في الوقت الحالي، يسيطر نظام أندرويد على سوق الهواتف الذكية بشكل عام متبوعًا بمنافسه الأول iOS الخاص بهواتف آيفون دون أي منافس ثالث لهما، خصوصًا بعد موت كل من نظام ويندوز فون ونظام سيمبيان وأنظمة أخرى شكلت تهديدًا قبل سنوات. وبالحديث عن iOS وأندرويد وعن الفروقات بينها، غالبًا ما تأتي عبارة أن نظام أندرويد مفتوح المصدر في حين أن iOS مغلق الكود المصدري. نعم هو نفس المصطلح الذي يصاحب نظام لينكس في مقارنته مع ويندوز أو MacOS إذا ما كان الحديث عن أنظمة تشغيل الكمبيوتر.

فهل ننظر حقًا إلى أندرويد مثلما ننظر إلى نظام لينكس؟ وكيف نجحت جوجل في الوصول إلى عامة المستخدمين العاديين بنظام مفتوح المصدر ينافس آخر مغلق، في حين سيطرت مايكروسوفت وآبل على سوق أنظمة تشغيل الكمبيوتر بنظام مغلق في منافسة لينكس صديق البرامج الحرة والذي لا يمكنك أن تجده إلا على حواسيب المهووسين والمبرمجين المحترفين؟ أم أن عبارة "أندرويد نظام مفتوح المصدر" مجرد خدعة؟

بداية نظام أندرويد المفتوح المصدر (AOSP)

بدأ مشروع نظام التشغيل أندرويد مفتوح المصدر أو Android Open Source Project والذي يعرف اختصارًا بـ (AOSP) في عام 2003، وتأسست الشركة في بالو ألتو بولاية كاليفورنيا من قِبل مؤسسيها الأربعة أندي روبن، ريتش ماينر، نك سيرز وكريس وايت. لم يمر الكثير من الوقت حتى استحوذت شركة جوجل على المشروع في عام 2005. واستمر روبن والمطورون الآخرون في مواصلة تطوير نظام التشغيل هذا تحت إشراف وإدارة شركة جوجل. وفي نفس العام، شكلت جوجل وبعض الشركات الأخرى تحالفًا جديدًا تحت اسم Open Handset Alliance حيث كان نظام أندرويد هو اللبنة الأساسية لهذا الاتحاد.

نظام أندرويد AOSP

يعتمد نظام أندرويد على نواة لينكس Linux kernel، ومثل هذا الجزء المعقد من التعليمات البرمجية (النواة)، معظم البرمجيات الأساسية في نظام أندرويد مفتوحة المصدر. نعم نقول "معظم" لأن هناك عدد من البرمجيات المغلقة التي تساعد في تعريف الأشياء المادية وتجعلها تعمل مع أجهزة معينة (التعريفات).

منصة أندرويد الأساسية إذًا والمعروفة باسم مشروع Android Open Source Project (AOSP) هي مفتوحة المصدر ومتاحة لأي شركة أو أي شخص ليفعل بها ما يشاء. وقد قامت شركات كـ Samsung و Xiaomi و Oppo والعديد من الشركات الأخرى المصنعة للهواتف الذكية بهذا حيث قامت بالتعديل الجذري على واجهة أندرويد وأصدرت نسختها الخاصة المبنية منه لهواتفها الذكية وأجهزتها اللوحية. بينما قامت شركات أخرى كـ Oneplus و Sony بالتعديل بشكل طفيف على النظام مع الاحتفاظ بواجهته الخام، جدير بالذكر أن جوجل نفسها تقوم ببعض التعديلات لأنظمة أندرويد وطرحها لهواتفها بيكسل.

أندرويد ولينكس - لماذا لا نشعر أن أندرويد مفتوح المصدر حقًا؟

يستخدم الكثير من مستعملي الهواتف الذكية نظام أندرويد كنظام أساسي على هواتفهم. وقد فرض السوق هذا النظام على أغلبهم بتوفير هواتف من شركات مختلفة وبأسعار متباينة تمنح المشتري حرية الاختيار دون حتى التفكير في نظام التشغيل المستعمل، بل يكفي أنه يوفر كل التطبيقات المطلوبة وأكثر. من المستخدمين أيضًا من اختار نظام أندرويد بشكل دقيق على أساس أنه مبني على لينكس وهو ما يجعله أكثر أمانًا باعتماده للتطبيقات والبرامج المفتوحة المصدر، رغم أن جل تقارير الأمان ترجح نظام iOS كنظام آمن ومحمي للهواتف الذكية، وهنا تبدأ الشكوك في مقارنة نظام آندرويد بنظام لينكس!

