0

على الرغم من أنَّ الصين -والتي لديها أكبر تعداد سكّاني بين جميع بُلدان العالم- من المتوقّع أن تصبح أقوى اقتصاد في العالم إلّا أنّ طموحها الرياديّ لا يقف عند هذا الحد وذلك بعد إطلاق مَشروعها العملاق لقيادة العالم في الذكاء الاصطناعي خلال 13 عامًا.

حيث أعلن مجلس الدولة الصيني في يوليو/تمّوز من عام 2017 عن خطّة طموحة تجعل المارد الأحمر الرائد الأوّل في العالم في مجال الذكاء الاصطناعي وذلك بحلول عام 2030 وبينما لا تَزال الولايات المتحدة تَقود الطليعة حاليًا، يبدو أنَّ الصين تُحرز تقدمًا أسرع من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي في هذا المجال.

حفّزَ المشروع الذي تمَّ الكشف عنه قبل ثلاث سنوات والمعروف باسم “خطّة تطوير الذكاء الاصطناعي للجيل الجديد” عددًا لا يُحصى من الشراكات واستثمار مليارات الدولارات في البحوث والتطوير بهذا المجال من قِطاع الوزارات وحكومات المقاطعات والشركات الخاصة.

لكنَّ هذه الخطوة التاريخية من الصين أدّت إلى تحذيرات ومخاوف عالمية -خصوصًا في العالم الغربي- من سِباق تسلّح عالمي في مجال الذكاء الاصطناعي والذي من شأنه زيادة نطاق الرقابة في الدولة لكنَّ التعامل مع الصين من هذا الجانب فقط واعتبار أنّها دولة استبدادية، مُجحفٌ في حقّها بعض الشيء.

بالفعل هناك جَوانب سلبية بلا شك من نهج الحكومة الصينية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي والتي تُثير قلقًا دوليًا وحقوقيًا من منظّمات المجتمع المدني حول العالم، لكن من المُهم أيضًا ألا يؤدّي ذلك إلى حجب الجوانب الإيجابية من استخدام هذا المجال في الصين، فيما يلي نَظرة عامة على بعض الجوانب الإيجابية والسلبية في خُطّة الصين العِملاقة لتصبح الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضًا: تحدي 100DaysOfCode… رحلة ألهمت آلاف المطوّرين حول العالم

الجوانب الإيجابية

تَنتهج الصين خُطى سريعة وعملية في تطوير وتنفيذ الذكاء الاصطناعي الموجّه نحو تطوير التطبيقات التي تُساعد في حل مشاكل العالم الحالية، وقد تمَّ إحراز تقدّم سريع في مجال الرعاية الصحّية هناك، حيثُ تَسعى الدولة إلى توفير الوصول إلى الخدمات الصحّية بأسعار معقولة وعالية الجودة خصوصًا للأشخاص كبار السن.

تَشتمل تطبيقات الرعاية الصحّية على روبوتات الدردشة AI doctor التي تُساعد بربط المجتمعات في المناطق النائية بالأخصائيين ذوي الخبرة العالية في مُمارسة الطبّ عن بُعد، كما تستخدم تعلّم الآلة في تَسريع البحث الصيدلاني، واستخدام التعلّم العميق لمعالجة الصور الطبّية، والتي يُمكنها المساعدة في الكشف المُبكّر عن أعراض السرطان والأمراض الأخرى.

ومع ظهور جائحة فيروس الكورونا -كوفيد-19- ارتفع الطلب على تَطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الطبّية في الصين وذلك بالتزامن مع انشغال الباحثين الصينيين وشركات التكنولوجيا الحيوية لمحاولة كبح جِماح انتشار الفيروس، عن طريق تسريع الفحص بين المواطنين والتشخيص المُبّكر والإسراع من تطوير اللِقاحات الجديدة.

قامت الحكومة الصينية بِمشاركة تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها -والتي استخدمتها في مدينة ووهان للحدِ من تفشّي الفيروس- مع إيطاليا للمساعدة في تسريع تشخيص الأشعة المقطعية، وأيضًا في خدمة الصحّة الوطنية NHS بالمملكة المتّحدة.

الجوانب السلبية

لا يَنتقص التقدّم الإيجابي في الصين -من استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتي تُفيد المواطنين والمجتمع- من حقيقة أنَّ الحكومة الصينية تستخدم أيضًا بيانات الذكاء الاصطناعي التي تَجمعها من المواطنين في جوانب سلبية عدّة، مثل انتهاك الخصوصيات والحرّيات المدنية.

