اكتشف الذكاء الصناعي (الحلقة الثالثة) … هل سنكون أحصنة المستقبل؟!

اكتشف الذكاء الصناعي الحلقة الثالثة
2

عنوان غريب جدًا لمقالة تتحدث عن الذكاء الصناعي أليس كذلك؟ حسنًا سيزول هذا الاستغراب قريبًا.

هذه هي الحلقة الثالثة من سلسلة نتكلم من خلالها عن الذكاء الصناعيّ من جوانبه المختلفة، وقدّ استعرضنا في الحلقة الأولى لمحة عن إمكانيات الذكاء الصناعيّ، وما هي المرحلة التي وصل إليها في عام 2016، والتي تتمثل في ألفاغو، وذلك بعد عرض لمحة عن تاريخ الذكاء الصناعي، ثمّ استعرضنا في الحقلة الثانية كيف يمكن للذكاء الصناعي تحقيق حلم أينشتاين بالإضافة إلى الحديث عن بعض المواضيع المهمة جدًا التي تدخل في إطار فلسلفة الذكاء الصناعي. هذا يقودنا إلى حلقة اليوم التي سنتكلم من خلالها على السيناريوهات المحتملة للعلاقة التي ستربطنا مع الذكاء الصناعي، وكيف يتصور البعض مستقبل البشريّة في ظل الذكاء الصناعي.

حتى لا نكون أحصنة المستقبل!

كانت الأحصنة هي الوسيلة المُثلى للتنقل والسفر، كانت تستخدم في الزراعة وفي الصناعة، و كانت أهم الأسلحة الحربية، وكانت تستخدم في نقل البضائع والرسائل، وحتى كانت تعتبر محرك من محركات الاقتصاد فماذا حدث؟. بدأت الثورة الصناعية وبدأنا نستبدل هذه الأحصنة بالآلات شيئًا فشيئًا، فجاءت السيارات وعربات النقل وانخفض الاعتماد على الأحصنة شيئًا فشيئًا حتى اقتصر دروها على التسلية والتسلية فقط.

إنّ ما يحدث في هذه الأيام هو أمر مشابه جدًا، فها هو الذكاء الصناعي والروبوتات تستبدل البشر تدريجيًّا فالذكاء الصناعي،

يأخذ مكان العمال العاديين

لربما هي أوضح الصور على استبدال البشر بالروبوتات، وهو أمر ليس بالحديث، ويكفي أن تدخل أي مصنع أو معمل حتى ترى الأمر بعينيك، فالروبوتات لا تتعب ولا تكلّ ولا تملّ تقوم بعملها دون طلب زيادة في الراتب أو طلب سلفة لآخر الشهر، شئنا أم أبينا فالروبوتات أفضل من البشر في الأعمال التي تتطلب التكرار، أو في الأماكن الخطرة، أو حتى الأعمال المملة.
في هذه الأيام لا توجد وظيفة إلاّ وتستطيع الروبوتات القيام بها، تخيّل أي وظيفة وابحث عن روبوت يقوم بها وستجد حتمًا. فالروبوت مولي يستطيع الطبخ لربما أفضل بكثير من الطهاة المحترفين، والروبوت سافير يستطيع مساعدة رجال الإطفاء، والروبوت أوشين ون يستطيع الغوص كما يفعل البشر، ولا ننسى دافينشي الروبوت الجراح، وبالطبع باكستر الروبوت متعدد الاستعمال خير عون للبشر في المعامل والمصانع، وغيرها الكثير والكثير.

ويستبدل الخبراء كذلك

لم يتوقف الذكاء الصناعي والروبوتات على استبدال العمال العاديين فقط بل انتقل كذلك إلى تجاوز الخبراء كذلك، ولربما يُصدَم البعض من الأمثلة التي سأطرحها في سبيل توضيح الفكرة، ولكن بالرغم من الصدمة فإنّ الأمر أصبح واقعًا نعيشه.
المثال الأول وهو واتسون ذلك الحاسب الخارق المزوّد بخوارزميات الذكاء الصناعيّ، والّذي استطاع الفوز في مسابقة المعلومات العامة Jeopardy عام 2011، والتي تتطلّب فهم للّغة الإنكليزية ومن ثم الإجابة على العديد من الأسئلة والمعلومات العامة، وبالرغم من هذا الإنجاز العظيم والّذي يُعتبر فوزًا على خبراء وعباقرة المعلومات العامة فإنّني أتكلم عن أمر ثانٍ تمامًا، حيث أتكلم عن إنجاز آخر  لواتسون في عالم الطب.

