كيف ستغير التقنية شكل العالم خلال السنوات القادمة، رحلة نحو المستقبل… الحلقة الأخيرة

تطور الطب
2

حلم الخلود، ذلك الحلم الذي داعب خيال الكثير من كتاب الخيال العلمي، ودوماً كان صاحبه عالِماً مصاباً بالغرور ولمسة من الجنون، ولكن ماذا عن رأي العلم حقاً في ذلك الحلم؟ وماذا عن حلم العودة إلى الشباب بعد أن يصير الإنسان كهلًا؟ ثم ماذا عن الأمراض المستعصية التي يعجز العلم عن معالجتها؟

إنّ علم الجينات وتوصّل العلماء إلى استنساخ النعجة دولي أحدث ثورة هائلة فى كثير من المفاهيم والموازين، فهل يستطيع العلم التغلب على المرض في المستقبل؟ إن إجابة هذه التساؤلات تقتضي منا أن نذهب إلى البداية… بداية الطب… عسى أن نجد الإجابة الشافية.

إن فاتتك قراءة الأجزاء الثلاثة الأولى من السلسلة، يمكنك قراءتها هنا: 1، 2، 3.

تطور الطب عبر العصور

عبر آلاف السنين، كانت أعمال السحر والخرافات هي المهيمنة على علم الطب. وعلى الرغم من الاعتماد على الكثير من الأعشاب الدوائية، إلا أنه لم تكن هناك طريقة منهجية لاكتشاف علاجات جديدة. وكان الطب تجارة بالمعنى الحرفي للكلمة، فالطبيب الذي يتوصل إلى علاج ناجع يحتفظ به لنفسه، ليعالج المرضى الأثرياء. وكانت هذه هي المرحلة الأولى لتطور الطب.                                                          

المرحلة الثانية بدأت في القرن التاسع عشر، مع ظهور نظرية الجراثيم، ودعوة ملوك أوروبا الأطباء إلى علاجات حقيقية ملموسة بعد النتائج الدموية لوقوع الحرب العالمية الأولى، وموت عشرات الآلاف من الجنود، وهنا حدثت الطفرة، فالأطباء سعوا إلى نيل الشهرة والمجد من خلال نشر ما توصلوا إليه في الدوريات العلمية. وحدث تقدم كبير في إنتاج المضادات الحيوية والأمصال، وارتفع متوسط عمر الإنسان إلى سبعين عامًا أو أكثر.

وجاءت المرحلة الثالثة لنشهد اندماجًا بين كل من علم الفيزياء والطب، ليكون لدينا ما يسمى بالطب الجزيئي، ويصبح الطب عبارة عن ذرات وجزيئات وجينات. ويأتي لنا العام 1953 ليتوصل العلماء إلى فك شفرة الحمض النووي، ليكون هذا واحداً من أهم الاكتشافات البشرية على مرّ العصور.

وفي العام 2003 تم إنشاء مشروع الجينوم البشري، بتكلفة بلغت ثلاثة بلايين دولار بمشاركة المئات من العلماء، ليكون بمثابة إعلان لبدء حقبة جديدة سيتمكن فيها الإنسان من قراءة جيناته الخاصة على أسطوانة مدمجة، لتحدث نقلة هائلة في تاريخ تطور الطب.

الجينوم البشري

إن معرفة الإنسان جيناته تمكّنه من فك طلاسم الكثير من الأمراض التي تصيب الواحد منا، فأي مرض وراثي نحمله دون أن ندري سنعلم به مبكرًا جدًا، وسنعلم التسلسل الحقيقي لهجرة أجدادنا من قديم الزمان، وسيتمكن العلماء من خلال قطرة دم واحدة أو قشرة في فروة الرأس أن يتوصلوا إلى ماهية الشخص، من حيث شكله ولون عينيه، وطول قامته وسجلّه الطبي بالكامل.    

                                           

متجر الأعضاء البشرية

كما يتوقع العلماء أن يصبح لدينا متجر للأعضاء البشرية، التي يتم استزراعها بسهولة في حالة فقد الإنسان لأي من أعضاء جسده. وفي الحقيقة سيُعدّ هذا فتحاً جديداً في تاريخ البشرية، فستختفي عصابات سرقة الأعضاء وإجرامها المتزايد في أنحاء العالم، وذلك من خلال علم هندسة الأنسجة. ولقد تمكن العلماء بالفعل في العام 2007 من زرع مثانة، وبعدها بعامين تمكنوا من زرع قصبة هوائية، وغيرها الكثير حتى هذه اللحظة!

