هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الرأسمالية أم أنَّه سيؤدي إلى تفاقمها؟؟

هل سينهي الذكاء الاصطناعي الرأسمالية
0

يُعدُّ الذكاء الاصطناعي لتغيّير العالم. لا شكّ في ذلك، ولكن يبقى السؤال كيف سيغيّره، وأيُّ منحى سيأخذ هذا التغيير. على العموم فإنّ مستقبلَ العالم في ظلّ وجود الذكاء الاصطناعي من الصعب جدًا أن يخرج عن هذه السيناريوهات الثلاثة:

فإمَّا أنَّ الذكاء الاصطناعي سيقوم بالأعمال الروتينية فقط دون أن يمسّ الوظائف الإبداعية، أو أنَّ الذكاء الاصطناعي سيندمج مع البشر ليصبح مصيرهما واحدًا.

أمَّا السيناريو الثالث، وهو الأخطر فهو أن يأخذ الذكاء الاصطناعي الوظائف جميعها (روتينيّةً وإبداعيّةً)، تاركًا كلّ البشر عاطلين عن العمل، وسيؤدي ذلك بدوره إلى خلق طبقتين رئيسيّتين: الأولى متحكمة بذلك الذكاء الاصطناعي، وأُخرى لا تملك وظائف، وبالتالي لا تملك حتّى مردود يؤمِّن لأفرادها لقمة العيش، ولا غرابة هنا أنَّه ستحدث اضطرابات مدنيّة نتيجة هلع البشر، وتطوّر هذه الاضطرابات دون حلّ جذري من الممكن في أسوأ الأحوال أن يقضي على البشرية كلها.

اقرأ أيضًا: ماذا بعد أن فتح الروبوت الباب؟ هل سيذهب إلى الحقل؟

مصيرنا في ظل وجود الذكاء الاصطناعي مجهول بالتأكيد، فهل علينا أن نخاف؟

يرى كُثر أنَّه مهما كان المستقبل، فإنّ البشرية ستنجو كما تفعل دائمًا، فبالنظر إلى الثورات الصناعية السابقة، نرى أنَّها كانت مدمّرةً على المدى القصير. ومع ذلك، تكيّفت البشريّة على المدى الطويل، فمثلًا سببت الثورات الصناعيّة هجرة الشباب من الأرياف إلى المدن، وتأثّر الزراعة على المدى القصير، إلَّا أنَّه وعلى المدى الطويل استفدنا صناعيًّا، ولم يحدث سقوط دائم في المجتمع.

لكن…

ليسمح لنا أصحاب هذه الرؤية بأن نصدمهم قليلًا، فالثورة الصناعية القادمة ليست كسابقاتها؛ لأنَّه وكما يشير المؤلف كالوم تشيس في كتابه الأخير: “الذكاء الاصطناعي ولحظتي التفّرد“، فهناك فارقٌ واحدٌ كبير هذه المرة. الفارق هنا أنَّ الثورات الصناعية السابقة اكتفت باستبدال المهارات الميكانيكية البشريّة بالأدوات والآلات، ولكن هذه المرة وظائفنا العقلية هي التي تُستبدل، وخاصةً قدرتنا على القيام بالتنبؤات والقرارات. هذا شيء لم يحدث من قبل في تاريخ البشرية، ولذلك لا يعرف أحد بالضبط ما يمكن توقعه.

إذًا هل نكتفي بالانتظار؟ أم نبحث عن حلّ؟

بالتأكّيد لن نقف كبشر مكتوفي الأيّدي، بل على العكس فإنَّ هذا المستقبل المجهول يدفع الكثير من المفكرين والمؤثرين إلى أن يجدوا حلًّا لهذه المعضلة، وفي الحقيقة وجد هؤلاء بعض السيناريوهات الممكنة.

يقترح البعض أن يكون الحلّ هو أن نترك الآلات تهتم بالعمل الروتيني الممل (سواءً كان ذلك العمل يدويًّا يُمكن أتمتته، أو حتّى إبداعيًّا) ليترك ذلك المجال للبشر ليكونوا أحرارًا في قضاء وقتهم في الترفيه، أو ما يرونه مناسبًا.

ولكي نمنع السيناريو الّذي يتضمن الهلع والاضطرابات وفناء البشرية من الحدوث فإنّ تشيس يقول، بأنَّ هذا السيناريو يتطلّب وجود “وفرة في الاقتصاد“، أو بمعنى آخر مورد للحصول على الطعام والمأوى بشكلٍ مجاني، وهو ما لا يُمكن أن يتحقق إلَّا في المُدن الفاضلة، حيثُ تكون وسائل الحياة الأساسيّة كالقوت والمأوى متوافرةً للغاية لدرجة أنَّها مجانيةٌ.

وبدون وجود تلك المدينة الفاضلة، سيجدُ البشرُ أنفسهم في وضع يتعين عليهم فيه الخروج والتنافس على أيّ وظائف مدفوعة الأجر لا تزال متاحةً للإنسان في ظل هيمنة الروبوتات على المهن كلها تقريبًا، وفي حال لم بجدوها سنعود إلى نقطة الصفر، وإلى السيناريو المخيف الّذي يتضمن فناء البشرية.

المُدُن الفاضلة غير موجودة، ولكن الدخل الأساسي الشامل ليس كذلك!

في الحياة الواقعية لا وجود لمُدن فاضلة تُعطيك الموارد يشكلٍ مجانيّ، ولكن هنالك شيء مماثل أكثر واقعيةً يُسمى الدخل الأساسي الشامل، ولمن يسمع بهذا المصطلح لأول مرّة، فهو بكلّ بساطة مقدار معيّن من النقود يُعطى لكلّ الأفراد بدون استثناء، حتّى لو ملك هؤلاء وظائف أو لم يملكوها، ويتعلّق هذا المقدار بشكلٍ مباشرٍ باقتصاد البلد، وبالعديد من العوامل الأُخرى.