تبدأ القصة مع امرأة يابانيّة تبلغ من العمر 60 عامًا مصابة بمرض ابيضاض الدَّم (اللوكيميا)، وقد عجز الأطباء في جامعة طوكيو عن إيجاد علاج فعّال لحالتها، فما كان منهم إلّا أن استعانوا بواتسون الذي قرأ 20 مليون (الرقم صحيح كما قرأتموه) ورقة بحثيّة حول موضوع السرطان، ومن ثمّ مقارنتها مع حالة السيدة اليابانية، ومن ثم إيجاد علاج فعّال خلال عشر دقائق فقط (تخيّلوا)، وبالطبع تحسنت حالة السيّدة بعد العلاج الجديد. لو كنت في مكان الأطباء لربما ستشعر بالخوف على مهنتك من الذكاء الصناعي ولكن لوكنت مكان السيّدة لشعرت بالامتنان الكبير.

المثال الثاني، ولا زلنا في عالم الطبّ ولكن الطب النفسيّ هذه المرّة، حيث استطاع مجموعة من الباحثين في جامعة كالفيورنيا الجنوبيّة تطوير برنامج ذكاء صناعي يلعب دور طبيبة نفسية اسمها إيلي (Ellie)، وليس هذا فقط وإنّما تطوير بيئة افتراضية لإظهار هذه الطبيبة ككائن بشري بصيغة ثلاثية الأبعاد. تتفوق هذه الطبيبة الحاسوبية على البشر في أمرين الأول وهو قدرتها على التعلم السريع حيث تملك تقريبًا كل ما أنتجه البشر حول الطبّ النفسي بكل الكتب والأبحاث العلميّة والمناهج التدريسية وهو ما لا يستطيع أي كائن بشري بالقيام به، والأمر الثاني هو قدرة هذه الطبيبة على قراءة أدق التعابير البشريّة ولغة الجسد مما يجعلها أكثر كفاءةً على قراءة الحالة النفسيّة للمريض الذي أمامها، وبالتالي أكثر قدرةً على تشخيص الحالة وإعطاء العلاج المناسب. إذا كنت طبيبًا نفسيًّا فيحق لك الخوف على مستقبلك المهني.

الطبيبة الحاسوبية النفسية ايلي
الطبيبة الحاسوبيّة النفسيّة إيلي/حقوق الصورة: guim.co.uk

المثال الثالث ولربما الأشهر وهو بداية عصر السيّارات ذاتيّة القيادة، وتفوقها الواضح على السائقين البشر، فمهما كان السائق البشري يملك خبرة كبيرة فهو معرض للضغوط النفسيّة والصحيّة، وبالتالي مما يزيد نسبة الحوادث، فبكل بساطة الذكاء الصناعي يقود السيّارات أفضل من البشر.

هذه ليست كل الأمثلة ولكنني لا أستطيع ذكرها كلها، فهنالك الروبوت الطبّاخ كما ذكرنا، وهنالك الروبوت المحامي والروبوت رائد الفضاء والقائمة تطول.

ويستبدل حتى المبدعين

تساءلنا في المقال السابق إذا ما كان الذكاء الصناعي قادرًا على الإبداع، ومرة أُخرى الجواب يعتمد بشكل أساسي على تعريف الإبداع نفسه، ولكن سواء كان الإبداع هو إنشاء شيء جديد من العدم، أو تقليد شيء موجود أصلًا بحرفية كبيرة فالذكاء الصناعيّ أصبح قادرًا على هذه الأشياء، فتارةً تراه قادرًا على تأليف الموسيقا، وتارةً تراه يستطيع الرسم، وعزف البيانو وغيرها الكثير من الأمثلة الأخرى، ولكن السؤال يبقى كذلك، إن لم يشعر الذكاء الصناعي بروعة ما أبدعه فهل يسمى هذا إبداعًا أساسًا؟.


