عٌقد في الأيام السابقة أحد المؤتمرات التي لا تنال اهتمامًا كبيرًا، وهو مؤتمر يركز على استخدام العوامل البشرية في أنظمة الحوسبة أو كما يعرف بـ "CHI" اختصارًا، والذي أقيم في مدينة نيو أورلينز في لويزيانا. وعلى الرغم من الشهرة القليلة التي ينالها هذا المؤتمر، إلا أنه يتمحور حول مجال مهم جدًا وهو الوصول إلى طرق جديدة لتفاعل البشر مع التكنولوجيا.

ومن منطلق هذا المجال، رأينا بعض الاختراعات التي ستصيبك بالذهول وربما الحسرة على المستقبل التقني الذي ينتظرنا، وكيف لا وأنا على وشك أن أخبرك بأن مجموعة من العلماء تمكنوا من محاكاة إحساس القُبلة باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، وكذلك الإحساس بفرو الحيوانات الأليفة وكأن الميتافيرس ليس مرعبًا بما فيه الكفاية!

ولكن قبل أن نتطرق إلى هذه الاختراعات الغريبة، دعنا نتحدث أولًا عن استخدام طريف لكاميرات السيلفي توصل له مجموعة من الباحثين اليابانيين، ولعله الاختراع الوحيد الأقل إرباكًا في هذا المؤتمر والذي يمكن تسخيره في وظائف وتطبيقات حياتية ستجعل طرق استخدامنا لهواتفنا الذكية أسهل بكثير.

استخدام كاميرا السيلفي لتحديد الطريقة التي يحمل بها المستخدم جهازه

جميعنا يحمل هاتفًا ذكيًا مزودًا بكاميرا سيلفي أمامية، وأيًا كانت الطريقة أو الزاوية التي تحمل بها هاتفك، فإذا تخيلنا أن الكاميرا الأمامية تعمل فهو يراك في جميع الأوقات، ومن هذه الفكرة توصل مجموعة من الباحثين من جامعات كيو، ياهو بالإضافة إلى جامعة طوكيو للتكنولوجيا إلى طريقة ذكية يتم فيها تسخير الكاميرا الأمامية لمعرفة الطريقة التي نحمل بها هواتفنا الذكية والاستفادة من هذه المعلومة لخلق واجهة مستخدم تكيفية تتغير حسب طريقة حملنا لأجهزتنا، وتم تسمية هذا المشروع باسم "ReflecTouch" وكشف عنه في مؤتمر CHI 2022

فمع وجود سطوع شاشة مناسب ودقة كاميرا عالية، تمكن هؤلاء الباحثون من التقاط عدد من الصور لعين المستخدم أثناء حمله لهاتفه، ومن ثم تحليل تلك الصور ومعالجتها بحيث يتم التكبير على بؤرة العين وملاحظة المساحات البيضاء فيها والتي تمثل انعكاس شاشة الهاتف وطريقة حمل المستخدم له.

ونشر الباحثون مقطعًا على يوتيوب يظهر فيه تطبيق التجربة عمليًا، حيث ظهر أحد الأشخاص وهو يحمل هاتف آيفون مثبت عليه تطبيق تمت برمجته خصيصًا، يطلب من المستخدم حمل الهاتف بطرق معينة، كاليد اليمنى واليسرى ثم اليدين معًا، واستخدام أصابع مختلفة على الشاشة كالإبهام والسبابة، يتم التقاط صورة للمستخدم في كل وضعية مع ترك مسافة 15 سم بينه وبين الهاتف.

يتم بعد ذلك معالجة تلك الصور الملتقطة باستخدام خوارزميات الشبكات العصبية التلافيفية "CNN"، حيث يتم التكبير على عين المستخدم و تحليل انعكاس الضوء الظاهر في البؤرة، ومن خلال تحديد المساحات البيضاء، يمكن معرفة الطريقة المحددة التي تحمل بها هاتفك الذكي.

استخدام كاميرا السيلفي لتحديد الطريقة التي التي يحمل بها المستخدم جهازه

قد تتسائل عن التطبيقات الممكنة لهذه التجربة المميزة، وفي الحقيقة فإن الباحثين ختموا تجربتهم بعرض مجموعة من التطبيقات المثيرة للاهتمام، فعلى سبيل المثال إذا كنت تستخدم أحد التطبيقات بيديك الاثنتين ثم تحولت إلى استخدامه باليد اليمنى فقط، فسيتمكن الهاتف من معرفة ذلك وتحويل الأزرار الموجودة في التطبيق ناحية اليسار كي تتمكن من الوصول إليها بسهولة. كذلك إذا كنت تكتب بيديك الاثنتين ثم تحولت إلى يدٍ واحدةٍ فسترى الكيبورد ينتقل ناحية اليسار، هل وصلتك الفكرة؟ بشكل عام فإن الهدف من هذه التجربة هو خلق واجهة مستخدم ديناميكية تتفاعل مع المستخدم.

