اكتشف الذكاء الصناعي (الحلقة الأولى) …كيف استطاع الروبوت هزيمة بطل العالم في لعبة غو

7

إنكم تقرؤون اليوم المقال الأول من سلسة مقالات نتحدث بها عن مصطلح (Artificial Intelligence) واختصارًا (AI). هذا المصطلح الذي يمكن ترجمته إلي اللغة العربية بعدة مصطلحات منها الذكاء الصنعي أو الذكاء الاصطناعي، وسنعتمد في هذه السلسلة على مصطلح (الذكاء الصناعي).

إذًا عن ماذا سنتكلم في هذه السلسلة أو بالأحرى ما هي الأسئلة التي سنحاول الإجابة عنها؟ سنحاول باختصار الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف تعمل محركات البحث كجوجل؟ كيف تستطيع الآلات تمييز الأصوات وفهم اللغات الطبيعية؟ كيف تستطيع فيسبوك التعرف على الوجوه؟ كيف تتم الترجمة الآلية؟ كيف تعمل الآلات ذاتية القيادة؟ هذه كلها مشاكل معقدة في العالم الحقيقي، والهدف من الذكاء الصنعي هو حل هذه المشاكل عبر خوارزميات وأدوات رياضية.

في هذه السلسلة، سوف نتعرف على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الذكاء الصناعي، وتشمل هذه الأساسيات على سبيل المثال مواضيع مثل: تعليم الآلة (machine learning)، والشبكات العصبونية، والتعليم العميق، والفرق بين التعليم تحت الإشراف وبدون إشراف، وغيرها الكثير.

لكن قبل أن نبدأ سأرد لكم قصة توضح باختصار إلى أين حد وصل الذكاء الصناعي، وسنحاول من خلال هذه القصة سرد بعض من المفاهيم التي سنتعرض لها في قادم المقالات. القصة هي قصة هزيمة بطل العالم في لعبة غو على “يد” الذكاء الصناعي.

خوارزمية ألفاغو تهزم بطل العالم في لعبة غو./ حقوق الصورة: plus.google.com/+google

كيف هزم الذكاء الصناعي بطل العالم في لعبة (غو)؟

قبل حوالي ما يزيد عن السنة، وتحديدًا في التاسع من آذار عام 2016 أقيمت المواجهة بين بني البشر والذكاء الصناعي لتحديد من هو البطل الحقيقي في لعبة غو: يمثل البشر بطل اللعبة العالمي لي سيدول Lee Sedol الكوري الجنوبي، ويمثل الذكاء الصناعي خوارزمية _طوّرتها مختبرات Deep Mind في جوجل _ تسمى “ألفاغو“. ممثل البشر والبطل العالمي واثقٌ من فوزه أشد الثقة وهذا ما تؤكده تصريحاته قبل المباراة، أما الممثل عن الذكاء الصناعي فهو منتشٍ بفوزه الأخير على بطل أوروبا في اللعبة ومعنوياته مرتفعة للغاية (طبعًا الذكاء الصناعي لا يملك معنويات ولكن لضرورة الحبكة).

بدأت المواجه حماسية شديدة بين الطرفين كما هو متوقع، واستمرت أكثر من ثلاثة ساعات خرج بعدها الذكاء الصناعي منتصرًا هازمًا البشر ممثلين بسيدول. بعدها بعدة أيام أعاد ألفاغو الكرة وانتصر مرة ثانية وثالثة قبل أن يحقق سيدول انتصاره الأول ليعود بعدها ألفاغو لينتصر للمرة الرابعة. لتنتهي النتيجة النهائية أربعة مقابل واحد للذكاء الصناعي. طبعًا اللعبة وما حدث فيها لا يهمنا كثيرًا، ولكن ما يهمنا هي النتيجة التي خرجنا بها وهي تفوق الذكاء الصناعي على الذكاء الطبيعي في أمر غير متوقع كلعبة “غو”، وحتى نفهم حجم التقدم العلمي الهائل الذي يقف وراء هذه النتيجة لابدّ لنا أن نشرح ما هي لعبة “غو”، ولماذا يعتبر تفوق الذكاء الصناعي فيها هو أمر عظيم للغاية.

