لماذا يعتبر الهنود من أكثر المدراء التنفيذيين نجاحًا في وادي السليكون؟!

سوندار بيتشاي المدير التنفيذي لجوجل
1

شانتانو ناراين، أجيابال سينج بانجا، إندارا نويي، ساتيا ناديلا، ساندر بيتشاي، وغيرها الكثير من الأسماء ذات الرنين الغريب على الأُذن، والنطق الغير مألوف على اللسان. ربما مرت عليك يومًا ما وأنت تتصفح إحدى الوسائط المعرفية “إنترنت، كتاب، صحيفة … إلخ”.

هولاء عزيزي القارئ هم فيض من غيض من العقول الهندية المبدعة والخلاقة والمبتكرة، والتي تقود أكبر الشركات التقنية والتجارية في العالم وفي وادي السليكون بالذات “مهد الحضارة التقنية”، وأصبحت تمثل ما يشبه حالة خاصة تصدرها شبه القارة الهندية للعالم جنبًا إلى جنب أفلامها البوليوودية التي بدأت تظهر في الــ Box Office بين الحين والآخر.

فما قصة هولاء الهنود وتقلدهم للمناصب التنفيذية في هذه الشركات العالمية – بشكل عام ووادي السليكون بشكل خاص – دون غيرهم من الجنسيات الأخرى الأوروبية أو الصينية أو اليابانية أو حتى العربية؟!

التاريخ يُخْبِرنا

بأنّه في الخمسينيات والستينيات كان الهنود هم الوحيدون الذين يتواجدون في وادي السليكون، و هم المهندسون ذو المستوى المنخفض الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة للدراسة، وانتهى بهم الأمر إلى البقاء. كان الهنود عبارة عن قوالب نمطية ينظرون إليهم كما المتسولين وسحرة الثعابين، وإيجاد موطئ قدم لهم في مناصب قيادية في صناعة التكنولوجيا  كان أمرًا بعيد المنال.

ثم في السبعينات والثمانينيات هاجرت موجات من خريجي المعاهد الهندسية في الهند إلى الولايات المتحدة الأمريكية، واحدًا تلو الآخر بدأو بالتوافد لبلاد العم سام ووادي السليكون بشكل خاص في هجرة مثلت نواة ما نحن نراه الآن.

وقد بدأ مهندسون منهم مثل: فينود دهام Vinod Dham في إنشاء وابتكار تكنولوجيات جديدة أصبح اختراق تقني مذهل في ذلك الوقت، وقد أطلق عليه “Father of the Pentium Chip، ورجال الأعمال مثل: كانوال ريخي Kanwal Rekhi و فينود خوسلا Vinod Khosla شاركوا في تأسيس شركات مثل: Excelan و Sun Microsystems.

عند هذه النقطة بدأ الهنود بالنظر إلى بعضهم البعض ومساعدة القادمين منهم بتشكيل شبكتهم الخاصة في مجال دفع وتنظيم وإطلاق المشاريع بجميع أنواعها، وكان لهذا التكتل العفوي نتائجه الباهرة في تغيير نظرة الأمريكيين إليهم كمهندسين لهم شأن، وأنّهم لم يأتوا للعب في الباحات الخلفية فقط.

وفي عام 1999، ووفقًا لبحث ميداني اكتشف أنّ رجال الأعمال من أصل هندي قد أسسوا 7٪ من جميع الشركات الناشئة في وادي السليكون بين عامي 1980 و 1998.

والآن نجد أنّ الهنود لديهم مناصب قيادية وتنفيذية في جميع المجالات تقريبًا، فهم الآن يقودون جميع المجموعات المهاجرة إلى أمريكا في عدد من الشركات التي تأسست في الصناعات التالية: العلوم الحيوية (35٪)، وأجهزة الكمبيوتر/الاتصالات (28٪)، والخدمات المتعلقة بالابتكار/التصنيع (29٪)، وأشباه الموصلات(32٪)، والبرمجيات (33%)، والبيئية (39٪)، والدفاع / الفضاء (29%).

وفي دراسة حديثة أجريت عام 2014  وُجد أنّ 15% من الشركات الناشئة في وادي السيلكون تم إطلاقها بأفكار أمريكيين من ذوي الأصل الهندي، وهم يشكلون أكبر عدد من مؤسسي شركات التكنولوجيا المهاجرة، أكبر عدد من المجموعات الأربع القادمة (من بريطانيا والصين وتايوان واليابان) مجتمعة.

