بعد تجربة شخصية… هل تستحق العزلة عن التقنية كل هذا العناء؟

2

رغم الفراغ الكبير الذي تملؤه علينا وسائل التواصل، ورغم أنها تقرب كل البعيدين المبعثرين في أنحاء العالم إلينا، ورغم كون الهاتف أو الحاسب جزءاً لا يتجزأ من حياتنا في الوقت الحالي، إلا أنني في بعض الأحيان أرغب في ترك كل ما حولي من إلكترونيات ووسائل تواصل، والعودة إلى عيش حياة بسيطة، ربما تكون خالية من كل التعقيد الذي سببته هذه الوسائل… ففي بعض الأحيان فكرة فيلم Into The Wild والعيش في الطبيعة بعيدًا عن الماديات ليست بالسيئة!!

اقرأ أيضًا: عزيزي مدمن الهاتف المحمول … حان وقت الانفصال!

هل جربتم الانعزال فترة عن عالم التقنية، ليس لأي شي بل فقط لمعرفة إن كانت حقًا بهذه الضرورة والأهمية!

في هذا المقال سأشارككم تجربتي الفاشلة وتجارب غيري الناجحة في الانفصال عن التقنية والعودة لأنقى أنواع أساليب العيش، البساطة.

ما الذي يدفع الناس لاتخاذ القرار بالعزلة؟

قد نعزو هذه المشاعر للضيق والتوتر الذي تسببه وسائل التواصل، فضغط العمل يأتي معك إلى المنزل كل ليلة، وإن كنت تعمل من المنزل أصلًا فليكن الله في عونك!! لكن في الواقع، الأمر أكثر من مجرد ضغط وتوتر عمل ودراسة!

أصبح الناس يدركون شيئًا فشيئًا أن القضية هي قضية هوس بوسائل التواصل والتقنيات أكثر من كونها حاجة ملحّة، فعند تعطل هاتفك مثلًا ستجد أنه يمكنك النجاة من دونه.

ناهيك عن المتاعب الجسدية التي يسببها تعلقنا بالتكنولوجيا من آلام في العين والرقبة وزيادة وزن لكثرة الجلوس، بالإضافة للخمول الذهني! هاتفك يحفظ مواعيدك ويذكرك بكل شي، وأنت تضع دماغك على وضع موفر الطاقة لأطول فترة ممكنة!!

أما عن المتاعب النفسية التي لا تعدّ ولا تحصى، فقد وضعت لنا السوشال ميديا معايير لتكوين أنفسنا أصبحنا نسعى لتحقيقها بهدف إرضاء الآخرين، رغم أنها شبه مستحيلة. نحن لسنا بروبوتات، وليس علينا تقليد كل ما نراه، ليس عليكي أن تخسري وزنًا لتصبحي أشبه بعارضات الأزياء، وليس على أحد شراء سيارة فارهة فقط لأن جاره أو أحد المشاهير يمتلكها. مقارنة النفس مع غيرها هي أكثر ما يتعب ويضع ثقلًا على كاهلنا، فعند النظر لهذه المعايير غير الواقعية لن يسعك الشعور إلا بالنقص مهما كانت ثقتك بنفسك عالية.


تجربتي الفاشلة

لم يكن القرار وليد اللحظة، بل كانت مشاكل النظر والملل من روتين الحياة اليومية من الأسباب الكبرى التي دفعتني لهذا القرار. فانتهى بي الأمر بترك حاسبي الشخصي وهاتفي مغلقين لمدة خمسة أيام وللأسف لم أستطع الابتعاد أكثر لضرورات عملية وعلمية.

في ذلك الوقت الذي أمضيته بعيدًا، تحدثتُ مع أصدقائي وجهًا لوجه، عدت لممارسة الرياضة، وأيضًا قمت بتصليح راديو قديم لأبقى على اتصال مع الموسيقا (نوعًا ما هذا يُعتبر غشاً، لكن لا بأس، لنغضّ البصر عن ذلك).

معرفة أن لاشيء ينتظر أن تنجزه وأن من يريد التواصل معك يمكن أن يصل إليك بطريقة أو بأخرى، جعلتني أشعر بأن كل شيء أصبح أكثر خفة، لقد كانت تجربة محررة بالفعل. بالطبع ستقولون هذا أمر طبيعي فلا عمل لا توتر… لكن المثير في الأمر أن عند عودتي إلى عالم التقنية كان كل شيء على مايرام!
لم يحترق العالم بسبب غيابي عن فيسبوك، ولن يحترق لغيابك أنت أيضًا.