في ظل سرقة الروبوتات والذكاء الصناعي لوظائفنا ليلًا نهارًا ماذا نستطيع أن نفعل؟ يوجد في الحقيقة عدة خيارات منها:

الدخل الأساسي الشامل

الروبوتات تسرق عملنا  هذه القاعدة الأولى، أمّا القاعدة الثانيّة فالكثيرون أصلًا يقومون بعملهم مكرهين فقط من أجل أن يؤمنوا متطلبات الحياة، إذًا فليترك هؤلاء أعمالهم للروبوتات. تبقى هنالك مشكلة هامة لغاية وهي تأمين متطلبات الحياة، لذلك خرج البعض بفكرة الدخل الأساسي الشامل وهي كمية من النقود تُعطى لكل الأفراد بدون استثناء وبدون أي شروط، مهما كانت الحالة الاقتصادية أو الاجتماعية وتختلف بحسب طبيعة البلد، ويؤيّد هذه الفكرة الكثير من رجال الأعمال المؤثرين، ولمزيد من المعلومات يمكنكم الاطلاع على هذا الأنفوغرافيك من إنتاج مرصد المستقبل.

إذًا فليسرق الذكاء الصناعي وظيفتي كما يحب إذا كنت سأحصل على مبلغ من المال يغطي احتياجاتي الأساسية، لأنطلق في عمل ما أحب سواء كعمل أو كهواية.


وظائف جديدة

إذا أحضرت أي شخص من القرن السابع عشر وأردت شرح وظائف القرن الثامن عشر له فببساطة لن يفهم عليك؛ لأنّه سيتوجب عليك شرح العديد من المصطلحات وعلى هذا المنوال لن يفهم من عاش في القرن التاسع عشر الكثير من وظائف القرن العشرين، ولربما الأيام التي نعيش فيها خير مثال فوظائف مثل مدير صفحة تواصل اجتماعي، أو يوتيوبر، أو مصمم فوتوغرافي، أو كاتب في مجلة إلكترونية لن يفهمها من لا يعرف ما هي مواقع التواصل الاجتماعي أو المجلات الإلكترونية أو حتى الإنترنت أو الحاسب، لذلك يؤمن العديد من الأشخاص أنّ سرقة الذكاء الصناعي لوظائفنا ليست مشكلة إطلاقًا فنحن على مدى القرون الماضية كنا قادرين على إبداع وظائف جديدة تتماشى مع التطور الحاصل، والوظائف المستقبلية الممكنة أمر يفتح المجال للمخيلة لتبدع، فيمكن أن تكون الوظائف المستقبليّة على شاكلة دكتور نفسي للروبوتات، أو خبير تواصل بين الآلة والإنسان، أو حتى وظائف لا يمكننا تخيلّها أبدًا.

الانسان في مواجهة الروبوت
حقوق الصورة: orbitmedia

علاقتنا المستقبليّة مع الروبوتات أكثر من مجرد سرقة للوظائف!

إنّ مستقبلنا مع الروبوتات والذكاء الصناعيّ معقد أكثر من مجرد سرقته لوظائفنا، فبوصول الذكاء الصناعي لنقطة التفرّد (يتوقعها البعض في عام 2047)، وهي النقطة التي سيصبح عندها الذكاء الصناعي أذكى من البشر حتى وربما سيملك وعيّه الخاص وقته، سيصبح الذكاء الصناعيّ منافس لبني البشر في كل شيء حتى في حكم العالم، وإليكم بعض السيناريوهات المتوقعة في المستقبل:

الاندماج مع الروبوتات

يحاول البشر الاستفادة من الذكاء الصناعي بشتى الوسائل حتى لو اقتضى الأمر الاندماج معه، وهي إحدى التصورات المطروحة التي من الممكن أن تحكم العلاقة بين البشر والروبوتات. إن كنت تعتقد أنّ هذا الأمر خيالي فلأنّك لم تتعرف على منظمة ما بعد الإنسانية Transhumanism (يختصر أحيانا ب >H أو H+)، وهي منظمة تمّ تأسيسها في عام 1998 هدفها الرئيسي تطوير تكنولوجيا قادرة على زيادة القدرات البشريّة.