لماذا يعتبر هذا الفوز  مفصليًّا بالنسبة للذكاء الصناعي؟

لعبة “غو” هي لعبة صينية قديمة للغاية تمّ اختراعها قبل 2500 سنة، يتنافس من خلالها لاعبان لكل منهما وعاء من الحجارة السوداء والبيضاء، ويضع كل منهما بالتناوب حجره في شبكة خانات 19×19. إذا وُضع حجر فلا يجوز تحريكه بعد ذلك، والهدف النهائي من اللعبة هو أن تحيط حجارة كل لاعب بحجارة الخصم، بحيث يتم تطويقها من كل الجهات، وحينئذٍ تُعتبَر الحجارة المطوَّقة أسيرة، ويتم سحبها من لوحة اللعبة. لعبة بقواعد بسيطة للغاية ولكن بالرغم من ذلك فإن لها عدد خيالي من الاحتمالات للحركات المتاحة يصل إلى 10365 حركة محتملة، ولنتخيل مدى ضخامة هذا الرقم يكفي مقارنته بعدد الحركات المحتملة في لعبة الشطرنج والذي يقدر بـ 10123 حركة محتملة، ومن ثم مقارنته بعدد الذرات في الكون ككل والذي يقدر بـ 1080 ذرة فقط.

عدد مهول من الحركات المحتملة يجعل من فكرة بناء خوارزمية قادرة على الإحاطة بها هو أمر مستحيل، ولكنه حدث والدليل هو ألفاغو وفوزه الأخير. هذا الفوز الذي تأجل عشرين سنة منذ أن فاز ذكاء صناعي آخر هو Deep Blue على بطل العالم في الشطرنج جاري كاسباروف Garry Kasparov في عام 1996.

إلى هنا نكون قد أحطنا ولو بقدر ضئيل بأهمية ما حدث ولماذا أخذ هذا النصر هذه الضجة الكبيرة، ولكن بقي أمر أهم وهو كيف تمكن ألفاغو من فعلها؟ ولكن قبل أن نجيب على هذا السؤال فلنرجع سويةً بالزمن قليلًا.

لمحة تاريخية أو كيف بدأت قصة الذكاء الصناعي

يمكن إطلاق مصطلح الذكاء الصناعي على كل المحاولات التي سعت إلى جعل الحواسب ذكيّة، ونقصد بكلمة حواسب ذكية أي أن الحواسب تصبح قادرةً بفضل الذكاء الصناعي على التفكير والاستنتاج والوصول إلى حلول لم تبرمج عليها بشكل مسبق. بالرغم من المحاولات العديدة قبل هذا التاريخ إلّا أنّ الذكاء الصناعي لم يولد رسميًّا حتى عام 1956، في مؤتمر في جامعة دارتموث، في مدينة نيو هامبشر في الولايات المتحدة، ولإن ذكرنا أنّ الذكاء الصناعي قدّ وُلِد، فلابدّ من ذكر الوالد وهو السيد جون مكارثي حامل شهادة الدكتوراة في الرياضيات، والمدرس في جامعة دارتموث بالإضافة إلى أربعة آخرين يمكن اعتبارهم الآباء الروحيين للذكاء الصناعي وهم: مارفين مينسكي، وأوليفر سلفريدج، وراي سولومونوف، وترينشارد مور.
أسماء أُخرى لمعت في هذا المؤتمر مثل: آلان نيويل وهربرت سيمون وكلاود شانون وآرثر صموئيل وناثانيل روتشستر، وقدّ قامت هذه الأسماء بالإضافة إلى الشخصيات الأخرى بإلقاء محاضرات متنوعة حول موضوع الذكاء الصناعي، وشملت مواضيع متنوعة مثل النماذج المستقبلية للتفكير، والشبكات، والتعلم والبحث، والرؤية الصنعية، والمنطق، واللغة والإدراك، والألعاب (وخاصة الشطرنج)، والتفاعلات البشرية مع الآلات ذكية، مثل الروبوتات الشخصية.

الآباء الروحيين للذكاء الصناعي./ حقوق الصورة: slideplayer.com

كان الباحث مارفين مينسكي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وغيره ممن حضروا المؤتمر متفائلين للغاية بشأن مستقبل الذكاء الصناعي مما دعا مينسكي للقول:
“في غضون جيل واحد سيتم حل مشكلة بناء الذكاء الصناعي بشكل كبير”.

لكن ما تنبأ به مينسكي لم يتحقق، وبناء الذكاء الصناعي لم يكن بهذه البساطة. فبعد عدة تقارير انتقدت تقدم وتطور الذكاء الصناعي، انخفض التمويل الحكومي والاهتمام في هذا المجال، وعندها حل أول شتاء للذكاء الصناعي في الفترة الممتدة بين العامين 1974-1980.

أُعيد إحياء العمل في مجال الذكاء الصناعي في وقت لاحق في الثمانينيات عندما بدأت الحكومة البريطانية بتمويل الأبحاث مرة أخرى في سبيل منافسة اليابانيين، لكن هذا لم يمنع شتاءً آخر من القدوم وتحديدًا من عام 1987 إلى عام 1993، تزامنًا مع انهيار سوق الحواسب، وانخفاض التمويل الحكومي.

