قد يتساءل البعض عن الغرض من صناعة الألعاب القصصية، هل هي محاولات مستمرة لمنافسة صناعة السينما، وربما التفوق عليها؟ إذا كانت إجابتك هي لا، فلماذا إذًا يقوم الناس بوصف الألعاب "بالسينمائية" عندما يكون في نيتهم الثناء على أسلوبها السردي؟ لماذا تعودنا على مقارنة الألعاب بالأفلام وكأن صناعة السينما هي المرجع دائمًا؟ أوليس العمل على تطوير لعبة فيديو سينيمائية أمرًا أكثر كلفةً من صناعة فيلمٍ بنفس القصة- إذا كان الهدف تقديم القصة فقط-؟

عزيزي القارئ، لقد كان ذلك الوضع قائمًا حتى فترة قريبة في صناعة الألعاب، ولكن قد أفلح أولئك الذين أدركوا أن وضع صناعة الألعاب في مقارنة مستمرة مع صناعة أخرى يحد من الإبداع فيها، وأن سقف الألعاب يمكن أن يكون أعلى حتى من صناعة السينما في الكثير من الأوقات. اليوم نتحدث باستفاضة عن السرد القصصي في الألعاب، وكيف يمكن للتجربة التفاعلية أن تعزز من كل شيء يشعر به المتلقي.

أولًا: ما هي التجربة التفاعلية؟ وكيف تجعل الألعاب مختلفة عن الأفلام؟

التجربة التفاعلية هو مصطلح يتم إطلاقه عادةً على ألعاب القصة حين يحاول البعض إيجاد مجالٍ للمقارنة بينها وبين أفلام السينما، فيجد أن الفارق يقبع في أن اللاعب هو من يسير القصة، ويتحكم في سيرها بشكل مباشر. إذا أوقفت شخصيتك عن الحركة فأنت قد أوقفت القصة عن التقدم بشكل نسبي. قس على ذلك كل شيء، بما في ذلك الاختيارات التي تتيحها لك بعض الألعاب في القصة، والتي قد تجعل الأحداث تتفرع بعد ذلك الاختيار ليكون بذلك عالم اللعبة "متفاعلًا" مع اختيارك.

السرد القصصي في لعبة The Witcher 3

أما في صناعة السينما، فهناك غياب تام لفكرة التجربة التفاعلية، فالمخرج هو من يتحكم في رتم سير الأحداث، وتسارعها، وهو من يتحكم فيما يريد عرضه، وما يريد إخفاءه على الشاشة. بينما الأمر مفتوح في الألعاب. يمكن -نظريًا- استكشاف البيئات من حولك، وأخذ كل الوقت الذي تريده في تحليل ومراقبة بيئة اللعب من حولك في حدود ما تتيحه لك الإمكانيات التقنية.

لقطة من فيلم Se7en

بمعنى آخر، كادرات السينما الثابتة يمكنها أن تتعمد إخفاء بعض العناصر التي قد تمثل أهمية للقصة والأحداث، أما الألعاب فتتيح لك أن تتناول التجربة بأسلوبك، سواء كان ذلك عن طريق المضي قدمًا في الأحداث دون دراسة البيئة من حولك ومعرفة كل صغيرة وكبيرة تخفيها، أو عن طريق التوقف والتأمل.

ثانيًا: كيف تؤثر فكرة التفاعلية في صناعة الألعاب؟

قد يسأل البعض منكم، كيف يؤثر وضع التفاعلية في عين الاعتبار على تطوير الألعاب؟ أو بمعنى آخر: هل يشكل ذلك عبئًا على صناع الألعاب أكبر من صناع الأفلام؟

في الحقيقة، أظن أن هذه النقطة هي إحدى النقاط التي يغفلها الكثيرون عند تقييم أي لعبة. يمكننا أن نشكو كثيرًا حول تأثير قرارنا الضعيف على الأحداث في الألعاب من نوع RPG مثلًا، ولكن يجب أن نعي جيدًا بأن تطوير مثل هذه الألعاب يحتاج إلى ساعات طويلة، وعدد كبير من الموظفين. في السينما، تقوم بقطع تذكرة لسماع -ومشاهدة- ما يمتلكه المخرج من نظرة سينيمائية. إنه أمر أشبه بعرض أحدهم رأيه عليك، أما في الألعاب، فالشغل الشاغل للمطورين مؤخرًا هو جعل ألعابهم هي تجربتك أنت، تختلف باختلاف ذوقك، وتقترب لتكون صورة منك بشكل أو بآخر.

صورة قديمة لأستوديو santa monica

لذلك قد يكون الأمر أكثر صعوبة في تصميم الألعاب التي تحاول فعلًا الإخلاص لهذا المبدأ. أن تصمم لعبة تتيح لك "التفاعل بشكل فعّال في أحداث القصة" هو تحد كبير. ولكن دعنا ننظر للأمر من جانب آخر.

كيف يمكن استغلال التفاعلية في تقديم القصة؟

تتيح لك فكرة التفاعلية التي شرحتها في السطور السابقة أن تقوم بتقديم عوالم افتراضية وقصصٍ لا تعتمد على السرد المباشر، وإنما على الاستكشاف، وهو نموذج بدأ بالفعل منذ فترة بتحقيق نجاحات كبيرة، بل والتطور أيضًا، ليصل إلى أفضل أشكاله مع لعبة Elden Ring.