بالطبع، فإنّ إطلاق شركة ناشئة أمر يبحث عنه الجميع كأفراد أو مجموعات، ولكن أن تكون القائد والمدير التنفيذي لأكبر الشركات التقنية العالمية، ومستقبل هذا الشركة يقف عليك وحدك أمر آخر تمامًا، وتحدي لا يستطيع أن يخوضه أي شخص كما برع فيه الهنود في الآونة الأخيرة.

فما الذي يميز الهنود في هذا الجانب بالتحديد؟!

الجُهد والمُثابرة والطُموح

جمهورية الهند ذات الأعراق المختلفة والديانات المتعددة ونسبة السكان الكثيفة، يقابلها فقر مدقع لمعظم الأسر التي تعاني في توفير البيئة الصالحة لتعليم أطفالها، فالمدير التنفيذي لجوجل ساندر بيتشاي ولد في أسرة فقيرة تعتبر مسألة مشاهدة التلفزيون أو ركوب السيارة حلم ورفاهية بعيدة المنال، وكان ينام مع أخيه في غرفة المعيشة لشقتهما المكونة من غرفتين وقد خلت من أي مظهر من مظاهر الرفاهية والتكنولوجيا ولكن طموحه وموهبته وشغفه في تعلم كل جديد كان المفتاح فيما وصل إليه حاليًا.

ونجد أيضًا Nikesh Arora المدير التنفيذي Softbank Internet & Media Inc الذي كافح طويلًا للحصول على وظيفة، أرسل حوالي 450 رسالة لمواقع عمل مختلفة لكنه فشل في الحصول على رد، ونتيجةً لذلك احتفظ بنسخة من كل تلك الرسائل لتذكير نفسه عن كيفية التعامل مع الفشل والنهوض من جديد.

مُهندس مُدِير

معظم المدراء التنفيذيين الهنود الآن، و المتواجدين على قمة الهرم في الشركات التقنية على وجه الخصوص هم بالأساس مهندسين أولًا وقبل كل شيء، ويرجع ذلك للانتشار الكبير للكليات الهندسية الرائدة في جميع أرجاء الهند مع عدد كبير من الكليات الهندسية الإقليمية التي تنتدب المواهب إلى دراسة برامج الهندسة، والدراسات العليا المتعلقة بها في الولايات المتحدة.

فنجد أنّ ساتيا ناديلا المدير التنفيذي لمايكروسوفت نشأ في حيدر أباد ودرس في Manipal Institute of Technology، بينما المدير التنفيذي لــAdobe شانتانو نارايين درس في Hyderabad’s Osmania University، سوندار بيتشاي المدير التنفيذي لجوجل درس في IIT، معظم هؤلاء المدراء دعموا شهاداتهم الهندسية بدراسات عليا في تخصص إدارة الأعمال، أو إدارة المشاريع في الولايات المتحدة الأمريكية.

هذا الأمر يجعلهم يصنفون بطريقة غير مباشرة ضمن فئة “المديرين المهندسين”، وبالتالي عند دمج الهندسة مع دراسات عليا في علوم الإدارة يكون الناتج “مدير يفكر بعقل هندسي وقلب إنتاجي”.

لذلك، دائمًا ما يصبحون من المرشحين الأوائل لشغل مثل هذه المناصب، فالشركات التقنية مثل: جوجل ومايكروسوفت وفيسبوك يبحثون عن الأشخاص الذين يصنعون المنتجات وليس من يبيعونها، ويقدّرون من يحمل لقب مهندس أكثر من أولئك الذين لديهم شهادات في إدارة الأعمال وخلفيات التسويق.

عمِلُوا في أقسام المنتجات

تقريبًا جميع المديرين التنفيذيين الهنود العاملين في الشركات التقنية كانوا في مرحلة من حياتهم العملية يعملون في الأقسام التي لها علاقة مباشرةً بالمنتجات المقدمة للمستخدمين، سواءً كروساء أو ضمن فرق، مما يتطلب منهم العمل بشكل دائم على الابتكار والبحث والمخاطرة في إطلاق منتجات من شأنها أن تقفز بالشركة المعنية لمراتب أعلى في سوق التنافس.

التركيز وفهم الأسواق النامية

تعتبر الأسواق الناشئة والمعقدة هدفًا كبيرًا لشركات التكنولوجيا، حيث لديها إمكانات نمو هائلة وبالتالي تدر أرباحًا مالية خيالية في المستقبل. ولذلك، فمن المنطقي أنّ من يفهم هذه الأسواق بشكل عميق لابد أن يكون قد أتى منها والهند خير مثال لذلك.