الخلايا الجذعية

خلايا جذعية

تُعدّ الخلايا الجذعية هي الأم لجميع خلايا الجسم، فكل خلية في جسمنا تحمل الشفرة الوراثية لصنع سائر أجزاء الجسد. إلا أنه عندما تبلغ الخلية مرحلة النضج فإنها تتخصص. مثال ذلك خلايا الجلد، فيها جينات تمكّنها من التحول إلى خلايا دم، إلا أنّ هذه الجينات تصبح خاملة عندما تتحول الخلية الجنينية إلى خلية جلدية ناضجة.

وتحمل الخلايا الجذعية الجنينية الأمل لمرضى القلب، والزهايمر، وباركنسون، والسكري وحتى السرطان.

ويهتم الجيش الأمريكي بهذا الموضوع على وجه الخصوص، فالعديد من الحروب التي دخلتها الولايات المتحدة الأمريكية – مثل حربها في أفغانستان والعراق – جعلت الكثير من جنودها يعانون من فقدان أذرعهم وأطرافهم. ولذا جعل الجيش الامريكي أولويته في العثور على سبيل لاستزراع الأطراف مرة أخرى، عن طريق أبحاث الخلايا الجذعية.

ويرى العلماء أنه إذا كان في الاستطاعة استزراع أعضاء من الجسم البشري، فلمَ لا نقوم باستنساخ نسخة وراثية تكون مطابقة تمامًا للفرد؟

لقد أحدث استنساخ النعجة دولي ضجة هائلة، عندما قام العالم ايان ويلموت (Ian Wilmut) بأخذ إحدى خلايا نعجة بالغة واستخلص الحمض النووي منها ليقوم بزرعها في خلية بويضة. وبعدها أصبح الكثير من العلماء يحاولون تقليد هذا الأمر على الفئران والقطط والخيول والماشية وغيرها. فمن الناحية التجارية، سنجد أن الأمر مربح للغاية.

تخيّل معي أن لديك جواداً نادراً، أو سلالة من الماشية لها مواصفات خاصة، وتستطيع استنساخ نسخة مطابقة لها. وعلى الرغم من المحاولات العديدة التي تجري في هذا المجال، إلا أن هناك عقبات كثيرة تعترض العلماء، خصوصاً في مسألة استنساخ الإنسان نفسه. ومن ناحية أخرى يحاول العلماء استخدام تقنية العلاج بالجينات.

العلاج بالجينات

إن الأمراض الوراثية تمثل قلقاً بالغاً لدى الكثيرين، ولكن في المستقبل سيتم القضاء على هذا القلق بواسطة العلاج بالجينات، من خلال طريقتين؛ تتمثل الطريقة الأولى في إصلاح الجين المعطوب داخل جسم المريض، فيما يسمى بعلاج الجينات الذاتي، وتتلاشى قيمة هذا العلاج عند وفاة الشخص فهي مقصورة عليه وحده. أما الطريقة الثانية فتسمى “العلاج بالجينات ذو الخط الجرثومي”، وفيه يتمّ علاج الجين الوراثي بشكل يقضي نهائيًا على تكراره في سلالة الشخص ذاته.

وقد ظهرت بوادر هذا الأمر في العام 2000، عندما أعلن العلماء في فرنسا عن نجاحهم في زرع جين جديد في الخلايا المناعية يقوم بتنشيطها لأطفال يعانون من مرض نقص المناعة الكلية الحاد (SCID). ويعكف العلماء حاليًا على محاولة علاج الجين المسبّب للسرطان عن طريق العلاج الجيني.

ويأمل العلماء بحلول منتصف هذا القرن بالوصول إلى تحسين الجينات داخل جسد الإنسان، ومن ثم سيصبح لدينا إنسان أشبه بسوبرمان. ويرون أن نجاحهم في ذلك الأمر سيجعل هناك سلالة من البشر تستطيع الحياة على ظهر كواكب غير صالحة للحياة.

ويصل جموح العلماء بأنه في نهاية القرن الحالي، سيتوصلون إلى عزل الجين المسبب للشيخوخة، ومن ثم سيحصل الإنسان على الشباب الدائم.

وفي الوقت الحالي يخبرنا العلماء بأن الحدّ من السعرات الحرارية في الطعام الذي نقوم بتناوله، قد يطيل العمر بنسبة 30%، وذلك عن طريق إجراء بعض التجارب على الأرانب والكلاب والقردة. ويسعى العلماء إلى التحكم في الجين الخاص بالسعرات الحرارية، من ثم يستطيعون جني منافع التحكم فيه في إطالة عمر الإنسان.


في النهاية، إنّ سعي العلماء إلى تحقيق هذه الاختراعات المبهرة، التي تحدثنا عنها في هذه السلسلة، والتي تثير الشغف والأمل في القلوب، سيظل معلّقاً هناك في ذلك العالم… عالم الغد.

2

شاركنا رأيك حول "كيف ستغير التقنية شكل العالم خلال السنوات القادمة، رحلة نحو المستقبل… الحلقة الأخيرة"