محطة تاريخية هامة للغاية وبث الروح مرة أخرى في عام 1997، وهي المحطة التي تغلب فيها Deep Blue على بطل العالم في الشطرنج غاندي كاسباروف، وكان التفوق الأول لذكاء صناعي على ذكاء طبيعي في لعبة شديدة التعقيد. تفوق آخر للذكاء الصناعي حدث بعد 14 سنة، حيث فاز حاسب يملك ذكاءً صناعيًّا يسمى واتسون في مسابقة المعلومات العامة Jeopardy عام 2011، وقد تطلّب هذا الفوز من واتسون فهمه للّغة الإنكليزية ومن ثم الإجابة على العديد من الأسئلة والمعلومات العامة، جاء بعدها ألفاغو ليقلب الموازين مرة أُخرى وبقية القصة أصبحتم تعرفونها.

واتسون يقلب الكفة للذكاء الصناعي مجددًا./ حقوق الصورة: IBM/Jeopardy!

لنعد مرة ثانية لألفاغو

ملاحظة: إذا صادفتكم بعض المصطلحات الغريبة فلا مشكلة نهائيّا فنحن ما زلنا في المقدمة، ونعطي لمحة عن مواضيع عامة سنتطرق لها في قادم مقالات هذه السلسلة.

كيف فعلها ألفاجو إذًا؟

من أفضل من المنبع لنجيب على هذا السؤال، وأقصد بالمنبع مخبر Deep Mind وورقته البحثية التي نشرها، شارحًا فيها كيف تعمل خوارزمية ألفاغو.
تخبرنا الورقة البحثية أن خوارزمية ألفاغو تعتمد على شبكتين عصبونيتين، الأولى تدعى شبكة القيمة value network، والثانية تدعى شبكة الخطة policy network. أما شبكة الخطة فمهمتها معرفة التحركات المحتملة في كل مرحلة من اللعب، بعدها تقيّم شبكة القيمة كل التحركات المحتملة وفقًا لاحتمالية هزيمة الخصم.

شبكتان عصبونيتان تعملان جنبًا إلى جنب./ حقوق الصورة: AlphaGo

تخبرنا الورقة أيضًا عن شجرة اللعبة وهي تتكون من فروع وعقد وتشمل الحركات المتاحة جميعها في كامل اللعبة انطلاقًا من أي وضعية، فكل فرع في هذه الشجرة يُشكّل مجرى لعب من الممكن أن يؤدي إلى خسارة أو فوز، وبما أننا رأينا أن الحركات المتاحة يصل عددها إلى رقم فلكي، فإن الطريقة المثلى أمام خوارزمية ألفاغو هي اختيار عشوائيّ لبعض فروع الشجرة التي تبدو أنها تؤدي إلى الفوز وتقييمها حتى النهاية. تُعطى قيمة للعقد المختلفة في شجرة اللعبة، وتحدد هذه القيم بحيث تؤدي هذه العقد إلى الفوز. إعادة الخطوات السابقة مرارًا وتكرارًا يدعى بشجرة بحث “مونتي كارلو”.

شجرة اللعبة وطريقة مونتي كالرو./ حقوق الصورة: wired.com

الشبكات العصبونية وخوارزمية مونتي كارلو لم تكن السرّ وراء نصر ألفاغو، وإنما قدرته على التّعلم حيث تمّ تدريب الخوارزمية على 160 ألف لعبة حقيقية، ومن ثمّ تمكينه من لعب ملايين المباريات ضد نفسه، وهي نقطة قوة الخوارزمية الأساسية والتي لا يمكن لأي كائن بيولوجي أن يقسم عقله لقسمين واللعب ضد نفسه.

أثناء تدريب الخوارزمية على الألعاب الحقيقة، كانت الخوارزمية تتعلم من الحركة الفعلية التي اختارها اللاعب المحترف، وهذه التقنية في التعليم تُسمى التعليم تحت الإشراف. أخيرًا تمّ تطبيق آليات التعلم العميق، لجعل الشبكة أكثر عرضة لاختيار أفضل حركة في المرة القادمة. بذلك تكون الخوارزمية قادرة على التنبؤ بالحركات المثلى في ألعاب جديدة لم تدرّب عليها بشكل سابق.

إلى هنا نكون قد تعرفنا على بعض مصطلحات الذكاء الصناعي مثل الشبكات العصبونية وشجرة البحث، والتعليم تحت الإشراف والتعليم العميق، وسنتعرض لهذه المصطلحات بالإضافة إلى المزيد من المعلومات الشيّقة الأُخرى في المقالات القادمة فكونوا معنا.

7

شاركنا رأيك حول "اكتشف الذكاء الصناعي (الحلقة الأولى) …كيف استطاع الروبوت هزيمة بطل العالم في لعبة غو"