وكشفت العديد من التقارير الاستقصائية والوثائق المسرّبة عن استخدام الحكومة الصينية تقنيات التعرّف على الوجوه، لتمكين المُراقبة والاحتجاز للأقلّيات العِرقية المسلمة -الإيغور- في مقاطعة شينجيانغ الصينية، بالإضافة إلى استخدامها أنظمة الحَوكمة الاجتماعية المُبهمة والتي تَفتقر إلى آليات المُساءلة الحقوقية.

على سبيل المثال، في نظام المحكمة الذكيّة بمدينة شانغهاي، تستخدم التقييمات التي يتم إنشاؤها من قِبل الذكاء الاصطناعي للمساعدة في اتخاذ قرارات إصدار الأحكام، لكن مع افتقارها للشفافية، من الصعب على المتّهمين تقييم التحيّزات المُحتملة للتقنية وجودة البيانات وسلامة الخوارزمية، مما يجعل من الصعب عليهم الطعن في القرارات المُتّخذة من القضاة.

مشاريع واعدة للذكاء الاصطناعي في الصين

عند إِلقاء نظرة فاحصة على آليّة تطوير الذكاء الاصطناعي في الصين، نلاحظ اهتمام مجلس الحكومة في تنفيذ سياسة الابتكار. حيث تُنشئ حكومات البلديات والمقاطعات في جميع أنحاء الصين، شراكات مع مؤسّسات البحث والشركات التقنية لإنشاء أنظمة بيئية محلّية للابتكار في هذا المجال والدفع من عَجلة البحث والتطوير السريع.

إنَّ لدى الصين شركات عالمية رائدة في مجال الرُؤية الحاسوبية والتعرّف على الكلام ومُعالجة اللغة الطبيعية.

تشنغ نانينغ مُدير معهد الذكاء الاصطناعي والروبوتات بِجامعة شيان جياوتونغ.

لكنَّ البلاد لا تزال مُتأخّرة قليلًا في تشكيل الأدوات التقنية الأساسية للذكاء الاصطناعي، كما أنّ معظم رقائق أشباه الموصلات المُزوّدة بالذكاء الاصطناعي في الصين يتم تَصنيعها بواسطة شركات أمريكية، مثل نِيفيديا وإنتل وآبل وجوجل، ويتوقّع أن تستغرق الصين حوالي 5 – 10 سنوات للوصول إلى مستوى الابتكار في النظريات والخوارزميات الأساسية للذكاء الاصطناعي تمامًا مثل التي تَحدث في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة.

إضافة إلى المدن الكُبرى المزدهرة في الصين مثل بيجين وشانغهاي وشنجن، فإنَّ الجهود المَبذولة والرامية لتطوير مَحاور الابتكار في اقتصاد المعرفة جارية أيضًا في مُدن ومقاطعات أخرى، ومن الأمثلة الواعِدة على ذلك مدينة هانغتشو الواقعة في مُقاطعة تشجيانغ، والتي أَنشأت “مدينة الذكاء الاصطناعي” بالشراكة بين شركة علي بابا العِملاقة والمُتخصّصة فى التجارة الإلكترونية وجامعة تشجيانغ والعديد من الشركات المحلّية الأخرى، للعمل بشكل مشترك على تطوير الذكاء الاصطناعي لجلب المَنفعة الاقتصادية والرفاهية بالمنطقة.

يمكن أن تُقدّم تَجربة نهج النظام البيئي المحلّي المتميز في الصين رُؤى مثيرة للاهتمام لحكومات دول العالم، بهدف تعزيز البحث والابتكار خارج العَواصم ومُعالجة الاختلالات الاقتصادية في الأقاليم أو المُقاطعات الأخرى داخل البُلدان.

في النهاية..

يستحق الابتكار المتُسارع للذكاء الاصطناعي في الصين الاهتمام الكامل من العالم، ولكن من غير المُفيد اختزال جميع التَطوّرات التقنية إلى رواية مبسّطة عن الصين، مفادها أنّها تُمثّل تهديدًا أو جانبًا مظلمًا للعالم.

كما أنَّ تجربة الصين في بعض الجوانب السلبية للذكاء الاصطناعي، تشير إلى الحاجة الماسّة إلى الشفافية والمساءلة العادلة عندما يتعلّق الأمر باستخدام هذا المجال في الخدمات والمرافق العامة، حيثُ يجب تصميم هذه الأنظمة التقنية وتنفيذها بِطرق تجعلها أكثر شفافية.

اقرأ أيضًا: تطبيق Messenger Rooms يتفوّق على تطبيق Zoom.. ما هي أبرز الميّزات المتوفّرة على Messenger Rooms؟

0

شاركنا رأيك حول "نظرة على خطّة الصين العملاقة لقيادة العالم في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030"