بعد دخول الذكاء الاصطناعي عالم الفن ..هل مازال بإمكان الفنّ أن يميّزنا عن الآلة؟

لوحات الذكاء الاصطناعي
1

“إن سطراً واحداً في أكوادك البرمجية هو ما يمنع هذه الآلات من تمزيقنا إلى أشلاء”

هذا ما يقوله (آشلي ستابس) رئيس قسم الأمن في حديقة Westworld لـ (إلسي) أثناء خروجهم لتفقد روبوت يعاني من خلل ما في إحدى حلقات مسلسل Westworld. ربما يبدو هذا الاقتباس عادياً ومنطقياً، إلا أنه مرعب جداً – بالنسبة لي – لما يحتويه من عمق وأبعاد فلسفية مخيفة.

سطر برمجي واحد يُخفي وراءه انعدام المشاعر عند الآلات، سطر واحد يخفي حقيقة قدرة الآلة على ارتكاب أي فعل مهما كانت بشاعته، وعلى الرغم من عدم وجود كود برمجي يعطي للآلة “عاطفة” في الحقيقة حتى الآن، ولكن ماذا لو حدث ذلك؟

لمن تابع مسلسل Westworld، من المؤكد أنكم شاهدتم تمتّع دولوريس برسم المناظر الطبيعية في الموسم الأول، ولكن على الرغم من أنها مبرمجة على ذلك، وأن رسماتها نابعة عن عاطفة مصطنعة مبرمجة، فهل يمكننا تسمية اللوحات التي ترسمها بأنها لوحات “فنية”؟ نفس السؤال أحب أن أسألكم إياه ولكن بعيداً عن المسلسل، أقصد في واقعنا الذي نعيشه، هل يمكننا أن نطلق على لوحة من رسم الذكاء الاصطناعي بأنها “فن” ؟

دعوني أقدم لكم لوحة Edmond De Belamy، لقد تم رسم هذه اللوحة من قبل الذكاء الاصطناعي باستعمال خوارزمية خاصة، وقد تم تقدير سعرها في البداية ما بين 7000 إلى 10000 دولار، ولكن في النهاية تم بيعها بمبلغ يفوق 400 ألف دولار أميركي، وبالتحديد 432 ألف دولار.

لوحات الذكاء الاصطناعي
لوحة (ايدموند دي بالمي) التي رسمها الذكاء الاصطناعي

وقد توقع ريتشارد لويت، وهو الذي نظّم عملية بيع اللوحة، بأن الذكاء الاصطناعي سيدخل بقوة ضمن المجال الفني في السنوات القليلة المقبلة؛ ولكن السؤال هنا، هل يمكننا اعتبار هذا “الفن” فنًّا بمعناه؟

بشكل عام عندما تنظر إلى لوحة ما فأنت تتعايش بشكل آني مع طريقة فهم الفنان إلى العالم وكيف يراه من منظوره الخاص، منظوره الذي قام بمحاكاته على تلك اللوحة.

تخيّل نفسك تقود سيارة في عالم خال من الموسيقا، أو تشاهد فيلماً بدون موسيقا تصويرية ولا سيناماتوغرافي مدروسة تصل بنا إلى ذروة المشاعر المطلوبة، أو أن تقرأ قصائد شعرية لا تعتمد على بحور ولا أوزان، إن تفعيلات تلك البحور هي الموسيقا الخفية التي تعطي القصائد لحناً يدركه الدماغ ويستمتع به.

نحن ننظر إلى الحياة وندركها من خلال عيون الفنّ، فالألوان والأصوات والموسيقا جميعها عناصر فنية ساهمت في توثيق ونقل تاريخ التجربة البشرية إلينا، سواء حقائق أو وجهات نظر أو حتى رسائل خفية استعملها علماء أوروبا للتواصل في ظلّ حكم الكنيسة.

منذ بدء البشرية، استخدمنا الفلسفة والأدب والدين واللغة والفن والموسيقى لفهم وتسجيل عالمنا، ولذلك تُعرّف جامعة ستانفورد العلوم الإنسانية بأنها طريقة تعاملنا وتوثيقنا للتجربة الإنسانية.

وبما أن الفن أحد أهم العناصر الحاملة للسقف الذي تبلورت تحته ذروة معرفتنا بتاريخنا البشري، والمنقول إلينا من بشر مثلنا صبّو أحاسيسهم وأفكارهم في أعمالهم، فكيف يمكننا اعتبار ما يتم توليده عبر الحاسوب فناً؟

وحتى إذا قمنا بتجريد الفن من آثاره الثقافية أو التاريخية، فيمكننا أن نتفق جميعاً على أن الغرض من الفن في هذه الحالة هو التعبير عن الجمال فقط (بإهمال أن الفنان يريد إيصال فكرة معينة). لقد تم صنع الآلاف والآلاف من الأعمال الفنية بغرض الجمال، بعض من تلك الأعمال كانت الجسر الذي خلق أول اتصال عاطفي مع الطبيعة، تلك العلاقة التي يمكنها أن تجيب على سؤالنا المفترض: هل الفن هو ما يجعلنا بشراً؟

لقد قرأت نظرية مرّة أن العقل البشري هو مثل ريش الطاووس، مجرّد عرض مسرف ليجذب له رفيقاً للتزاوج. كلّ من الفن والأدب، وحتى أعمال موزارت وشكسبير ومايكل أنجلو، ومبنى امباير ستيت، ليست إلا طقوس جذب للتزاوج.