Android-Linux

نعم، نظام أندرويد هو نظام مفتوح المصدر، ويمكن العمل عليه وبناء نظام كامل اعتمادًا على مشروع AOSP، وهو الحال مع العديد من المشاريع التي طورت نسخًا خاصة من النظام مثل CyanogenMod و Lineage OS... والتي أصبحت تعرف باسم "رومات أندرويد المعدلة". لكن بعض البرامج داخل نظام التشغيل ليست حرة ولا يمكن التعديل عليها، والأسوأ أنه لا يمكن حتى الاستغناء عنها. الحديث هنا عن خدمات جوجل أو كما تعرف اختصارًا بـ "GAPPS" أو Google services وهي عدد من البرمجيات الخاصة بشركة جوجل مثل متجر Google Play و Gmail و خدمات Google Play التي أصبحت ضرورية لتشغيل العديد من الألعاب والتطبيقات.

Google-services-apps

على عكس توزيعات لينكس الأخرى، ورغم أن أندرويد مفتوح المصدر، إلا أنه لا يمكن تطويره خارج شركة جوجل، فالشركة لا تشرك المطورين المستقلين في بناء أندرويد مثل توزيعات لينكس المختلفة وتكتفي بتطويره داخليًا ثم تقوم بنشره للمطورين دون الخدمات الأساسية التي تحدثنا عنها. هنا، لا يمكن تشبيه توزيعات لينكس التي يتم التركيز في تطويرها على برمجيات حرة بنظام أندرويد الخاص بشركة ربحية تعمل على دمج تطبيقاتها المغلقة فيه.

حتى تتضح الفكرة أكثر، في جميع توزيعات لينكس يتم اعتماد برامج افتراضية مفتوحة المصدر، أريد أن أشير هنا إلى كل من تطبيق البريد الإلكتروني "Thunderbird" ومتصفح "Firefox" الذي يأتي بشعاره الشهير "نُحافظ على الإنترنت مفتوحًا لأنه حقّ للجميع" بالإضافة إلى منصة "LibreOffice" البديلة لبرامج مايكروسوفت أوفيس، وتطبيق تحرير الصور "GIMP" وبرنامج الميديا "VLC".. على النقيض، يعتمد نظام أندرويد على تطبيقات جوجل مغلقة المصدر، رغم أن المستخدم قادر على تثبيت التطبيقات الحرة، إلا أنه غير قادر أحيانًا على حذف تطبيقات جوجل الافتراضية.

إذا كنت تريد استخدام نظام أندرويد كنظام مفتوح المصدر بما تحمله الكلمة من معنى، يمكنك استخدام روم LineageOS على هاتفك ثم الحصول على تطبيقاتك المفضلة من F-Droid. قد يبدو متجر التطبيقات الحرة هذا محدودًا مقارنةً بما يمكن الحصول عليه من Google Play، إلا أنه يقدم ما يكفي من التطبيقات الرائعة التي يمكنك تجربتها والاستمتاع بها والوصول إلى مصدرها أيضًا.

ماذا عن هواوي؟ هل نجح نظام هارموني المبني على أندرويد؟

كل ما تحدثنا عنه في الفقرة السابقة من استغلال جوجل لنظام أندرويد في تسويق تطبيقاتها المغلقة، أثر بشكل مباشر على شركة هواوي بعد الحظر الأمريكي ولم تتح لها الفرصة للاستفادة من نظام مفتوح المصدر. لا يمكن أن تقنع المستخدمين بسهولة أن هناك تطبيق آخر يغنيك عن تطبيق يوتيوب، او تطبيق بديل لمتجر جوجل بلاي أو لتطبيق جيميل.

نعم، استطاعت شركة هواوي بناء نظامها الخاص اعتمادًا على نظام أندرويد مفتوح المصدر دون أي تكلفة، أصدرت نظامها هذا تحت اسم Harmony OS وأطلقت إصداره الأول لأجهزة محددة في عام 2019، لكنها ركزت بشكل كبير على أجهزة التلفزيون الذكية وأجهزة إنترنت الأشياء وأنظمة الترفيه داخل السيارة وغيرها.

Harmony OS 2.0

لكن الشركة غير قادرة على استخدام الخدمات والمنتجات المملوكة لشركة جوجل على هواتفها الذكية، ما يعني أن العديد من ميزات أندرويد المكملة التي يعتمد عليها المستخدمون لا يمكن تضمينها في نسخة أندرويد الخاصة بهواوي لأنها مملوكة بالفعل لشركة جوجل وليست مفتوحة المصدر ولا يتم إدراجها في الكود المصدري الخاص بـ AOSP.

في محاولة منها لتوفير تطبيقات بديلة، قدمت شركة هواوي متجر التطبيقات الخاص بها تحت اسم AppGallery لجميع أجهزتها، أضافت الشركة الكثير من التطبيقات والألعاب إلى المتجر، ويمكن القول اليوم إن متجر هواوي يحوي معظم التطبيقات والألعاب التي يحتاجها مستخدمو أندرويد دون تطبيقات جوجل بطبيعة الحال. وفرت هواوي أيضًا تطبيقات أخرى مثل Petal Search كبديل لتطبيق بحث جوجل والعديد من التطبيقات الأخرى.

