمح لأي شخص بأخذ بياناته من سوريا إلى الأردن وخارجها، مدعومة على الإنترنت بشكل مشفر. يستطيع اللاجئون حول العالم الّذين يستخدمون هذا النظام استعادة الهويات القانونية التي فقدت مع وثائقهم، وأصولهم عندما غادروا منازلهم.

في هذا السيناريو، يستطيع اللاجئ السفر إلى ألمانيا مثلًا، أو العودة إلى سوريا، وإثبات شخصيته بكل سهولة، وإظهار علاقته بأولاده، والحصول على قرض لبدء عمل تجاري بشكل أسهل. ناهيك أنّه لن يضطر إلى الوقوف ساعات طوال لتصديق وثيقة ما من مركز حكومي ما، وهو ما يتطلب الوقت والمال.

لك أن تتخيّل لو أنّ هذا النظام كان يعمل منذ عشر سنوات فقط، أي قبل أن يغادر السوريون منازلهم، كانت ستخف معاناتهم بشكل كبير جدًا، ولدخلوا سوق العمل بشكل أسرع بكل تأكيد. مع هذه النظام كذلك لن يخاف اللاجِئ حتى لو قامت أي حكومة بإلغاء أي ورقة ثبوتية كجواز السفر أو الهوية الشخصية، أو إذا دمّرت أي مؤسسة حكومية تحتوي أوراق مهمة كالشهادات الجامعية أو المدرسية، وقس على ذلك.

باختصار مع هذا النظام، سيحل سجل مخزن على الجوال محل كل الأوراق الثبوتية، ولن تحتاج إلى أي حكومة مركزية في العالم للمصادقة على تلك الأوراق، لأنّ كل من يبتع هذا النظام سيصادق لك على أوراقك وأنت بدورك ستصادق على أوراق معارفك، وستنقلنا سلسلة الكتل من المركزية إلى اللامركزية، وهو الهدف الرئيسي لهذه التقنية، وهو الحلم المنشود للكثيرين.

ليس مخيّم الزعتري وحده!

التجربة لا تخص مخيّم الزعتري وحده، حيث تعمل عدد من المنظمات حول العالم بالفعل على الاستفادة من تقنية الكتل في جعل حياة البشر أسهل، ففي فنلندا مثلًا تتعاون شركة ناشئة تُدعى “MONI” منذ عام 2015 مع دائرة الهجرة الفنلندية، في سبيل منح كل لاجِئ في البلاد بطاقة ماستركارد مسبقة الدفع مدعومة برقم هوية رقمي مخزّن على سلسلة من الكتل، وهدف هذه الشركة هو السماح للاجئين بفتح حساب بنكي حتى بدون الحاجة لجواز سفر، وهو أمر صعب جدًا في فنلندا في الوقت الحالي.

وفي الوقت نفسه، شكّلت شركات ضخمة جدًا مثل مايكروسوفت مع منظمات غير ربحية عديدة حول العالم تحالفًا يُدعى ID2020، وتتمثل مهمة هذا التحالف في المساعدة على تحقيق هدف الأمم المتحدة المتمثل في توفير الهوية الرقمية للجميع، بدءًا من 1.1 مليار شخص حول العالم يفتقرون إلى أي دليل رسمي على وجودهم. (هل تصوّرتم هذا الرقم الضخم؟َ!)

لكن مهلًا …

فبالرغم من أنّ سلسلة الكتل، ووفق السيناريو الّذي تكلمنا عنه، من الممكن أن تحل الكثير من المشاكل الحقيقية، والّتي تعترض حياة اللاجئين يوميًا، إلّا أنّ كل ما تكلمنا عنه بحاجة إلى سنوات وربما عقود ليصبح أمرًا واقعيًا وحقيقةً ملموسةً،

وبالرغم كذلك من كل الشركات الناشئة الّتي تتسابق بشكل يومي إلى دمج تقنية سلسلة الكتل مع كل جوانب الحياة، إلّا أنّنا لا زلنا بحاجة إلى شركات أكثر ووقت أطوّل لنرى نتائج أكثر جديّة، فبالعودة إلى مخيّم الزعتري نجد أنّ محليّن للبقالة فقط يعتمدون على تقنية سلسلة الكتل، وحتّى عدد المشتركين في هذا المشروع ما زال صغيرًا، والمصيبة الأكبر هو وجود السلطة المركزية الّتي تتحكم في إضافة مستفيدين جدد، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع الهدف الرئيسي الذي وُجدت تقنية سلسلة الكتل من أجله في المقام الأول.

لكن في النهاية لن توقفنا هذه المعوّقات عن الحلم الّذي تعدنا سلسلة الكتل لتحقيقه، وهو التخلص من السلطة المركزية، والطرف الثالث، وجعل الحياة أسهل بشكل عام.

3

شاركنا رأيك حول "مخيّم للاجئين يستخدم تقنية سلسلة الكتل Blockchain… ماذا يعني ذلك؟"