واجهة مستخدم تكيفية - مشروع ReflecTouch في مؤتمر CHI

جعل الواقع الافتراضي أكثر واقعية عن طريق محاكاة لمسات الفم

وعدنا مارك زوكيربيرغ بأن يكون الميتافيرس هو مستقبل الإنترنت، وبدأ بضخ ملايين الدولارات من أجل تطوير التقنيات المناسبة للتفاعل مع هذا العالم الرقمي، وعلى الرغم من أن الواقع الافتراضي طوّر بشكل كبير في السنين الأخيرة، إلّا أنه لا يخرج عن المؤثرات البصرية والصوتية فقط مع وجود أداة تحكم تقوم ببعض الاهتزازات، فمازال أمام العلماء والباحثين طريق طويل لخلق تجربة متكاملة تؤثر في حواسنا لتوهم العقل البشري أن الخيال حقيقة!

والآن؛ سجل العلم تقدمًا في هذا الطريق الطويل، حيث تمكن مجموعة باحثين من مجموعة «واجهات المستقبل» بجامعة كارنيجي ميلون بمحاكاة لمسات الفم، ما يعني أنك ستكون قادرًا على الإحساس بشعور شرب الماء، غسيل الأسنان، تدخين السجائر أو حتى التعرض لقُبلة، حسب ما رأيناه في مؤتمر CHI لهذا العام.

ولعل الإنجاز الأهم في هذا الإعجاز العلمي أنه لا يتطلب أي إكسسوارات إضافية يرتديها المستخدم بجانب نظارة الواقع الافتراضي، حيث استخدم الباحثون نظارة يٌعتقد أنها من طراز "Meta Quest 2" وأضافوا لها مجموعة من محوّلات الطاقة فوق الصوتية "ultrasonic transducers" التي تركز جميعها على فم المستخدم، والتي تستطيع خلق إحساس باللمس على شفاه المستخدم وأسنانه وحتى لسانه عندما يكون فمه مفتوحًا.

ولا نتحدث هنا عن مجرد نبضات يتم إرسالها لمحاكاة اللمسات اللطيفة على الشفاه، وإنما يمكن لهذه المحوّلات إرسال نبضات بأنماط محددة ما يخلق عددًا غير نهائي من التطبيقات التي يمكنها الاستفادة من هذا الأمر.

وقد عرض الباحثون مقطعًا يوضح طريقة تنفيذ هذه الفكرة مع بعض التطبيقات العملية، والتي شملت ارتطام المستخدم بشباك عنكبوت، الشرب من صنبور ماء، سقوط الأمطار على وجهه والمزيد.. وكل مثال تم طرحه يضم نمطًا محددًا تتعرض له شفاه المستخدم لخلق تجربة أقرب للواقعية بخطوة.

نظارة واقع افتراضي مع مجموعة من محولات الطاقة الفوق صوتية - مؤتمر CHI

كذلك محاكاة إحساس الفرو في الواقع الافتراضي في مؤتمر CHI

قدم بعض الباحثين في جامعة تايوان فكرة أخرى مثيرة للاهتمام، وهي محاكاة الشعور بالفرو عند تبنيك لقطة في الميتافيرس أو حتى الإحساس بملمس القماش المختلف، ولكن هذه المرة ستحتاج إلى قطعة إكسسوار إضافية شبيهة بيد التحكم تضم خصلتين من الفراء المزيف التي يمكن أن يشعر بها الإصبع والتي أطلق عليها الباحثون اسم "HairTouch".

لا تتوقف فكرة هذه الأداة على إظهار الفرو المزيف للمستخدم عندما يتفاعل مع أي حيوان أو جماد وحسب، وإنما تتمكن أيضًا من محاكاة الشعور بأنواع مختلفة من الفراء والأسطح الأخرى، وذلك عن طريق التحكم بطول الشعرات وزاويتها، حيث يمكن جعل الفراء المزيف أكثر نعومة ومرونة عندما يكون ممتدًا تمامًا أو أكثر صلابة وخشونة عندما تلتصق كمية صغيرة فقط من الألياف.

أكد لنا مؤتمر CHI لعام 2022 أن المستقبل التقني الذي ينتظرنا لا يمكن توقعه، ولن يفشل في إبهارنا، وأن هذه الاختراعات التي رأيناها اليوم ليست إلا تمهيدًا لما سنراه في الشهور القادمة من تعزيز تجربة الواقع الافتراضي وتسخير التقنيات عمومًا لتسهيل حياة الإنسان المعاصر.