يمكنني القول بأن لعبة Control من تطوير استوديو Remedy أيضًا تعدّ مثالًا ناجحًا على استغلال التفاعلية في الألعاب لسرد قصصٍ معقدة. فهي لعبة تعتمد على المقاطع السنيمائية والحوارات بشكل جزئي لسرد الأحداث، أما بقية التفاصيل فستجدها في هيئة وثائق، وتسجيلات صوتية، وأشرطة فيديو VHC قابلة للجمع، وهي عناصر تفسر الكثير من الأحداث التي تقع من حولك.

إنه لشعور لا يوصف حين تتمكن من فهم الأشياء الغامضة من حولك أكثر، عن طريق "التحقيق والبحث" بشكل فعلي عن التفاصيل من حولك، والأدهى، هو أن إيجاد كل تلك التفاصيل يعد شيئًا اختياريًا تمامًا. أي أنه على النقيض من الأفلام (الكادرات الثابتة) التي تجبرك على رؤية ما يريدك المخرج أن تراه، فالكاميرا القابلة للتحريك بزاوية 360 درجة تتيح لك حرية أكبر، وتجعل باستطاعة كل شخص رؤية ما يريد هو رؤيته.

وهنا نشهد تحقق عنصري التفاعلية -البحث والتحقيق فيما يحدث من حولك- و فكرة الـ Player Agency "وكالة اللاعب"، ولكن ما المقصود بهذا المصطلح؟

ثالثًا: كيف تختلف تجربة كل لاعب عن الآخر؟

في صناعة الألعاب، هناك ما يسمى بالـ "Player Agency" وهو تعبير يطلق على مدى تغير التجربة من لاعب لآخر. قد يسأل البعض، كيف تتغير التجربة بالضبط؟

حسنًا، التجربة قد تختلف، وقد لا تختلف، بين لاعب وآخر على عدة محاور. أولها هو اختيارات القصة التي تتيحها بعض الألعاب في الوقت الحالي، مثل ألعاب RPG أمثال The Witcher 3 و Fallout. أو ألعاب قائمة على تفرعات القصة (دراما قصصية) مثل Life Is Strange مثلًا.

السرد القصصي في الألعاب -  لعبة Life Is Strange

هناك أيضًا جانب آخر، وهو إتاحة بعض الألعاب إمكانية تخصيص الشخصيات سواء على الصعيد الشكلي أو العملي، من ترسانة أسلحة، وأدوات ودروع إلخ. إذاً، نظريًا في الألعاب يمكنك خوض القصة ذاتها بأكثر من شخصية، أو بأكثر من شكل. السؤال هنا، هل لكل هذا جدوى حقيقية؟

تخصيص الشخصيات

إذا كانت صناعة الألعاب ناجحة، لماذا لا تزال صناعة السينما أكثر تاثيرًا؟

يمكننا من خلال هذه الصورة أدناه أن نرى مدى النمو الساحق لصناعة الألعاب، وأنها بالفعل قد تخطت صناعة السينما من حيث تحقيق الأرباح، وقد يسأل البعض، لماذا إذًا تحافظ السينما على تأثيرها الواسع، بينما يعد تأثير الألعاب محدودًا؟

مقارنة صناعة الألعاب بالأفلام والموسيقى

الإجابة ببساطة، لأن سعر تذكرة السينما يعدفي متناول معظم سكان كوكب الأرض، أما أسعار الألعاب، فتتطلب منك أن تكون لاعبًا شغوفًا لكي تقبل فكرة إنفاق 60-70 دولارًا كاملين في لعبة قد تعجبك، وقد لا تعجبك، ناهيك عن متطلبات التشغيل التي تتطلب ميزانية كاملة.

كذلك يمتلك عدد كبير من البشر وقت فراغ يمتد لساعتين أو أكثر قليلًا خلال أسبوع العمل الخاص بهم، ولكن لا يوجد كثير ممن يمتلكون 15-20 ساعة لقضائها أمام شاشاتهم سعيًا لإنهاء لعبة.

السينما بشكل عام ونظرًا لقدمها أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياة البشر منذ عقود، على عكس الألعاب التي ظهرت في الأربعين سنة الأخيرة فقط، وتجدها الأجيال القديمة خارج نطاق منطقة راحتهم. هؤلاء لم، وغالبًا لن، يتسلل إليهم تأثير تلك الصناعة، ولكن من يدري؟ فبعد 100 عام قد يكون البشر جميعًا على علم بإمكانيات ومميزات صناعة الألعاب!

في النهاية، كعاشق للصناعتين، السينما والألعاب، يمكنني أن أقول إنني أجد المتعة والمعنى معًا في كليهما. لا أنكر أني أضيع بعض الوقت في استهلاك محتوى قد لا يحمل أية رسائل نبيلة، أو فنًا جديدًا، ولكن في النهاية الهدف من وراء الصناعتين هو الترفيه في المقام الأول. أجد أن السينما تمتلك أعمالًا أيقونية لم ولن يأتي مثلها أبدًا، ولكنني أيضًا أؤمن أن صناعة الألعاب تتطور بشكل سريع، وأنها ستصل إلى حد النضوج الكامل قريبًا.