الدخل الأساسي الشامل هو مفهوم واقعي للغاية وتتمُّ مناقشته بشكلٍ دائم، حتّى أنَّه جُرّب بشكلٍ محدود في عدد من مناطق العالم (كبعض الدول الاسكندنافيّة)، ويسعى المهتمون بهذا الأمر إلى توسيع رقعة المناطق المستفيدة من هذا المفهوم.

اقرأ أيضًا: الروبوت “سيمون” ذو ذكاء اصطناعي في طريقه إلى محطة الفضاء الدولية

إذًا…

فلتأخذ الروبوتات وظيفتي إن كنت أنا في النهاية سأحصلُ على النقود آخر المطاف، ولأهتم بأمور أُخرى كالرسم أو تأليف الموسيقى، ولِمَ لا أُنشِئ قناةً على يوتيوب، أو أكتفي بالجلوس هكذا بكلّ هدوء أن أعمل أيّ شيء؟!

هل اقتنعت بهذا الحلّ ووجدته مثاليًا؟ دعني أخبرك إذًا أنَّ هذا الأمر سيؤدي بنا إلى مزيد من الرأسماليّة، ويعيدنا بشكلٍ أو بآخر إلى عصر الإقطاعيّة.

كيف ذلك؟

تخيّل معي سيناريوهين اثنين: الأول فيه مالك مزرعة يعمل فيها العبيد، وكما تعرف فإنَّ العبيد يحصلون فقط على ما يسد رمقهم فقط، وكلّ الربح من المزرعة يذهب إلى جيب مالكها، مع أنَّه لا يعمل أيّ شيء يذكر، ولا يبذل أيّ مجهود.

تخيّل معي سيناريو ثانٍ، فيه ذات المزرعة، ولكن تعمل فيها الروبوتات هذه المرّة، وأمَّا البشر فهم في بيوتهم لا يفعلون شيئًا، ولكنهم يحصلون على دخل أساسي شامل يسد رمقهم، ومرّة أُخرى فإنَّ صاحب هذه المزرعة هو من يحصل على كلّ شيء دون أيّ مجهود يذكر.

هل لاحظت معي التشابه الكبير في السيناريوهين، وأنَّ السيناريو الثاني يُمثل الرأسماليّة بأبهى حللها، وكيف أفضى التطوّر الكبير مرةً أُخرى إلى زمن كانت فيه الثورة تتجمع في أيدي بشر محدودين تاركًا الطبقة الفقيرة تعيش على الفُتات. بالطبع ستقول لي أنَّ هذه الطبقة الفقيرة كانت موجودةً طوال التاريخ، وحتى في عصرنا الحالي ولكن مع ذلك، فإنَّ ذلك لا يتناسب تمامًا مع فكرة أنّنا سنتطوّر في عهدة الروبوتات والذكاء الاصطناعي، فإن كانت الأمور ستعود بنا إلى نقطة الصفر، فلماذا كل هذا التعب؟!

هل لاحظتم أنَّه من أيّ نقطة نبدأ، فإنّنا نعود دومًا إلى نقطة الصفر. هذا لأنَّ المشكلة أقرب ما تكون إلى سيناريو “الدجاجة والبيضة”، فكيف السبيل إذًا لكسر تلك الحلقة المزعجة؟

لكسر تلك الحلقة يقترح تشيس في كتابه أنَّ الحلَ لكيلا تتفاقم مشكلة الرأسماليّة يكمن في أمرين اثنين: الأول هو الحكومات والهيئات التنظيمية الّتي يجب أن تفهم حجم التحدي وتسعى إلى تقليل الأضرار قدر الإمكان، والأمر الآخر هو أن يقتنع قادة صناعة التكنولوجيا أنَّ هناك دافعًا أكثر أهميّةً من الربح.

لكن كما تلاحظون فإنَّ الحكومات غير قادرة على حلّ أمور أبسط من ذلك، وتتخبط يوميًا في صراعات قديمة داخلية وخارجيّة، وتبدو أمور مثل مستقبل البشر في ظل تواجد الذكاء الاصطناعي أمور رفاهية بالنسبة للمشاكل الحاليّة.

أمّا المشكلة الأكبر فتكمن في قادة التكنولوجيا، فهل لاحظتم انخفاض ثروة أحدهم، وبالنظر إلى أكثر الشركات اهتمامًا بالذكاء الاصطناعي كجوجل وأمازون وكذلك فيس بوك، نجد أنَّ مؤسسي هذه الشركات من أكثر الأشخاص ثراءً في العالم، وليس من الصعب أن نتوقع أنّهم سيملكون تلك المزارع الّتي تُديرها الروبوتات في المستقبل.

الخلاصة

الذكاء الاصطناعي سيُغيّر كلّ شيء، وحتّى يكون هذا التغيير نحو الأفضل يجب أن يملك كلّ من السياسيين وصُنّاع التكنولوجيا الوعي الكافي بخطر الذكاء الاصطناعي، والرغبة في مستقبل أفضل، ولكن بالنظر إلى أدائِهم الحالي في حل المشاكل كسياسيين، وتكديس الأموال كأصحاب شركات كُبرى، فليس لنا أن نقول إلّا: على الدُنيا السلام.


وأنتم ما رأيكم هل علينا أن نتمسك بالأمل، أم أنَّ المستقبلَ أسود والأمر محسوم، وهل الذكاء الاصطناعي سيقضي على الرأسمالية، أم أنَّ الأمرَ مستحيلٌ؟

0

شاركنا رأيك حول "هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الرأسمالية أم أنَّه سيؤدي إلى تفاقمها؟؟"