هل يستحق الأمر الانعزال كليًا؟

الأمر مختلف بالنسبة لكل شخص وبالنسبة لكل وسيلة تواصل، فإن كنتَ لا تجد تصريحات أصدقائك على فيسبوك مثيرة للاهتمام أو لا يهمك مشاهدة صور رحلة قريبك على إنستغرام، فأظن أنك ستكون بخير إن غادرتهما. وأيضًا إن كان عملك لا يتطلب تواصلًا مع عدد من الناس، فأيضًا لا داعي لبقائك على السوشال ميديا، وكذلك الأمر بالنسبة لدراستك.

هنالك تجارب ناجحة وملهمة، فبعد الانعزال لفترة والتعود على المحيط الطبيعي دون شاشات مضيئة، ستجد أنه يمكن لدماغك فعل الكثير!! الصفاء الذهني الذي لا يعكره صوت الإشعارات وتنبيهات البطارية المنخفضة وغيرها، هو ما يجعل هذه التجربة تستحق الجهد.

كيف السبيل لتحقيق العزلة؟

  1. الواضح هو القيام بحذف حسابات التواصل، ليس دفعة واحدة عزيزي المدمن، بل تخلص منها بالتدريج من الأقل أهمية للأكثر أهمية بالنسبة لك.
  2. بعد حذفها ستتساءل لماذا سترغب في إبقاء هاتفك حولك طول الوقت؟ ما كان يلصقه في يدك هو تلك الحسابات!
  3. حاول الاعتماد على وسائل تواصل أخرى إلى أن تكون حاجتك للهاتف المحمول قد خرجت كليًا من دماغك، استخدم الهاتف العمومي مثلًا، حاول مقابلة أصدقائك وجهًا لوجه وفاجئهم في زيارة للمنزل.
  4. أما حاسبك الشخصي، أو طريق الغش الآخر نحو العودة للشبكة، فيمكنك الاستعاضة عنه بحواسيب الكلية أو مقاهي الإنترنت التي توفر أجهزة حاسب عند الضرورة الملحّة.

والآن بعد أن تخليت عن التكنولوجيا حولك، عليك الدخول في مرحلة إعادة التأهيل وأولها التدرب على الاعتناء بنفسك، تذكر المواعيد والقيام بالعمليات الحسابية ذهنيًا دون اللجوء للهاتف. استمتع باللحظة، بدلًا من التقاط صورة للّحظات الجميلة في حياتك ومشاركتها على السوشال ميديا، فإن العزلة التكنولوجية ستجعلك تبذل جهدًا لحفر اللحظة في ذاكرتك!

من ثم عد إلى الأساسيات، الورقة والقلم، الراديو القديم، الطبيعة وزيارة المكتبة وحضور حفلات على أرض الواقع، مشاعر نوستالجية لا يمكن أن تحل محلها الشاشات.

حسنًا لنكن صريحين، إني أسمع عبارات “مستحيل، لا يمكنني!! من تحاولين خداعه؟” وغيرها الكثير ترن في الأجواء، لكن ما أرغب في تذكيركم به أن هنالك من قاموا بذلك حقًا، فإحدى الدراسات تقول إن 11 مليون مراهق قد غادروا فيسبوك بين عامي 2011 و2014!!

وفي استطلاع لصحيفة الغارديان كان هنالك العديد ممّن سردوا تجاربهم وأكدوا نجاحها، وإليكم بعضها:

تقول دايزي إحدى المشاركات في الاستطلاع:

لقد شعرت أنه لو لم أقم يمشاركة الصور من المطاعم والسهرات فقد يفترض الناس أنني لستُ حيّة! لقد حاولت تقديم نفسي بأنني أستمتع بوقتي، وإن لم تحصل حالتي على أكثر من خمسة إعجابات كنتُ أقوم بحذفها على الفور. لقد تغيرت حياتي للأفضل بعد حذف فيسبوك، فقد أصبحت أستمتع بالحديث مع أصدقائي بدلًا من قول “لقد رأيتها على فيسبوك”.