شاهدنا كذلك خطة إيلون ماسك في الدمج بيننا وبين الذكاء الصناعي من خلال رقاقات يتم زرعها في الدماغ بهدف الاستفادة القصوى من قدراته.


بقاء الروبوتات تحت سيطرة البشر

يجب على البشر البقاء متقدمين خطوة على الذكاء الصناعيّ إذا ما أرادوا إبقاؤه تحت السيطرة، والآن هي الفرصة المناسبة لذلك وخاصة أننا لم نصل إلى نقطة التفرّد بعد. لعلّ الطريقة الأفضل لذلك هي الاستثمار أكثر في بحوث الدماغ، وهو ما بدأ فعلًا وأوضح مثال على ذلك كيف تنافس كبرى الشركات والجامعات ومراكز البحث في مجال بحوث فهم الدماغ البشري والسيطرة عليه، وتعتبر خطة فيسبوك هي إحدى هذه الخطوات الكثيرة.


سيطرة البشر على الروبوتات

بوستر فيلم iRobot

إذا كنتم قد شاهدتم فيلم أنا روبوت (I, Robot)، الذي صدر عام 2004 من بطولة ويل سميث، فلا بدّ أنكم تذكرون الذكاء الصناعي الذي يُدعى فيكي (VIKI). فيكي هذا كانت مهمته جعل حياة البشر أفضل، ولأنّ مهمته إبقاء البشر آمنين فسيقوم بأي شيء ممكن. قام فيكي ومن خلال بعض العمليات الحسابيّة باستنتاج أنّ العدو الأول للبشر هو أنفسهم وأنّهم سيكونون السبب الرئيسي في انقراضهم (أتساءل ماذا سيقول فيكي لو رأى حالنا اليوم). على كل حال يقرر فيكي حماية البشر من خلال سلب إرادتهم الحرّة، وبالتالي استعباد البشر والسيطرة عليهم.

بغض النظر عن الحجّة التي اعتمدها فيكي فإنّ سيناريو استعباد البشر من خلال الروبوتات هو أمر محتمل للغاية، فبكل بساطة الأذكى هو من سيسيطر في النهاية، وما سيطرة البشر على العالم اليوم واستعبادهم لكل كائناته واستعباد بعضهم البعض كذلك |لّا خير دليل على ذلك.


الصدام العسكري

الصدام العسكري مع الروبوتات

إذا لم نستطع الاندماج مع الروبوتات أو السيطرة عليها، وإذا هي بدورها لم تستطع السيطرة علينا فلا يتبقى أمامنا سوى حل الصراع العسكري تمامًا كما حدث في فلم المدمّر (Terminator)، وهو أسوأ السيناريوهات المحتملة فالكرة الأرضية المسكينة لا ينقصها حروب أُخرى، فما فعله البشر فيها يكفيها.


قد يكون هنالك سيناريوهات أخرى وقد لا يكون، فببساطة نحن لا نعرف بعد وكل ما لدينا مجرّد تكهنات قد لا تقارب الحقيقة إطلاقًا وقد لا نصل إلى نقطة التفرّد حتى، ولكن المؤكد إنّ المستقبل سيحمل لنا مفاجآت كبرى قد تسرنا وقد لا تفعل.

شاركونا من خلال التعليقات بنظرتكم المستقبليّة حول علاقتنا الذكاء الصناعي، وهل تتوافق مع إحدى النقاط المذكورة في المقال؟.

2

شاركنا رأيك حول "اكتشف الذكاء الصناعي (الحلقة الثالثة) … هل سنكون أحصنة المستقبل؟!"