وهذا ما نجده في أفكارهم المتعلقة بهذه الأسواق الناشئة من خلال التفكير المستقبلي لشركاتهم في اقتحام هذه الأسواق، فساتيلا نادالا المدير التنفيذي لمايكروسوفت استطاع أن يعود بالشركة إلى مرتبة متقدمة بعد الكثير من العقبات من خلال التركيز على نسبة المستخدمين الداعمين لمنتجات مايكروسوفت بدلًا من التركيز على الأرباح المالية وحدها.

كما أنّ أفكار المدير التنفيذي لجوجل ساندر بتشاي مهمة جدًا للشركة من خلال التركيز على المستخدمين وإتاحة منتجات جوجل للجميع وفي مختلف أنحاء العالم، وهذا ما نراه في خطته ودعمه الشديدين لمشروعات تعتبر خيالية مثل: “مشروع لوون Project Loon” لتوفير الإنترنت لأكبر عدد من الدول و خاصةً الفقيرة منها، حيث لديه اهتمام خاص بأنّ كل شخص لديه هاتف محمول ذكي من حقه أن يحصل على تجربة لا تختلف عن من هم أكثر ثراءً.

فهم لعبة الإدارة واللغة من المستعمر البريطاني

كما نعلم بأنّ الهند كان يحكمها المستعمر البريطاني في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، هذا الأمر أوجد بيئة إدارية منظمة ومرتبة قام عليها الهنود، فمسألة إدارة الشركات والمؤسسات بطريقة إدارية منظمة أمر يسرى في دمائهم وموهبة فطرية.

بالإضافة إلى اللغة الإنجليزية التي يتخاطب بها ثلث سكان العالم بشكل رسمي، وهذا يعني أنّه منذ سن مبكرة العديد من الهنود على دراية جيدة بتحدثها بطلاقة، وبالتالي نجد أنّ المدراء التنفيذيين الهنود يتفوقون بشكل واضح على نظرائهم في بعض الدول الأوروبية ودول آسيا بالتحديد، مما يعطيهم ميزة واضحة في مهارات التواصل والاتصال.

شبكة دعم قوية للقادمين الجُدد

أحد الأسباب أيضًا أنّ الهنود في الولايات المتحدة قرروا أن ينسوا أي جزء من الهند قد ولِدوا فيه، وحولوا تركيزهم فقط على أنّهم هنود بالمقام الأول بغض النظر عن من أين أتوا أو ما هي دياناتهم، وعندما نجح الجيل الأول من الهنود في وادي السليكون في تحطيم السقف الزجاجي، قرروا مساعدة الآخرين على اتباع طريقهم، وأدركوا أنّهم استطاعوا أن يتجاوزوا جميع العقبات التي أماممهم، وبالتالي أصبح هدفهم أن يقللوا ويكسروا بعض الحواجز أمام دخول القادمين من خلال تبادل خبراتهم وفتح بعض الأبواب لهم.

الواحد للكُل والكُل للواحد

ما يميز الهنود بشكل كبير عن غيرهم هو أسلوبهم في عدم وضع حاجز بين الرئيس والمرؤوس، فقد أشارت دراسة أجريت عام 2004 إلى أنّ المديرين التنفيذيين الهنود يميلون نحو الإدارة التشاركية وبناء علاقات هادفة مع المرؤوسين، ووجدت الدراسة أنّ أسلوب القيادة والإدارة الذي تربى عليه هولاء المديرون التنفيذيون في بلادهم قد عزز الروابط العاطفية بين الرؤساء والمرؤوسين، و إنّ الشعور بأنّ الشركة تهتم حقًا لموظفيها، هذا الأمر أوجد رابطة قوية من الولاء في إدارة الشركات ونجاح المشروعات تجاوزت المكافآت المالية.

جلوس ساندر بتشاي على قمة الهرم الإداري لشركة بحجم جوجل ما هو إلّا تأكيد بأنّ هنالك قوة متزايدة للمهاجر الهندي في الولايات المتحدة. في المستقبل وجود مدير تنفيذي من أصل هندي في إحدى الشركات التقنية الكبرى الأخرى قد لا تمثل مفاجأة كبيرة لنا كمتابعين.

وإذا ترامى لمسامعك عزيزي القارئ في المستقبل بأنّ هنالك مقعد مدير تنفيذي فارغ في شركة من الشركات التقنية الكبرى الأخرى مثل: فيسبوك أو سناب شات أو تويتر أو حتى آمازون، فابحث جيدًا عن من يحمل أصول هندية في هذه الشركة، وستجده بنسبة كبيرة من أكثر المرشحين لنيل هذا المنصب.

1

شاركنا رأيك حول "لماذا يعتبر الهنود من أكثر المدراء التنفيذيين نجاحًا في وادي السليكون؟!"

أضف تعليقًا