هل نجحت جوجل في غلق مصدرية أندرويد إذا؟

لطالما كانت هناك تطبيقات جوجل مغلقة المصدر منذ البداية، وكانت المجموعة تتكون في الغالب من خدمات جوجل البسيطة مثل جيميل، تطبيق الخرائط، تطبيق تالك ويوتيوب. كان هذا عندما لم يكن لدى نظام أندرويد حصة كبيرة في السوق وشعرت جوجل أنها بحاجة إلى بناء نظام أندرويد كمشروع مفتوح المصدر لكسب المزيد من الدعم والسيطرة على السوق. لكن ومنذ أن أصبح نظام أندرويد قوة متنقلة وأصبح يشغل أغلب الهواتف الذكية حول العالم، قررت جوجل الحصول على مزيد من التحكم في شفرة المصدر العامة.

في الإصدارات الأخيرة لنظام أندرويد، عادةً ما يتم إهمال منصة AOSP مفتوح المصدر ولا تتم إضافة تطبيقات عليها، بل ويتم التركيز بشكل أكبر على تحديث التطبيقات والخدمات المغلقة والمملوكة لشركة جوجل. وتمضي شركة جوجل بفكرة مفادها: لا يمكنك قتل برنامج مفتوح المصدر، لكن يمكنك تحويله إلى برامج مهجورة عن طريق نقل التركيز والتطوير المستقبلي إلى تطبيقات مغلقة المصدر. وهنا يجب أن نعلم جميعًا أنه عندما تعيد جوجل تسمية أحد التطبيقات أو تصدر قطعة جديدة من نظام أندرويد على متجر جوجل بلاي وليس على مشروع AOSP، فهي علامة على إغلاق المصدر وإصدار مشروع AOSP ميت.

في أغسطس 2010، أطلقت شركة جوجل البحث الصوتي تحت اسم Google Search، وتوفر التطبيق في متجر Android Market (كان اسم متجر جوجل بلاي آنذاك). في حين لم تقم بتطوير محرك البحث على مشروع AOSP الحر. وهنا تخلت جوجل بشكل مباشر عن التطبيق مفتوح المصدر وطورته تحت برنامج مغلق جديد ضم كلًا من ميزة البحث الصوتي، وتحويل النص إلى كلام، وخدمة الإجابات، ويضم الآن أيضًا Google Now ميزة المساعد التنبؤي للشركة.

هناك الكثير من التطبيقات التي حصل لها مثلما حصل مع تطبيق البحث الصوتي، نخص بالذكر كلًا من تطبيق الموسيقى Music الذي مات بعد عرض شركة جوجل خدمة الموسيقى السحابية في Google I/O 2010، إضافة الى تطبيق تقويم جوجل، أحدث التطبيقات التي ساهمت في غلق مصدرية أندرويد، النسخة المحدثة الجديدة من التطبيق متاحة للجميع مجانًا! يمكننا الآن تحميله من متجر جوجل بلاي مع المزيد من الميزات الرائعة! أوه، بالمناسبة إنه مغلق المصدر الآن. حصل نفس الأمر مع تطبيق الكاميرا وتطبيق الرسائل النصية وتطبيق لوحة المفاتيح.

نظام أندرويد AOSP مفتوح المصدر والمستقبل

رغم أن شركة جوجل تحاول التحكم في البرمجيات مفتوحة المصدر لنظام أندرويد قدر الإمكان، إلا ان امتلاك حق فرض تطبيقاتها على المستهلكين ليس ضمن المعادلة. فإذا تمكنت شركة ما، كما هو الحال مع شركة هواوي الصينية التي تحاول حاليًا إنشاء تفرع من نظام AOSP مفتوح المصدر، إذا ما تمكنت من إنشاء بدائل لتطبيقات جوجل يمكن الاعتماد عليها، من المرجح أن نرى المزيد من المنافسة في المستقبل بنسخ مختلفة من أندرويد مثل CyanogenMod و Lineage OS والمزيد.. خصوصًا إذا ظهرت نسخ أخرى تضم تطبيقات مفتوحة المصدر كبدائل لتطبيقات جوجل الحالية.

إذا تحقق هذا فقط، يمكن أن يعود نظام أندرويد AOSP للحياة مجددًا كنظام مفتوح المصدر بالكامل، لأن حينها سيكون من الصعب على جوجل إقناع الشركات باستخدام تطبيقاتها الخاصة دون التطبيقات المجانية الحرة الأخرى، بل وسيكون الأمر سهلًا على مالكي النسخ الحرة لتقوم باستدعاء مصنّعي الهواتف على استخدام النظام الجديد وإقناعهم بالتبديل. حتى الآن، يمكن القول إن الأمر مجرد حلم حتى الآن عندما نفكر أننا بحاجة إلى تطبيقات حرة منافسة لتطبيق يوتيوب ومحرك البحث جوجل.