أما بين فيقول:

لقد أصبحَتْ أفكاري أكثر إيجابية الآن، لم نكن بحاجة التكنولوجيا لآلاف السنين، والآن نظن أن الحياة ستنتهي إن لم نمتلكها!


جوانب مذهلة ستتغير بها حياتك بعد العزلة

ممارسة نشاطات جسدية مختلفة

التأمل

مرض العصر هو الجلوس والتحديق، أجل نحن نمضي معظم نهارنا جالسين خلف المكاتب ومن ثم نعود إلى المنزل لنجلس سواء أمام التلفاز أو الهاتف! الآن وقد انعزلتَ، مارس التأمل أو الرياضية، حتى المشي في الطبيعة نشاط يضمن لك راحة البال… ليس عليك الذهاب إلى نادٍ رياضي، فقط تحرَّك.

 

حياة بسيطة وتفكير أفضل

ستجد وقتاً لسماع نفسك تفكّر، وستتخلص من تعقيد “التريندات” الاجتماعية. الحياة ستصبح أسهل عندما نتوقف عن وضع معايير ومحاولة الوصول إليها، ليس هنالك أي أمر خاطئ بالتحفيز بالطبع، لكن الخطأ الذي نقع فيه هو جلد الذات عند عدم قدرتنا على الوصول إلى هذه المعايير غير المنطقية.

 

النوم

sleep

كم من مرة قلتَ سأتحقق من حسابي لدقائق وأنام؟ ما يحصل هو “فتح عين وغمض عين” والساعة الآن الخامسة صباحًا وأنت لم تنم بعد. الآن يمكنك العودة لمحاولة تحقيق تلك الثماني ساعات الذهبية من النوم!

 

تصبح شخصًا اجتماعيًا… حقًا!

كلنا لدينا هذا الصديق الذي تحدثه ويجيب بـ”نعم” على كل ما تقوله ويتظاهر بالاستماع، بينما هو غارق في تصفح الإنترنت… حسنًا كلنا كذلك. بعد التحرر من قيود السوشال ميديا أو الهاتف المحمول بشكل عام، دماغك سيعطي الاهتمام لمن يستحقه حقًا، وليس لـ الميمز المضحكة!

 

تحسين الذات

helping people

إحساس أن حياتك تنحصر بهاتف محمول، لابتوب وحساب تواصل كفيل أن يجعل عقلك يقبع في زنزانة يحرسها الاكتئاب وجلد الذات. لا واجبات اجتماعية افتراضية ولا يوجد ما يلهيك، الآن اعمل لبناء نفسك… اقرأ الكتب أو الروايات مما يعجبك، ساعد الآخرين وانخرط في الأعمال التطوعية، العالم بحاجة أناس نشيطين، وأنت عندما تساعد الآخرين ستساعد نفسك لتصبح شخصًا أفضل.


في الختام أرغب بالقول إن الأمر ليس سهلًا، لكنه حتمًا يستحق التجربة ولو لفترة وجيزة. لقد ضعنا في هذا العصر بين المنصات المختلفة، أنت لا تشعر أنك كامل إلا هنا على الشاشة، لكن في الحقيقة تقوم بجلد نفسك خلفها لتكون شخصًا أفضل. التجربة هذه ستتيح لك أن تتعرف على نفسك من جديد، وتحديد أولوياتك في الحياة، ولربما صنع مهنة لنفسك أو النجاح بأمر آخر غير جمع اللايكات… ألا تظن ذلك؟

2

شاركنا رأيك حول "بعد تجربة شخصية… هل تستحق العزلة عن التقنية كل هذا العناء؟"

  1. 7SN

    انا ممكن أعمل كده لو مدونة اراجيك وعدت بأنها لن تكتب مواضيع جديدة أثناء تلك الفترة

  2. Sa 96

    العزله حلوه بتراجع افكارك واخطائك بتتفكر فاشياء كثيره وانا صارلي سنتين معتزل شبكات التواصل الاجتماعيه بس بستخدم المتصفح واليوتيوب ومتريح راحه كبيره وعندي اوقات فراغ ووقتي منظم وما احتاج اتصنع المثاليه زي بعض الناس والحياة جميلة

أضف تعليقًا