إن الجمال في الطبيعة هو المحرّك الأول للرغبة، فإذا أخذنا الطاووس على سبيل المثال لا الحصر، فإن ريشه الأخّاذ هو ما يؤمّن له رفيقاً للتزاوج، هذا الاتصال البصري الجمالي هو ما يخلق الرغبة عند الراصد المفترض، وهذا ما تدور حوله الفنون الجميلة عند البشر: التحفيز البصري للتأثير على الحالة العاطفية للمشاهد أو الجمهور، لإثارة الإعجاب أو التعبير عن عاطفة.

من المؤكد أن نسبة كبيرة يعرفون قصة الفنان الأميركي ويليام أوترموهلن، ولمن لا يعلم قصته، فقد تم تشخيص إصابته بالزهايمر في عام 1995، فقام برسم نفسه سنوياً بين عامي 1996 و 2000 قبل أن يموت عام 2007 تاركاً ورائه أعمالاً أقلّ ما يُقال عنها بأنها مروّعة. لا أقصد من ناحية الجمال، وإنما من ناحية سوداوية المشاعر القابعة في تفاصيلها.

لوحات الذكاء الاصطناعي
اللوحة التي رسمها (ويليام أوترموهلن) لنفسه عام 1967

اللوحة السابقة قام برسمها لنفسه في عام 1967 وتبدو طبيعية ومتقنة أيضاً، ولكن اللوحات اللاحقة التي بدأ برسمها لنفسه بعد تشخيص إصابته بالمرض تُظهر مقدار الألم الذي يبدو بأنه كان يعتريه، وحتى لو لم يشعر ذلك، فإننا بكل تأكيد سنشعر به بمجرّد النظر إليها.

لوحات الذكاء الاصطناعي
اللوحات التي رسمها ويليام لنفسه بعد تشخيص مرضه

إن ما دفعني لذكر قصته هو التشابه بعض الشيء بين لوحاته وبين لوحة (إيدموند دي بالمي) التي تم توليدها بالذكاء الاصطناعي والتي تبدو مشوّهة وغير مكتملة. فإذا كانت لوحات الفنان (ويليام) هي الصورة التي يتخيّلها عقله – المصاب – عنه، وهي محاكاة مادية للمشاعر السلبية الواضحة التي كانت تعتريه، فماذا نعتبر إذاً لوحة (ايدموند)؟ هل هي الصورة التي يتخيلها الذكاء الاصطناعي عن البشر؟ هل يرانا كأشخاص بدون ملامح واضحة؟ لو كان الأمر كذلك كان يمكننا بكل بساطة أن نعتبر اللوحة فنّاً كونها تعبر عن خيال الذكاء الاصطناعي حولنا، ولكن في الحقيقة، الأمر ليس بهذه البساطة.

إن آلية توليد لوحة (ايدموند دي بالمي) أساساً تمّت من خلال خوارزمية مخصصة، فخلال الخمسين عاماً الماضية، كان يتم استخدام أكواد وخوارزميات محدِّدة لكافة العناصر والجماليات والصفات للعمل المُراد توليده، أما لوحة (ايدموند) فقد اعتمدت على طريقة أحدث وأعمق، مكوّنة من شبكتين متضادّتين، تعمل أحداهما على توليد صورة، وتعمل الثانية كجهاز كشف تزوير، وكلاهما يعتمد على بيانات 15 ألف لوحة مرسومة ومحمّلة مسبقاً في كلتا الشبكتين، وعندما وصلت الشبكة المضادة إلى مرحلة عدم تمييز اللوحة بأنها مشابهة للوحة حقيقية مرسومة سابقاً، تم اعتبارها لوحة جديدة وأصلية، والتوقيع الذي تراه أسفل يمين اللوحة هو في الحقيقة الخوارزمية التي تم استخدامها في هذه العملية. اسم التقنية GAN وهي اختصار لـ Generative Adversarial Network.

وبذلك، وكنتيجة نهائية، فإن هذه اللوحة لم تكن نتيجة الذكاء الاصطناعي بنسبة 100%، وإنما كان للإنسان دور بها، وكانت محدودة ضمن بيانات الـ 15 ألف لوحة، ولكن عندما نصل إلى تلك المرحلة التي ستستطيع خلالها الآلة أن تنتج فناً متفرداً دون الاعتماد على أحد، هل سنسميه حينها فنّاً؟

لقد استعملنا الفن لتمرير تاريخ التجربة البشرية عبر الأجيال، وكذلك يمكن للمقالات الأكاديمية والكتب التاريخية أن تفعل ذلك، ولكن من المستحيل لها أن تنقل لنا إحساس رسام، أو ألحان موسيقار، أو قصيدة مبنية على وزن وقافية، نُظِمت حروفها تمجيداً للحبيبة.

“إن بيتهوفن، موزارت و شوبان لم يموتوا، وإنما ببساطة قد تحوّلوا إلى موسيقا”

لقد تم تخليد أسماء مئات وآلاف الفنّانين على شكل ألحان ولوحات وقصائد ومعلّقات خُلقت أغلبها نتيجة حالة عاطفية مرّ بها الفنان أو فكرة جالت في خاطره، قد يتم تخليد اسم (إيدموند دي بالمي) بأنها اللوحة التي رسمها الذكاء الاصطناعي وبيعت بمئات الآلاف من الدولارات، ولكن ماذا عن مئات الآلاف من اللوحات الأخرى التي سيتمكّن الذكاء الاصطناعي من توليدها خلال فترات قصيرة؟ أين ستكون قيمتها الفنية والحسية حينها .. ؟

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن نورمان؟ خوارزمية الذكاء الاصطناعي السيكوباتية والمخيفة!

1

شاركنا رأيك حول "بعد دخول الذكاء الاصطناعي عالم الفن ..هل مازال بإمكان الفنّ أن يميّزنا عن الآلة؟"

أضف تعليقًا